spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 135
كلمة الدكتورة ريما معقصة رئيسة الجمعية الدرزية الأمريكية
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
نحنُ وابناؤنا بين شقَّي الثواب والعقاب طباعة ارسال لصديق
بقلم الشيخ أبو محمد رياض حمزة
Image

لقد تغيرت المفاهيم والعادات والتقاليد والسلوكيات وتبدلت في الآونة الأخيرة الى ما هو مختلف عما اعتدناه، ولكي نحافظ على متابعة العيش في مُجتمعٍ فيه بعض مِن عاداتٍ وتقاليدٍ ومفاهيم اوجدها باري هذا الكون سبحانه، لا بُد لنا مِن أن نعود الى ما جاء في بديهيات الثواب والعقاب، بين صفحات كتب الباري المُنزلة، ومن خلالها. وعندما نتحدث عن الثواب والعقاب، نعتمد على نصوص الدين وأصوله، وعلى ما ينُصَّ بهذا الصدد، وعلينا ان نتذكر أن إثـابــة المـُحـسـن لإحـسـانه، وعقاب المسيء على إساءته، هو مبدأ توحيديّ مُنزل ومُعترف به، لقوله تعالى: "وهـَـلْ جَـزَاءُ الإحْسَانِ إلاَّ الإحْسَانُ، والحسنة بعشرة أمثالها "، وقوله، جل من قائل:" جَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ". ويمكن طرق أبواب العقاب والثواب، إما بالترغيب وإما بالترهيب، ومما هو مُصطلح عليه أن كبار المربين والفلاسفة يميلون الى الترغيب أكثر.
وعندما نتحدث عن الإثابة، لنتذكر أن الإثابة انواع، أهمها اثنان، المادي والمعنوي: فعندما نغرس العادات الطيبة في نفوس اطفالنا / اولادنا، لابد لنا من مكافأة الطفل/ الولد، على إحسانه عند القيام بعملٍ ما، فالمكافأة تبعثُ فيه جانباً من الارتياح النفسي الروحاني، الوجداني، وتجعله يُقَدِّمُ المزيد مِن الخدمات للآخرين، ومِن خلال هذا الارتياح، بغض النظر عن ماهية الخدمة، وعمن هي مُقدمةٌ له. وقد قدر الآباء والأجداد أهـمـيـة ترغيب الأبناء بعمل الخير وثوابهم (مكافأتهم) عليه، عند حسن استجابتهم، خير الاثابة، فهذا العابد المتصوِّف إبراهيم بن أدهم (ر) يقول: قال لي أبي " يا بني اطلب الحديث (ابحث عن العِلم والقول الحسن)، فـكـلـمـا سـمـعـتَ حـديـثـاً وحفـظـتـه فلك درهم. فطلبت الحديث على هذا". وهذه هي الإثابة المادية. فالـثـواب قـد يكـون مـاديـاً ملموساً كتلبية ما يطلبه الطفل/ الولد، مِن المُقتنيات المادية، أو نقوداً وغيرها، وقد يكـون معنوياً يفرِّحُ قلبهُ كالمديح والثناء والابتسام، وإظهار الاعتزاز به لعمله الطيب، على حدة وأمام الناس. إلا أنه علينا الحذر مِن الغلو(الاستزادة) في المدح، فإنهُ يأتي منافياً للدين ولقواعد التربية الصحيحة للطفل/للولد، فالاعتدال في الإثابة يكون في نطاق الأدب التوحيدي، وعليه، على المربي ألا يُكْثِر من عبارات الاستحسان حتى لا يُدخـل الغرور في نفس الطفل/ الولد. كما أنه يتوجب على المربي ألا يجعل الثواب المادي هو الأساس، لـمـا لـذلك مـن أثـر سيئ وسلبي على نفسية الطفل/ الولد مستقبلاً، لكونه يحوِّله الى شخصٍ ماديٍ لا مكان للمشاعر والمعنويات عنده، ولذا يتوجب عليه (المُربي) أنْ يوازي بين الثواب المادي والثواب المعنوي.
