spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 3
عودة إلى عودة الدروز- مسرحية الشاعر الانجليزي براونينغ
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 137
العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133


 
قصة: الطلاق على السلم طباعة ارسال لصديق
قصة بقلم سهام ناطور (عيسمي)   

جلست أم سليمان في فناء بيتها، تنقّي حبّات العدس، لتعد لزوجها وأولادها طبيخ المجدرة، الذي يحبونه ويطلبون دائما أن تقوم بإعداده، وهي تذكر كلما فعلت ذلك، ردود فعل زوجها وأولادها والابن الأكبر في العاشرة من عمره يقول لها، حينما يصل إلى البيت: لقد استنشقت رائحة المجدرة على بُعد كيلومتر، وأخذت أركض، كي أصل وألتهم الطبق كله. ويضيف والده أحيانا: عندما أقترب من البيت وأستنشق رائحة المجدرة، أطمئن بأن غداءنا اليوم لذيذ. والأولاد الآخرون يأكلون بشهية ومتعة تجعلها تشعر بالفخر والراحة، وتنسى لبعض الوقت، مشاكلها المستمرة مع زوجها. أم سليمان غير سعيدة في بيتها، فهي تبذل كل جهدها، وتتفنن وتقوم بأعمال خارقة لإرضاء زوجها، لكن دون جدوى. نعم، لم تكن قصة حب أسطورية وراء زواجهما، لكن زوجها كان ابن الجيران، ونشآ وإياها منذ صغرهما قريبيْن، يعرفان كل شيء الواحد عن الآخر، وكان ينظر إليها مثلما كان ينظر إلى باقي بنات الجيران والحارة، وكانت هي كذلك تنظر إليه، معتبرة أنه أحد الذين يمكن أن يتقدّموا لخطبتها، لكنها لم تكن واثقة من ذلك، إلا عندما شاهدت والد زوجها مع أخيه، يقتربان من البيت، ويدخلان ويجلسان مع والدها. نعم، كانت بينهما نظرات عامة، لا تنمّ عن شيء، ولا تدل عن اهتمام خاص منها ومنه. ولم يكن بينه وبينها أي لقاء على انفراد، وإنما شاهدها تلبس أحلى فساتينها في الأعراس، وكانت واحدة من عشرات الفتيات. وحتى عندما رأت والده وأخاه يقتربان، لم تفكر بشيء، وإنما اعتقدت أن هناك أمرا يتعلق بالأرض أو بالشارع أو بأي موضوع مشترك بينهما. وساعدت أمها في تقديم واجبات الضيافة، مثل أي ضيوف آخرين. لكنها فوجئت عندما رأت أن والدها يتقدم منها، ويخبرها أن والد محمود جاء يخطبها لابنه محمود، وأنه تمشيا مع عاداتنا وتقاليدنا، لم يعطه الجواب قائلا: إنه من ناحيته ليس لديه أي مانع، فهم عائلة محترمة، وله الشرف أن يكون في نسب معهم، لكن عليه أن يسأل رأي الفتاة.
أطرقت أم سليمان تفكّر، ولم تجب والدها، ربما حياء ورهبة منه، فالأيام كانت في الخمسينات من القرن العشرين، وكانت العادات ما زالت سائدة آنذاك، فالابن يمكن أن ينزل العروس، ابنة عمّه عن ظهر الفرس، والزواج من بنات الأعمام والخالات شائع، وهي ليست لها أي قرابة مع أهل محمود، بل بالعكس الوضع الاجتماعي والمالي لأهلها أكبر بكثير من أهل محمود، فوالدها هو أحد وجهاء القرية، وله مكانته في المجتمع، ووالد محمود إنسان محترم عادي ككل الناس. وفكّرت، ربما يطمع محمود في أملاك والدها، ربما يريد أن يرفع من مركزه الاجتماعي بالزواج منها، تحيّرت هل ترفض؟ هل تقبل؟ فهي ليست مرتبطة مع أحد، ولم تشعر أن أحدا من الشباب حولها يركّز عليها، وهي ما زالت صغيرة في السادسة عشرة من عمرها، ولم تفكّر بالأمر جدّيّا. لقد نظرت إلى محمود عدّة مرات، ونظر إليها، لكن لم تكن في هذه النظرات أي دلائل تشير أنه مهتم بها. من ناحية أخرى، هذا الإنسان لا بد أنه فكر بينه وبين نفسه، وقرر لأسباب لا تعرفها، أنه يريدها وطلب من والده وعمّه ان يأتيا لمفاتحة أهلها فلماذا ترفضه؟! وقرّرت أنها بما أنه لا يوجد لديها إنسان آخر مفضل، ومحمود يبدو شابا أنيقا، نشيطا، مقبولا على الناس، فلماذا لا تقبل به. وجلست مع والدها بعد يومين قائلة له: الرأي رأيك يا والدي، وما تريده أنتَ فأنا اقبله. وهذه هي عادة علامة الرضى في لغة البنات في تلك الأيام. وتمّت الخطوبة والزواج، وكانت سعيدة بزوجها، وكان سعيدا معها، وأنجبا أربعة أولاد، وظهرا أمام الناس في قمّة المتعة والسعادة، وكل الأمور كانت متوفّرة لهما، فقد كانت اشغال زوجها منتظمة، وقامت هي بدورها كزوجة وربة بيت على أحسن حال، وبدا أن كل شيء على ما يرام.
 لكنها أخذت تشعر في آخر سنتين ببعض الضيق أو التحايد من قِبله في مواقف معيّنة. ففي بداية حياتهما لم يرفع صوته عليها، ولم يؤنّبها، ولم يبدِ أي ملاحظة. بل بالعكس، كان يلهج بالمدح والثناء والحب. أما في المدّة الأخيرة فهو ليس على عادته، وأخذت تشعر أن هناك هوّة بينها وبينه، ما زالت صغيرة ولكنها موجودة. وفكّرت، لربما تعرّف على امرأة غيرها، وهو يريد أن يطلّقها ليتزوج تلك الامرأة، لكنها بحدسها وشعورها الفطري كزوجة وأنثى، فهمت أن ضيقه ليس من هذا الباب، وأخذت تصبّ كل أفكارها في معرفة السبب، وبشعورها الأنثوي، توقّعت أسوأ الحالات، وهي أن يتوجّه إليها بالطلاق. والطلاق عند الدروز سهل على الزوج وعلى الزوجة، فيكفي أن يصرّح أحدهما بذلك حتى تنقلب كل حياتهما رأسا على عقب، وأخذت تحاول أن تغمر أولادها بالحب، كي لا يشعروا بما يجري، وفعلت الشيء نفسه مع زوجها، ملبّية كل طلباته، ومطيعة لكل ملاحظاته، وكل همها أن تكسب رضاه.
وفي أحد الأيام وضعت السلم، لتحضر بعض الأشياء عن ظهر الخزانة، وفي تلك اللحظة دخل زوجها، فرأى أنها واقفة على السلم، وخطر على باله شيء جهنمي، وقال لها: لقد صعدتِ على السلم، فأنتِ طالق، إن نزلت عن السلم، وإن صعدتِ، وإن بقيت مكانك، أنتِ طالقة. وسدّ أمامها كل الإمكانيات. لكنها بذكائها، وتوقّدها، وحبّها لأولادها وبيتها، وجدت فورا حلا آخر لا يكسر كلام زوجها، ولا يجعلها طالقا. جمعت كل جسدها ورمت بنفسها عليه، وسقط كلاهما على الأرض... 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.