spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 114
حنا أبو راشد والدروز
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
قصة: وما جزاء المعروف إلا بالمعروف طباعة ارسال لصديق
قصة تاريخية حقيقيّة من أجواء وعادات وتقاليد الماضي السحيق
بقلم الشيخ أبو توفيق سليمان سيف   

Image

حينما كانت الإمبراطوريّة العثمانيّة في أوج عظمتها، وسيطرت على أجزاء كبيرة من القارات الثلاث آسيا وشمال أفريقيا واوروبا، حيث كانت القسطنطينيّة تعتبر القلب النابض والعاصمة للإمبراطورية العظمى مقراً للسلاطين والآغاوات والباشاوات الأتراك الذين كانوا يرفلون بالعز والسعادة مستمتعين بخيرات البلدان والدويلات التي كانت تخضع لسيطرتهم، حيث كانت تجمع الضرائب وعُشر الغلال والمحاصيل والأموال بالعملات المختلفة كالذهب وغيره وترسل الى (الباب العالي) مقر ومركز الامبراطورية.
تروي القصة أنَّ في أوائل القرن التاسع عشر أن قرية يانوح الجليلية التي تمتاز بموقعها الجغرافي الذي لا مثيل له، حيث إذا وَقَفتَ على أحد سطوح هذه القرية بإمكانك أن ترى بالعين المجردة منطقة جبل الشيخ الواقعة في الزاوية الشمالية الشرقية امتدادا حتى رأس الناقورة في الزاوية الشمالية الغربية ومن ثمَّ غربا تشرق على منطقة السهل الساحلي الواقعة بين رأس الناقورة ومدينة حيفا (عروس البحر) ومن ثم تتمتع العين بجبال الكرمل الأشم الممتدة من خليج حيفا شرقا حتى تتصل بجبال الناصرة ومن هناك تتضح الرؤية أكثر وأكثر حتى جبل الجرمق.
منذ قديم الزمان كان يمر في قرية يانوح طريق يسمى طريق (الساحل) وهو طريق تجاري تمر فيه قوافل التجار التي كانت تأتي من بلاد الشرق البعيد مارّةً في سوريا، ثم فلسطين ثم الى بلاد مصر وشمال أفريقيا. (وبالعكس)
يحكى أنه في تلك الفترة أي في أوائل القرن التاسع عشر كان يتراوح عدد سكان القرية ما بين 200-300 نسمة. وكان مختار القرية آنذاك يدعى (احمد سيف).
وكان لديه بيت من طابقين الطابق الثاني كان يُسمى (العُليّة) حيث كان يستضيف به ضيوفه. وكانت العُليّة تُشرف على طريق الساحل الذي سبق ذكره والذي يُعتبر ممرا رئيسيا لقوافل التُجار والمارّة المتّجهين من الجبل الى الساحل وبالعكس. والعُليّة تبعد عن الطريق المذكور ما يعادل الى 100 م تقريبا.
وكان المختار أحمد سيف قد تعوّد أن يجلس في عُليته ويراقب المارة متوخيا استضافتهم وإكرامهم وتقديم ما يحتاجونه من زادٍ وماء.
وفي عصر يومٍ من الأيام وهو جالس في عُليته رأى شرطيين من العسكر العثماني يركب كل واحد جواده، وأحدهما يجر خلفه شابا مُكبل اليدين يجري خلف الحصان.
أغاظه ذلك المنظر وأثار شعوره، وعلى الفور صاح بأعلى صوته مناديا الشرطيين مشيرا إليهم أن يأتوا اليه.
لبّوا النداء وجاءوا الى عُليته. أكرمهم وقدّم لهم الطعام والشراب، استراحوا قليلا وبعدها أرادوا أن يكملوا مسيرتهم.
عندها استفسر المختار (احمد سيف) من الشرطيين عن قصة الشاب المكبّل اليدين، فأخبروه بأنهم كُلِّفوا بنقله إلى المحكمة في مدينة عكا بحيث صدر قرار من السلطان بإعدامه في مدينة عكا.
فسألهم المختار قائلاً: أذا أُعدم هذا الشاب سيغيّر إعدامه الأوضاع في الإمبراطوريَّة العثمانية؟
فأجابوا: بالطبع لا!
وسألهم أيضا: إذا أفرجتم عن هذا الشاب وأبقيتموه على قيد الحياة سيشكل خطرا على الامبراطورية العثمانية؟
فأجابوا: بالطبع لا!
وعندها دسَّ في جيب كل واحدٍ منهم دينارين فأفرجوا عنه وأبقوه عند المختار وعادوا في طريقهم.
استضاف احمد سيف في تلك الليلة الشاب.
وفي تلك الليلة سهرا وتسامرا وتسليا مع بعضهما البعض وتعارفا جيدا حيث كان اسم ذلك الشاب خُزاعة وهو ينتمي إلى قبيلة مزعل في أطراف بادية الشام.
