spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 126
مقام سيدنا سبلان (ع) وموقعه في حياتنا
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131


 
الدروز في بلاد الانتشار (الاغتراب) طباعة ارسال لصديق

 
عندما تتحدّث مشيخة العقل في لبنان عن الدروز في المهجر والاغتراب، تستعمل اصطلاحا آخر، أكثر دقّة وملاءمة، وهو بلاد الانتشار. وهذا الاصطلاح مناسب وقريب من واقع الحياة الدرزية خارج الأوطان، وليس به صبغة سلبية، ومن المفضل استعماله مع الشكر لمشيخة العقل في لبنان.
 وعندما نذكر الانتشار الدرزي، نقصد الدروز القاطنين خارج بلدان الشرق الأوسط، فموطن الدروز الأصلي، هو بلدان سوريا ولبنان وإسرائيل والأردن، حيث يعيشون فيها منذ ألف سنة، وفيها دفنوا أمواتهم، وفيها توجد مقاماتهم، ومن أجلها استشهدوا، وعلى أرضها بنوا حضارة وتاريخا وكيانا. وحتى منتصف القرن التاسع عشر، كانت الهجرة الدرزية داخلية، أي بين هذه البلدان، فكانت تنقلات من حلب إلى لبنان، ومن لبنان إلى جبل الدروز، ومن جبل الدروز ولبنان إلى الجليل والكرمل في فلسطين آنذاك. أما موجات الانتشار الخارجي إلى دول العالم، فقد بدأت ضمن موجات عارمة من كافة بلدان الشرق الأوسط إلى ما وراء البحار، وكان الدروز جزءً منها، اي أنه لم يكن هناك دافع خاص لهجرة الدروز دون غيرهم، وإنما كان ذلك جزءً من هذه الموجة. وقد وصل حتى نهاية القرن التاسع عشر، مواطنون دروز بكثرة إلى القارتين الأمريكيتين وأوروبا وأستراليا. وفي وقت لاحق كانت موجات إضافية إلى دول أفريقيا وإلى بلدان الشرق الأقصى. وبالنسبة للدروز، لم تكن ولا أي مرة، هجرة منتظمة جماعية، وإنما كانت على مستوى أفراد. وكان من أسباب الهجرة، الظلم الشديد الذي لاقاه كافة المواطنين تحت عبء الإدارة العثمانية، فقد كانت الضرائب باهظة على الجميع، والمعاملة قاسية، والأوضاع الاقتصادية بائسة، ولم تكن هناك حقوق إلا واجبات فقط. فاضطر عدد من المواطنين لم يتحمّل هذه الأوضاع إلى الهجرة، وكان هناك عدد آخر سمع عن الديمقراطية، وعن الحرية الموجودة في الغربن ووصلت إليه أخبار الثورة الصناعية، التي ازدهرت في تلك الفترة، فرغب أن يكون جزءا من هذا الحدث الكبير فهاجر. وقد كانت غالبية الهجرة إلى الولايات المتحدة، بعد أن وصلت إلى الناس أخبار ملايين الأوروبيين، الذين انجرفوا بعد اكتشاف أمريكا إلى هناك، بحثا عن الذهب. وكانت وسائل المواصلات الوحيدة هي السفن، ولم تكن دائما سفن تقلع مباشرة من موانئ الشرق الأوسط إلى القارتين الأمريكيتين، وإنما كانت المرحلة الأولى، الوصول إلى أوروبا والإقلاع من موانئها إلى الأمريكيتين. لكن المواطن الدرزي واجه في بلاد الانتشار، مشاكل لم يواجهها غيره. فالمسيحيون وجدوا ملاذا في الأديرة والكنائس والمنظمات الدينية المنتشرة في البلاد الجديدة. والمسلمون كانت وراءهم دول ومؤسسات تدعمهم، واليهود كانوا من أوائل المهاجرين من أوروبا، وفي كل مكان يوجد لهم مؤسسات. أما المواطن الدرزي، فلم يكن من يستقبله أو يرشده ويدعمه، وكان عليه أن يحلّ كل مشاكله بنفسه، فيمكننا أن نقول إنه في هذه الأوضاع، تظهر قدرات وعبقريات والطاقات الكامنة في المواطن الدرزي، الذي يحدّد أمامه هدفا، فيشحذ عضلاته، ويعتمد على الله، ويقدم على العمل فيوفقه الله. وفي نفس الوقت، واجه المواطن الدرزي مشكلة أخرى، وهي أن باقي المواطنين يستطيعون أن يتزوّجوا من غير دينهم، وكثيرا من فعل ذلك، خاصة مع بنات محليات، حيث وجد فورا بيتا يأويه، وعائلة تحميه. أما الدرزي، فكان عليه أن يبني أولا بيته، وأن يجعل لنفسه كيانا ما، وإذا فكّر بالزواج، فإنه يعود إلى بلده الأصلي ويتزوج من طائفته ويعود مع زوجته. وربما أقنع بعض إخوانه أو أصدقائه أن يأتوا معه، خاصة أن له بيت هناك. ولأسفنا الشديد كان عدد من الشباب الدروز، لم يستطع تحمل الوضع، فتزوج من أي امرأة وجدها، كان بإمكانها أن تساعده في التأقلم في البلاد الجديدة.