وعندما نأتي بالحديث عن العقاب علينا أن نعلم أنه كذلك أنواع أهمها: أن التربية السليمة الصحيحة، لا تتمحور، بالضرورة، بالشدة والضرب والتحقير فقط، كما يظن الكثير، وإنما هي مساعدة الناشئ للوصول إلى أقصى كمالٍ ممكن، خاصة وإن دين التوحيد رفع التكليف عن الصغار وحمَّلهُ للكبار (الأهل)، ووجه الأهل والمربين إلى العقاب كوسيلة مساعدة للمربي ليعالج حالة معينة قد لا تصلح إلا بالعقاب الـمـنـاسـب الـرادع، وذلـك بـعـد سـِن التمييز (العاشرة). ومِن هذا نستشف أن الضرب من أجــل تعويد الطفل على شيءٍ ما، لا يصح قبل هذه السن دينياً، ويحسن أن يكون التأديب بغير الضرب قـبـل هـذه الـسـن. وأمـا نـوعـيـة العقاب فليس من الضروري إحداث الألم الجسدي فيه، فالتوبيخ العادي الخفيف ولهجة الصوت القاسية مثلاً، يحدثان عند الطفل/ الولد الذي تربى تربية سليمة، نفس التأثير الذي يحدثه العقاب الجسدي الشديد، عند من تعوَّدَ على ذلك. وكلما ازداد العُنف في العقاب، قل تأثيره على الطفل/ الولد، بل ربما يـؤدي إلـى الـعـصـيـان وعدم الاستقـرار. ويجب أن يتناسب العقـاب مع العمر، إذ ليس من العدل عقاب الطـفـل فـي السنة الأولـى أو الـثانية من عمره عقاباً جسدياً، فتقطيب الوجه يكفي في هذه السن، إذ أن الطفل لا يدرك معنى العـقـاب بعد. وتختلف وسائل العقاب كلما تقدم الطفل في السن، وانتقل مِن مرحلة الى أخرى. ولا يصح بأي حال مِن الأحوال أن يكـون العقـاب سخرية من الطفل / الولد، أو تشهيراً بهِ أو نعتهِ بشتى الألـقـاب، وفي ذلك قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خـَيْراً مِّنْهُمْ ولا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ". أليست هذه الطريقة أفضل مِن طُرُقِ مَن ينادون أبناءهم: يا أعور، يا أعرج، يا أخوث، يا أهبل، ويا ويا ويا، فيمتهنون (يهينون) كرامتهم..؟، أو يعيرونهم بقبائح المهن والمناصب فيدفعوלهم الى الباطل بمناداتهم، يا بدوق، يا كذاب، يا لص، يا حرامي، و و، الى غير ذلك مِن الألقاب التي قد تؤدي بالمنعوت بها الى اكتسابها وامتهانها لاحقاً.
وفي ضرب المربين للأولاد: وضع فقهاء التوحيد حدوداً لا يجوز للمربي تـجـاوزهـا إذ تُلـزمه هذه الحدود أن يتقـي ضَرْبَهُ على الوجه ومكان المقاتل، وينبغي أن يكون الضرب مُفرقاً لا مجموعاً فـي محـل واحـد، وعند القصاصK مِن المُهِمِ أن يكون عند المربي ثباتاً في المبدأ ومساواة بين الأولاد وعدلاً بينهم، لأن العقوبة الظالمة لا تـجـلـب إلا الضرر. كما وأن الخطأ الذي يحدث عن الطفل/ الولد، للمرة الأولى يُفَضّلُ أن يخفف فيه العقاب، إلا إن كــان الخطأ فادحاً فلا مانع من استخدام العقاب المناسب الأشد كي لا يستهين الطفل / الولد بالذنب.