وعندما أصبح الصباح كان المضيف قد جهّز زادًا وماءً كثيرًا للطريق أعطاه لخزاعه مرشدًا اياه عن الطريق الآمن الذي يوصله الى بلاد الشام. شكر خُزاعه المختار احمد سيف وعاد الى قبيلة مزعل في بادية الشام.
مرَّت عشرات السنين، وصل خزاعه الى قبيلته ومع مرور الزمن أصبح خزاعه شيخا ثريا من وجهاء قبائل البادية وَعُيِّنَ شيخ قبيلة بني مزعل. وبالإضافة لقطعان الماعز والغنم والإبل الذي كان يمتلكه كان لديه حصان أصيل أدهم اللون ذاع صيته بين القبائل وأصبح كل شيخ يتمنى لو كان الأدهم مُلكه.
مرّت عشرات السنين، توفي أحمد سيف، ولكن كان من ذريته حفيدا يُلقب (أبو داوود سليمان سيف) إلا أن ذلك الحفيد كان شديد البأس، رابط الجأش، شجاع لا يهاب الموت بطل أبطال عصره.
وفي تلك الآونة كان يقطن في جبال كنعان في ضواحي مدينة صفد قبائل عديدة من البدو. سمع أحد شيوخ تلك القبائل بالحصان الأدهم الأصيل، طمع فيه وتمنى أن يكون ملكه. ولكن كيف ذلك؟!
أعلن عن جائزة كبيرة لمن يستطيع أن يأتيه بالأدهم!!
كان أحد أفراد قبيلة ذلك الشيخ قد سمع عن شجاعة وبطولات أبو داوود حفيد احمد سيف. فبدأ بالبحث عنه حتى استدل عليه، وكان من طبع أبو داوود حب المغامرات والمخاطر. حدّثه البدوي عن قصة الأدهم والجائزة، انشرح صدر أبي داوود لسماع القصة وقطع عهدا على نفسه أن يأتي بالأدهم وينال الجائزة.
شدَّ أبو داوود الرحال وأخذ البدوي معه واتجها نحو قبيلة بني مزعل في بادية الشام. بعد مسيرة بضعة أيام وصلا الى مضارب بني مزعل، واتفق أبو داوود مع البدوي بعد أن ينام أهل الحي أن يدخل هو إلى مربط الحصان ليخرجه من الإسطبل بينما يبقى البدوي خارج الإسطبل للمراقبة.
وعند مبيت أهل الحي في وسط الليل تسلل ابو داوود لحظيرة الحصان وعندها جفل الحصان وصهل بأعلى صوته فقام أهل الحي وحاصروا الإسطبل، اختبأ ابو داوود بين الأغنام بينما فَرَّ البدوي هاربا تاركا ابو داوود وشأنه، بعد بحثٍ قصير أُلقي القبض على أبي داوود كُبِّل بالحبال بيديه وقدميه ووُضع تحت الحراسة في خيمة شيخ القبيلة لمدة ثلاث أيام. بعد مرور الفترة استدعى الشيخ خزاعة (شيخ القبيلة) وجهاء قبيلته لمحاكمة الجاني. ومثل هذه الجريمة عادةً حكمها الإعدام. وُضع ابو داوود مكبلاً وسط الخيمة وبدأ الوجهاء باستجواب ابو داوود. بينما شيخ القبيلة خزاعه (الطاعن بالسن) جالس يستمع الى الاستجواب.
وعندما سُئل عن اسمه الكامل أجاب: اسمي ابو داوود سليمان سيف، عندها جَفَلَ الشيخ خزاعة وارتجفت كل مشاعره وانتظر السؤال التالي. وبعدها سُئل من أي قضاء أنت؟ فأجاب من قضاء عكا. عندها انتصب الشيخ العجوز واقفا على قدميه، واستغرب الشيوخ لتصرفات الشيخ.
سُئل بعدها من أي بلدٍ أنت؟ فأجاب من يانوح.
عندها صاح الشيخ خزاعة بصوتٍ عالٍ كفى!!
ازداد استغراب الشيوخ لما أصاب شيخهم من دهشةٍ.
قال الشيخ خزاعة: فكّوا رباطه، ففعلوا.
وسأله الشيخ هل تعرف المختار (أحمد سيف)؟
فأجابه: كيف لا أعرفه وهو جدي؟!
قال له الشيخ صِف لي العُليّة التي يسكنها فوصفها له.
فسأله عن جده!
فقال له: مات منذ زمنٍ بعيد!
عندها صافح الشيخ خزاعة أبا داوود وأجهش بالبكاء.
استغرب الحضور وقالوا له: أخبرنا ما قصتك مع هذا الجاني.
فأخبرهم الشيخ خزاعه ما جرى معه عندما كان صبيا وأخذه الأتراك إلى عكا من أجل إعدامه.
أخبرهم عمّا فعله أحمد سيف من أجله. وعندها قام هو بإصدار الحكم على أبي داوود.
حيث كان القرار:
أبو داوود يحل ضيفا على قبيلة بني مزعل لثلاثة أيام ويُقدَّم الأدهم الأصيل هديةً لأبي داوود.

تمت والسلام   

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.