spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 83
كلمة العدد: طائفة بين المزاج الساخن والحليب الساخن
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
قلوبنا معكم وإن كنتم وراء البحار طباعة ارسال لصديق
بقلم فضيلة الشيخ أبو حسن موفق طريف
الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل
Image

بسم الله الرحمن الرحيم
تتأجج في نفوس أبناء الطائفة الدرزية في كل مكان، وعلى مرّ العصور، العاطفة التوحيدية الفياضة، التي يكمن فيها سحر غامض خفي، يشدّ ويربط ويوثق بين أبناء التوحيد أينما كانوا، وفي أي ظرف وُجدوا فيه. فأي إنسان يسمع عن وجود أحد أبناء الطائفة في مكان، يشعر بالقرب والارتباط به، حتى وإن لم يكن يعرفه. وقد حدث معنا، ووصلتنا قصص كثيرة عن أناس التقوا في بلاد الله الواسعة صدفة، وشعروا أنهم يعرفون واحدهم الآخر منذ سنين، وأنه يربطهم وشاج وثيق، يجعل كل مواطن توحيدي، يتألم مع أي إنسان مصاب، حتى ولو كان في أستراليا، ويفرح مع أي إنسان مبتهج، حتى لو كان في البرازيل. وقد نشأ الدروز في الشرق الأوسط في بلاد الشام، وانتشروا في العالم في منتصف القرن التاسع عشر، مع باقي المغتربين اللبنانيين وأبناء الدول العربية الأخرى، وحطّوا رحالهم في بلاد الغربة، وسكنوا تقريبا غالبية دول العالم، من أستراليا شرقا إلى البرازيل وتشيلي غربا، ومن النرويج شمالا إلى  رأس الرجاء الصالح جنوبا، لكن الشعور التوحيدي الأصيل ظل متوقدا في نفوسهم طيلة الوقت.
ونحن نعتبر أن معيشة وإقامة دروز في دول العالم المختلفة، هي واقع ملموس، وحقيقة ثابتة، لا نستطيع أن نغيّرها أو أن نبدّلها. وعلينا فقط، أن ندرس أحوال إخواننا الدروز في بلاد الاغتراب، وأن نحاول بكل إمكانياتنا، أن نجعلهم مرتبطين بأصولهم وعاداتهم وثقافاتهم وتراثهم ودينهم، وألا ينصهروا في المجتمعات التي يعيشون فيها، وألا يفقدوا هويتهم التوحيدية. وقد لمسنا في  اطلاعاتنا على أوضاع إخواننا في دول الانتشار، أن الايمان بالتوحيد متأصل في كل الجاليات التوحيدية الحقيقية، التي ذهبت إلى بلاد الاغتراب. فقد رأينا أن غالبية المغتربين الدروز، يحاولون أن يتقربوا واحدهم من الآخر في الدولة التي يعيشون فيها، وأن يقيموا في تلك البلاد جمعية درزية، تجمعهم وتربط فيما بينهم، وتشكّل عنوانا لكل قادم درزي جديد، يأتي إلى تلك البلاد. وقد اكتسب هؤلاء المغتربون من الدول الراقية التي وصلوا إليها، خصالا وصفات جديدة، أضافوها إلى مناقبهم الأصلية، فجمعوا بين حرارة الشرق ورصانة الغرب، وبين حماس حوران والشوف، وبين دقّة هارفارد وهايدلبرغ، وبين سخاء الديوان القروي الصميم، وجدية النظام الغربي الصارم. فنستطيع أن نقول، إننا في هذه الجاليات، نجد نموذجا متحضرا مطوَّرا للدرزي الذي نعرفه هنا في الشرق الأوسط. ونحن نعتز بكل ذلك، ونفتخر بما نلمسه هناك، لولا وجود مشكلة واحدة، تغيّر كل الصورة، إذا تركناها تستفحل، وهي الزواج المختلط. ومع أن آفة الزواج المختلط، ليست محصورة في بلاد الاغتراب فقط، وإنما هي قائمة لأسفنا الشديد في سوريا ولبنان بكثرة، وفي إسرائيل قليلة جدا، إلا أنها ظاهرة سلبية، علينا أن نعمل كل شيء أن نحدّ من فاعليتها، وأن نخفف من وطأتها، إذا لم نستطع أن نقضي عليها.