 ويمكننا القول، إن اقوى جالية درزية هي الجالية الأمريكية وكذلك الكندية. وقد وصل الدروز إلى كندا في نفس الوقت الذي وصلوا فيه إلى باقي دول أمريكا الشمالية والجنوبية. ويقال إن أول مواطن درزي وصل إلى كندا، كان ذلك عام 1890 وجاء من حاصبيا. وفي الولايات المتحدة تم تأليف الجمعية الدرزية الأمريكية، التي تضم جميع المواطنين في الخمسين ولاية، أما في كندا فلا توجد جمعية عامة، وإنما توجد جمعية في كل مدينة كبيرة مع البلدان والقرى حولها. وفي البرازيل توجد جمعية درزية مركزية، وكان قد وصل أوائل الشباب الدروز من لبنان عام 1885، فوصلوا إلى مدينة ريو دي جانيرو، العاصمة وتوزعوا في القرى حولها، وسرعان ما تعلّموا اللغة، واندمجوا مع السكان، وقاموا بدعوة إخوانهم من لبنان للوصول إلى البرازيل، وهي بلاد مليئة بالخيرات والخضرة، وبحاجة إلى ايدي عاملة، والدروز شباب نشيطون عادة، تمكّنوا ان يرسّخوا جذورهم في هذه البلاد، وانتشروا فيها، وأقاموا مع الوقت، البيت الدرزي البرازيلي في مدينة سانت باولو، وبرز منهم عدد من الوزراء وأعضاء البرلمان والمشايخ والشعراء، مثل الشيخ نجيب العسرواي، والشاعر شكيب تقي الدين وغيرهما.
ووصلت أعدادا كبيرة من المهاجرين إلى فنزويلا، من لبنان أولا، وعندما استقرّت هذه الموجة، لحقتها موجات أخرى خاصة من جبل الدروز، وكذلك قسم من فلسطين. ويمكننا اليوم القول إن دروز فنزويلا، حقّقوا نجاحا كبيرا، فبرز منهم عدد من الوزراء، ووصل أحدهم إلى منزلة نائب رئيس الجمهورية، وهو السيد طارق العيسمي، الذي قام جده بالهجرة من السويداء إلى فنزويلا. ويُقدَّر اليوم عدد المواطنين الدروز في فنزويلا حوالي 200 ألف.
أما الهجرة إلى الأرجنتين، فقد بدأت في أوائل القرن التاسع عشر، حينما قدم أفراد من سوريا ولبنان إلى مدينة بواينس آيريس، ونجح الدروز هناك. وفي العشرينات من القرن العشرين، هاجر إلى تلك البلاد، الأمير أمين أرسلان من لبنان، فعمل على تنظيم الجالية، وإقامة جمعية وتأسيس بيت لها، وأصبحت الجالية الدرزية في الأرجنتين، من أكثر الجاليات الدرزية تنظيما، وبرز منها كذلك عدد من الوزراء والزعماء، وقامت شخصيات درزية من الشرق، بزيارة الجالية مثل الأمير شكيب أرسلان، وذلك من النصف الأول من القرن العشرين، حيث كانت المواصلات صعبة. وقام أفراد الجالية عام 1925 بالتبرع للثورة السورية الكبرى بمبالغ كبيرة.
  وإلى المكسيك وصلت أعداد كبيرة من سوريا ولبنان واستقرّت هناك وكوّنت جمعيات مثل الرابطة الدرزية، منظمة الشباب الدروز، جمعية التعاون الدرزي، منظمة الجبل الدرزية وغيرها. وقسم منها ما زال قائما نشيطا يعمل حتى اليوم.
