spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 116
كلمة العدد: ولهذا الغرض منحنا الله، سبحانه وتعالى، العقل...
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 137
العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133


 
كلمة العدد: أبواب الله واسعة، أمام الطائفة الدرزية طباعة ارسال لصديق
 يحكى عن الشيخ جابر شنان، أحد وجهاء الطائفة الدرزية في عهد والي عكا، أحمد باشا الجزار، في أواخر القرن الثامن عشر، وأحد سكان قرية حرفيش، أنه كان معروفا ببأسه وشجاعته وبطولاته ومواقفه المشرّفة، لحماية أبناء الطائفة الدرزية في قرية حرفيش، وفي منطقة الجليل بشكل عام. وكانت حرفيش قرية صغيرة، لا يزيد عدد سكانها عن بضع مئات من السكان الدروز، وكانت محاطة بقرى عربية غير ودّيّة، كانت بغالبيتها ما زالت مدمنة على العادات القبلية القديمة من عهد الجاهلية، من ناحية الغزو والسبي والتعدّي والسرقة وغير ذلك. وكان سكان حرفيش مواطنين مسالمين لا يعتدون على أحد، لكنهم عُرفوا بأنهم لا يسكتون على ضيم، وأنهم يدافعون عن أراضيهم وعائلاتهم بلا هوادة، وبرز بينهم عدد من الشجعان على مرّ العصور، استطاعوا أن يُفهِموا سكان القرى المجاورة، ألاّ يحاولوا ان يتعرّضوا لسكان حرفيش. وقد حاول بعضهم الاعتداء والتحرُّش، فرُدّوا على أعقابهم خاسرين، وتمّ تأديبهم ومعاقبتهم بشكل قاطع. لذلك لجأ بعض المغرضين من أعداء القرية إلى الوشاية والفساد لدى الجزار الذي عُرف بظلمه وشراسته وفظاظته في سائر أنحاء الإمبراطورية العثمانية. وكان الشيخ جابر شنان أحد الوجهاء الأبطال في ذلك العهد الذي لم يخشَ أحدا وأعلن دائما أنه مستحيل أن يقوم مواطن درزي بالاعتداء على أي مواطن، ولكن يُقطع عنق أي غريب تسوِّل له نفسه أن يعتدي على الدروز. ولمواقفه هذه كثر حسّاده من القرى العربية لأنه لم يقم بحماية الدروز فقط، وإنما لجأ إليه المظلومون من المسيحيين، وحتى من بسطاء المسلمين، الذين تحمّلوا أيضا من سطوة الإقطاعيين والولاة وأصحاب الوظائف الذين تعسّفوا بهم. وقام المفسدون بالوشاية عند الجزّار قائلين، إن الشيخ جابر عثر على كنز وهو يخبِّئه ليستمتع به لوحده. أرسل الجزار في طلب الشيخ جابر وبكت النساء التي عرفت أنه سيُقتل لا محالة لِما عُرف عن الجزار من ظلم. وصل الشيخ جابر إلى عكا وعندما دخل إلى القصر، وكان واثقا أنه سيموت إن كُتب له الموت، فأخذ يسأل: أين هذا الجزار ،وحاول مرافقوه أن يردعوه قائلين، إن الجزار لا يغفر هذا التصرّف، لكنه أصرّ ألاّ يخضع للمذلة وأن يواجه الجزّار رافع الرأس. وقف أمامه قائلا  للجزار: ها أنا هنا، ماذا تريد؟ فوجئ الجزار بهذا التصرّف، وأراد أن يتحقق من هو هذا الشخص وراء هذا التصرف الجريء. تريّث وقال له: أنت عثرت على كنز ولم تصرّح عنه. قال له الشيخ جابر بشموخ: نعم أنا لدي كنز ثمين هو ،أرضي وأولادي ونشاطي وجهدي وكرامتي وهذا ما اعتز ّبه. قال له: ألم تعثر في الأرض على أي جواهر أو أشياء ثمينة مدفونة؟ أجاب: نعم، عثرت على كنوز الأرض من خيرات ومزروعات استخرجها منها بعرق الجبين وبالمشقة والتعب، لكي لا أكون عالة على الآخرين. سُرّ الجزار من هذه الأجوبة، وفهم أنه أمام إنسان صادق، مجتهد لا يضرّ أحدا ويعتمد على كدّه وجهده في المعيشة. قال له: أحييك أيها الشيخ، وأنا أقدّر الرجال الحقيقيين، وأعيّنك مندوبي في المنطقة.
هكذا استطاع الشيخ جابر أن يدحر كل أعدائه، وأن يرفع اسم الدروز في تلك المنطقة، وتمكّن من أن يبرز هيبتها وجدارتها وعزّتها. ومنذ ذلك الوقت اعترف الأعراب حولها بمكانتها وتوقّفوا عن التعرّض لها والاعتداء عليها لفترة.
 وقد بعث الله، سبحانه وتعالى، للطائفة الدرزية شخصيات مماثلة للشيخ جابر، في جبل الدروز، وفي لبنان، وفي الكرمل قامت بأدوار بطولية تنبع من طبيعة الطائفة الدرزية المسالمة الواثقة من نفسها، المعتمدة على مقدّراتها فقط، والمتّكلة على الله، سبحانه وتعالى، والتي آمنت وتؤمن دائما، أنها لن تتعرّض أبدا لأحد، لكن الويل كل الويل، لمن يحاول أن يتعرّض لها. وهذه الطائفة عرفت مدى التاريخ مصلحتها، وما يضرّها وما يفيد، وتعلّمت كيف تتجاوز الأخطار وتتجنّبها وتواجهها عند الحاجة.
ونحن اليوم، نستعيد موقفا مشرّفا لقادتنا وزعمائنا في البلاد، الذين عانوا وتألّموا وتحمّلوا كل التعدّيات التي قام بها الإرهابيون العرب في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي بحجج واهية، وكل همّهم وهدفهم، هو الإذلال والتنكيل بالطائفة الدرزية، لشخصيتها ومواقفها واعتدادها بنفسها، ومحافظتها على كنوزها وجواهرها الثمينة. فقد ألهم الله، سبحانه وتعالى، قيادة الطائفة الدرزية عام 1948 وقبل ذلك، أن يتّخذوا القرار الصحيح بالبقاء في هذه البلاد، وبالاندماج في الدولة، وبالعمل على المحافظة على الكيان والتراث في أي ظروف كانت. وقد اثبتت الأحداث التي جاءت بعد ذلك سلامة هذا القرار وصحّته.
 وفي هذه الأيام، احتفلت الطائفة الدرزية ودولة إسرائيل، بذكر وتقدير الشخصيات الدرزية التي بدأت العلاقة اليهودية الدرزية، والتي وثّقت الروابط، وحافظت على كيان الطائفة وكرامتها على مدى السنين. وفي حين عزّزنا هنا مواقفنا في البلاد، واندمجنا في جيش الدفاع، وحافظنا على مقدّساتنا وتراثنا، نظرنا إلى إخواننا في الدول العربية، فرأينا عطوفة سلطان باشا الأطرش، يبادر إلى الثورة  السورية الكبرى ضد الانتداب الفرنسي، ويؤيّده سكان جبل الدروز، وتحلّ بالجبل كارثة، هُدم فيها بيت سلطان وهُدمت غالبية بيوت الجبل، وقُتل حوالي  ثلاثة آلاف مقاتل درزي، وحوالي ثلاثة آلاف مواطن ومواطنة، وجاء الاستقلال بعد فترة، وقام الدروز بأكبر خدمة للجمهورية السورية المستقلة، وتغنّوا بها ودعموها بالحفاظ عليها بالجيش وفي أجهزة الدولة، وكانت النتيجة، أن قام رئيس