وحسب رأينا، هذه المشكلة يمكن حلها بشكل أبسط في بلاد الاغتراب، منها في الشرق الأوسط. ففي بلاد الاغتراب، تسكن الأسر الدرزية في مناطق بعيدة واحدها عن الأخرى، ووسائل الاتصال والمعرفة واللقاء غير متوفرة، وبما أن الحياة تأخذ مجراها عند الشباب، يضطر بعضهم أحيانا، أن يرضخ للأمر الواقع، وأن يتزوج من غير دينه، بحكم أن ليس له خيار آخر. أما في الشرق، فكل مواطن درزي موجود في بيئة توحيدية درزية، ولديه كافة الإمكانيات أن يتعرف، وأن يتواصل، وأن يخطب، وأن يتزوج في نطاق التوحيد، وإن فعل غير ذلك، فهو يسبب خلل في نفسه، وليس له أي مبرر. فقضية الوعي التوحيدي والشرح والدعوة إلى الانتساب والاستمرار في المسار التوحيدي في الشرق، مستمرة بحكم المناخ التوحيدي السائد، فالمناسبات مثل الأعراس والجنائز والاحتفالات التوحيدية قائمة طول أيام السنة، والكل يشاهدها ويعيشها ويعرف كل ما فيها، وهذا غير متوفر في بلاد الاغتراب والانتشار، وعلينا كمسئولين ورئاسات روحية، أن نتعاون فيما بيننا مع الجاليات الدرزية في دول العالم المختلفة، من أجل أن نجد الطريقة لكي نقرّب بين الجماعات هناك، وأن نكثف التواصل بين العائلات، وأن نشجع قدوم المغتربين إلى قراهم وأهلهم في الشرق، ومكوثهم أياما وأسابيع، بحيث نحافظ على جمرة التوحيد، أن تظل متوهّجة في نفوسهم دائما. ومن حسن حظنا أن وسائل الاتصال الحديثة أصبحت في متناول أيدي الجميع، ويمكن أن نستغلها لكي نوثق العلاقات فيما بيننا، ولكي نجعل كل مواطن درزي، حتى في أقصى مكان في العالم، أن لا يشعر بالغربة والوحدة والبعد، عن الأهل والعشيرة والأصحاب.
 
ومن مكاني هنا، بجوار مقام سيدنا شعيب عليه السلام، وبين المقامات الأخرى للأنبياء والأولياء الصالحين، يطيب لي أن ابارك لأبناء التوحيد في المهاجر المختلفة، كل مساعيهم وكل محاولاتهم لأن يحافظوا على نقائهم، وبقائهم، ومناقبهم، وتراثهم، وعقائدهم الفاضلة الشريفة، التي حافظت وتحافظ عليهم عبر التاريخ.
ومع اقتراب حلول عيد الأضحى المبارك، والزيارة السنوية لمقام سيدنا سبلان عليه السلام، أتوجّه إلى جميع أبناء الطائفة الدرزية في الشرق والغرب وفي كل مكان، ضارعا إلى الله سبحانه وتعالى، أن يحميهم ويرعاهم، ويحافظ عليهم، وأن يخفف وطأة الأزمة في سوريا، وأن يهدي ويرشد ويوجّه جميع أبناء العشيرة في كل مكان، إلى بقائها شامخة، رافعة رؤوسها في ظل تعاليم أنبيائنا، وساداتنا، وأوليائنا الكرام، وكل عام وأنتم جميعا بألف خير.  
 

 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.