ووصلت مع الوقت أعداد من الشباب الدروز إلى الإكوادور، واستقرّت هناك، واستطاعت أن تدخل في الحياة السياسية، وبرزت بينهم في السنوات الأخيرة، السيد إيفون عبد الباقي، وهي امرأة مميّزة، انتُخبت عضوا في البرلمان وانتُخبت رئيسة البرلمان في الإكوادور، ثم رئيسة اتحاد برلمانات أمريكا الجنوبية، وكانت مرشّحة لمنصب سكرتيرة اليونسكو، لكنها لم تنجح، وبسبب قدراتها وإمكانياتها اختارتها الفائزة بالمنصب مندوبة عنها.  
أما الهجرة لأستراليا، فقد بدأت كذلك في أواخر القرن التاسع عشر، وسُجِّل في التاريخ، أن اول مهاجر درزي وصل إلى أستراليا، كان السيد يوسف النجار من قرية بيت ميري في لبنان، سافر عام 1875 وسكن مدينة أديلايد. وكان بارعا في الزراعة، استطاع أن يستصلح مئات وآلاف الدونمات، ولاقى نجاحا كبيرا، ودعا اصحابه وأقاربه إلى اللحاق به وساعدهم. وقد شجّعت الحكومة الأسترالية هجرة الدروز ،لأنهم نشيطون، ومجتهدون، ومخلصون، ومنضبطون يحترمون القانون، ويتعاملون مع جيرانهم بالحسنى. وتوجد في المدن الأسترالية جاليات درزية أقامت كل واحدة منها ما سمي "البيت الدرزي" وهو المكان الذي يجمع أفراد الجالية في المناسبات.
وقد جرت باستمرار هجرات درزية منفردة إلى الدول الأوروبية، بدأت من منتصف القرن التاسع عشر، ويمكن أن نقول، إن أول من فتح عيون المواطنين الدروز إلى أوروبا، كان الأمير فخر الدين المعني الثاني، الذي انتقل وحاشيته عام 1614 إلى توسكانا، وكان هناك ضيفا على أمراء إيطاليا وأوروبا، وقد عرض عليه ملك إسبانيا أن يمنحه مساحات ضعف مساحة لبنان في إسبانيا، وأن يكون ملكا عليها، لكنه رفض. وفي عام 1815 عرض قنصل بريطانيا في لبنان على الشيخ بشير جنبلاط، أن يرسل ابنه للدراسة في لندن، ووصل الأمير إلى لندن، ومكث فيها عدة أشهر، لكنه لم يتأقلم وعاد إلى بلاده.
أما الهجرة إلى أفريقيا، فقد بدأت في وقت متأخر، وذلك بعد الحرب العالمية الأولى، حيث وصل عدد من سكان لبنان وسوريا وبلدان المغرب إلى بعض الدول الأفريقية وبدأوا يعملون هناك بالتجارة والخدمات والأشغال اليدوية البسيطة.  وكانت أفريقيا كلها بلاد مستعمرة للدول الأوروبية، إلا أن الأحداث في أوروبا، بدأت تصل أصداؤها إلى أفريقيا وبدأت بوادر تعليم ومحاولة استيطان وتمدّن وتقليد للعالم الغربي، وهنا كانت هذه الدول بحاجة ماسة إلى وسطاء وسماسرة وتجار، ليقوموا بإيصال البضائع إلى الدول الأفريقية، وتسلّط على ذلك المهاجرون من لبنان وسوريا ومصر وغيرها، ونشأت هناك طبقة من التجار الذين نجحوا، فشجّعوا غيرهم على الوصول. وفي الخمسينات عندما بدأت الدول الأفريقية تحصل على استقلالها، كانت بحاجة كبيرة إلى خبراء وفنيين ومثقفين ومهندسين، وكل الوظائف الأخرى التي تحتاجها دولة متطورة. وكانت هذه فترة ازدهار الجاليات الغريبة في أفريقيا، ومنهم الجاليات الدرزية، حيث عاش آلاف المواطنين الدروز في نيجيريا وليبريا وغانا وجنوب أفريقيا وغيرها، وكانوا من اصحاب الثراء ومن الطبقة العليا هناك. وعندما تقدّم الأفريقيون وتعلّموا بدأوا يشغلون هذه الوظائف بأنفسهم، ولم يكونوا بحاجة للغرباء لأن يديروا شؤونهم، فوقعت مشادات وأعمال عنف من قِبل الأفريقيين ضد الأجانب وبدل أن تتطور وتكبر الجاليات أخذت تقلّ وتصغر.   

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.