وإذا وقع العقاب من أحد الأبوين، فالواجب أن يوافقه الآخر، وإلا فلا فائدة من العقاب، وعلينا إشعار الطفل/ الولد، بأن العقاب ليس للتشفي وإنما لمصلحته، لأن شعور الطفل بخلاف ذلك قد يُحْدِثُ انحرافاً معيناً في نفسه، وهو أن يتعمد إثارة والديه، ليستمتع بمنظر هياجهما وثورتهما عليه، فهو يحس بالارتياح الداخلي، لأنه وهو الصغير استطاع أن يثير أولئك الكبار ويزعجهم بتصرفه، ايما ازعاج. وهنا أود لا بُد أن أأكد على أن العقاب يجب أن يتلو الذنب مباشرة، وإلا فانه لا يجدي.
وقد ابدت التجارب أنهُ اذا ما اوقعنا العقاب المناسب (اللوم مثلاً) بالأطفال/ الأولاد الفرحين المنفتحين فأنهم يضاعفون جهودهم مِن أجل المزيد في العطاء، في حين أن المنطوين يتضعضع ويضطرب عطاءهم وإنتاجهم عقب اللوم. والولد النبيه المجتهد يحفزه الثناء على اداء الأفضل أكثر من النقد، والمربي، بحسن حكمته، يضع الأمر في نصابه عادة.
واذا تساءلنا أيهما أفضل، الثواب أم العقاب، نجد أن نتائج التجارب التي أجريت على بني البشر، في هذا المجال، أظهرت بأن الثواب أفضل استعمالاً، تجاه ابناء جميع الأعمار من بني البشر، مِن العقاب، ومِن هنا فهي توصي (التجارب) بضرورة الاهتمام بقضية الثواب والاستحسان، وتركز على الثواب دون العقاب بسبب ذلك الأثر الانفعالي السيء الذي يرافق العقاب على المُعاقب، أو يليه، وقد ندد الأديب الكاتب العالم المحيط المربي، ابن خلدون باستعمال الشدة في التربية فقال: "من كان مَرباهُ بالعُسف (بالتعسف) والقهر، من المتعلمين أو المماليك أو الخدم، سطا (ذهب، راح) به هذا المَرْبَى إلى القهر، وَضَيَّقَ على النفس انبساطها، وذهب بنشاطها، وحَمَلَها إلى الكذب خوفاً من انبساط (امتداد) الأيدي بالقهر عليها، وعلمها المكر والخديعة ". ومن كلام سحنون، الامام الفقيه (عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي ر)، في وصيةٍ لمعلم ابنه، قال: "لا تؤدبه إلا بالمدح ولطيف الكلام، فليس هو ممن يؤدب بالضرب أو التعنيف ".
ولعل أجدى الطرق التي ينبغي اتباعها مع الصغار هي ما ذهب إليه ابن مسكويه (احمد بن محمد بن يعقوب مسكويه – فيلسوف ومؤرخ مشهور) في الموازنة بين الثواب والعقاب إذ يقول في ذلك: " ليُمْدَح الطفل بكل ما يُظْهِرُ مِن خُلُقٍ جميل وفعل حسن ويكرَّم عليه، وإن خالف في بعض الأوقات لا يوبخ ولا يكاشف بل يَتَغافل عنه المربي... ولا سيَّما إنْ سَتَرَ الصبي مخالفته... فإن عاد اليها فليوبخ سراً، ويعظم عنده ما أتاه ويحذر من معاودته.. فإنك إن عودته التوبيخ والمكاشفة علانيةً حملته على الوقاحة، فالعقاب ليس الوسيلة المجدية، فهو قد يؤدي إلى كف الطفل/ الولد، عن العمل المعيب، لكن لن يؤدي إلى حبه للخير المطلوب وفعله، ومن ثم سيعاود الطفل/ الولد، ما مُنِع عنهُ لأنه يرى في العودةِ اليه إثبات ذاته، وإغضاب الآخرين، ومن هنا يتضح لنا جلياً أن الترغيب، عموماً، أفضل من الترهيب ، والاعتدال هو العدل والميزان ". 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.