الحكومة شكري القوتلي، بزرع الفتنة بالجبل، بإثارة أحقاد دفينة بين الشعبية والطرشان، ثم جاء الطاغية أديب الشيشكلي ولم يرتدع عن ضرب قرى الجبل بالطائرات، وعُزل الزعماء الدروز، وقُضي على كل من برز مثل سليم حاطوم وشبلي العيسمي وغيرهم، من الذين نادوا بوحدة سوريا، معتّزين بانتمائهم التوحيدي. لكن الأغلبية العربية هناك، ترفض أن ترى زعيما بارزا يقود البلاد ويرفع من شأنها، إن كان من أبناء الطائفة الدرزية. وآخر مشهد يبعث على الحسرة والألم، هو تفاني القائد اللامع عصام زهر الدين، في الدفاع عن الشرعية والوحدة والقانون، وتمكّنه من القضاء على داعش والقوى المخرّبة في الدولة، وهو يُقتل برصاصة فقط، لأنه كان مخلصا لوطنه وبلده، وغامر بنفسه، واستمات في الدفاع، ولقي نفس المصير الذي واجهه غيره من الزعماء الدروز.
 وإذا نظرنا إلى إخواننا في لبنان، نجد نفس المجريات تحدث وتوصل الطائفة إلى نفس النتائج، حيث قُتل الأمير قرقماز، والأمير فخر الدين المعني الثاني، والشيخ بشير جنبلاط، على مذبح المناداة بالاستقلال والكرامة، وقُتل المعلم الكبير كمال جنبلاط، الذي ترفّع عن الفئوية والطائفية، ورفع رأس العالم العربي أمام شعوب العالم، وحيكت المؤامرات على الطائفة الدرزية من قِبل الطوائف والأطراف التي قامت الطائفة الدرزية على مرّ التاريخ بالعطف عليها، وحمايتها، ومنحها المأوى والمكان، لكنها اكتسبت قوة مع الوقت، وأخذت تعمل كل شيء للقضاء على الطائفة الدرزية.
ونحن في هذا الموقف، لا نيأس، ولا نخاف، ولا نندم على ما فعلنا، وسنظل ننتهج نفس الطريق، أولا لأننا واثقون من ديننا ومبادئنا وعقائدنا، ومتمسكّون بسبل الكرامة والاستقامة والوطنية والتضحية، وثانيا لأننا نؤمن بقضاء الله وقدره، ونعتقد أن الله، سبحانه وتعالى، حابانا بمنزلة وبحظوة، أننا شرفاء، لا نعتدي على أحد، ولا نهضم حق أحد، وكل ما نريده هو ان نحافظ على كياننا ووجودنا في هذا العالم الواسع، بدون ان نمسّ أحدا بسوء. واعتمادنا على الله، سبحانه وتعالى، نابع من ثقتنا بعدله وإنصافه ورعايته، تماما مثل تلك السيدة، التي حُكم على زوجها النجّار بالموت من قِبل ملك البلاد، وحُدِّد موعد تنفيذ الحكم. وفي ليلة التنفيذ لم يستطع النجار النوم، فقالت له زوجته: اتّكل على الله ونم، فأبواب الله واسعة. نام واستيقظ في الصباح على قرع شديد على الباب من قِبل جنود، فنظر إلى زوجته نظرة لوم، أن شيئا لم يتغيّر، وهيّأ نفسه للقدر المحتوم. ولما فُتح الباب، أخبره الجنود، أن الملك مات وهم يطلبون منه ان يبني له تابوتا.
 تحياتنا لجميع أبناء الطائفة الدرزية بمناسبة حلول الزيارة السنوية لمقام سيدنا أبي عبد الله عليه السلام، والسهرة الدورية في مقام النبي شعيب (ع).

زيارات مباركة
وكل عام وأنتم بخير

Image

سميح ناطور
دالية الكرمل
كانون أول 2017

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.