spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 58
حمّامات الحمّة درزية
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131


 
دور المرأة الدرزية في المهجر طباعة ارسال لصديق
بقلم السيدة سهام ناطور ( عيسمي)

بدأ أول المهاجرين الدروز من لبنان، يتوجّهون إلى الغرب، في بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر تقريبا. واليوم وبعد مرور حوالي 16 عقدا من الزمن، نجد أن هناك جاليات درزية ناجحة، متمركزة في عشرات من دول العالم، وهذه الجاليات، لها كيان، ولها تأثير، ولها وجود، ولها أهمية في الدول التي تتواجد فيها، حيث بلغنا ووصلتنا معلومات موثوق بها، أن الجاليات الدرزية، هي من أرقى الجاليات الأجنبية في دول العالم. وإذا أخذنا بعين الاعتبار، أن المواطن الدرزي، إذا توجّه إلى أي بلد من بلاد العالم، فهو يعتمد فقط على الله، سبحانه وتعالى، وعلى نفسه، وليس له أي مساعد أو معين مثل غيره من المواطنين المسلمين أو المسيحيين أو اليهود، الذين يجدون في الدول التي يصلون إليها، كنائس ومساجد ومؤسسات وجمعيات خيرية تستقبلهم وتساعدهم على التأقلم والاندماج، والبدء بالإنتاج والعمل في الموطن الجديد. فالدرزي يجب أن يشق طريقه بساعديه، وبعقله، وبذكائه، وباعتماده على الله، كي يستطيع أن يثبت وجوده في تلك البلاد، وأن يستمرّ في معيشته. ولا شك لدينا، أن المهاجرين الأوائل، كانوا شبابا قاموا بهذه المغامرة لوحدهم، وربما كانوا غير متزوجين، لأنه لا يمكن أن يكون هذا الشاب عديم المسئولية، فيأخذ زوجته أو أهله إلى بلاد جديدة لا يعرفها. وما حدث، هو أن بعض المهاجرين استقرّوا في تلك البلاد، ونجحوا، وبنوا لأنفسهم بيوتا، وقرروا البقاء في البلاد الجديدة، بعد أن اتخذوا لأنفسهم عملا مناسبا يرضي تطلعاتهم. وعندما قرروا بناء أسرة واجهتهم بعض الاختيارات، فمنهم من اندمج كليا في تلك البلاد، وتزوج امرأة محلية غير درزية، ليكسب الأمان والاستقرار، وهؤلاء قلائل. أما الأغلبية فقد قرروا أن يعودوا إلى بلادهم، وأن يتزوجوا من بيئتهم، وأن يأتوا مع الزوجة إلى المقر الجديد، وربما أيضا مع الأهل، بعد أن كان المهاجر مطمئنا إلى وجود عمل ومقر له في موطنه الجديد. ومع مرور السنين قدم شباب آخرون إلى تلك البلاد، فكان حظهم أحسن، إذ وجد قسم منهم بعض البيوت الدرزية يعتمد عليها، أخذت بيده وساعدته. وبعد أن استقر، تزوج إحدى بنات هذه الأسرة التي استقبلته. وفي حالة كهذه ربما دعا هذا الشخص بعضا من إخوته وأخواته، وربما والديه أيضا، أن يأتوا إلى البلاد الجديدة، وهكذا قويت وكبرت الجاليات الدرزية في المواطن الجديدة.
 
ويمكنني القول، إن المرأة الدرزية بطبيعتها، استطاعت في هذه المواطن الجديدة أن تُشعر أبناء اسرتها بالدفء والحرارة والاستقرار والاكتفاء الاقتصادي، وذلك بحكمتها وحنكتها وحسن تدبيرها، وحكمة إدارتها ولياقة تصرفها واعتمادها على الله سبحانه وتعالى، وعلى تعاليم دينها، وعلى العادات المتوارثة في مجتمعها الأصلي في الشرق، وعلى تشجيع أفراد عائلتها، الذين قدموا قبلها واستقروا في تلك البلاد. ولا شك ان المرأة الدرزية الحكيمة، التي نظرت حولها وهي في الموطن الجديد، رأت وفهمت واقتنعت أن أوضاعها تتطلب منها رؤيا جديدة، ونظرة جديدة، وتفكيرا يختلف، ومعاملة غير مألوفة، ففي الموطن الجديد هي بعيدة كل البعد عمّا تعوّدت عليه وألفته في الشرق. هناك تعلمت من تجربة أمها وجدّتها وأقاربها وجيرانها، وكانت تحلّ مشاكلها على ضوء ما فعله اقاربها قبلها في ظروف مماثلة، وهناك كانت متعودة على الحقل وعلى المراعي المليئة بالأعشاب والبقول البرية. في الشرق كانت ممكن أن تقترض من جارتها شيئا وتعيده، أو أن تشترك مع أقاربها في إعداد شيء ما، أما هنا، فهي وحيدة، لا تعرف أحدا، وتعيش في بيئة غريبة، تختلف كليا في نمط حياتها عما تعوّدت عليه في بلادها الأصلية. وهنا تبرز البديهة الخلاّقة في المرأة الدرزية، والقدرات الخفية المكمونة في سواعدها، فتفكر، وتبتكر، وتعمل، وتجتهد، من أجل أن توفّر لبيتها وأولادها كل ما يتوقّعونه منها، كزوجة وكأم. وهي تعتمد في تصرفاتها هذه على تعاليم دينها، التي توجّهها إلى البساطة والاعتدال والتكيّف مع كل الظروف، من أجل أن تجتاز الأزمة التي تواجهها. وفي هذه الحالات تصبح المرأة الدرزية مرهفة الإحساس، تنظر حولها، وتحاول أن تتعلم من كل شيء، شيئا يساعدها في حلّ مشكلاتها. وبما أن المرأة الدرزية واثقة بنفسها، ومؤمنها بقدرها، ومعتمدة على الله في كل شيء، فهي تقرّر شيئا ما، وتؤمن أن الله ألهمها لعمل هذا الشيء لمصلحة أسرتها. وهي عادة صادقة في ذلك، والنتيجة تكون أن الله سبحانه وتعالى، يوفّقها دائما، ويسهّل أمورها، ويفتح الأبواب أمامها، ويجعلها تؤدي واجباتها على أحسن وجه، فتجعل من أسرتها اسرة متكاملة، رصينة، متماسكة، قوية، تتحدّى وتتغلب على كل الصعاب. وهذا ما نلمسه من خلال اطلاعنا على أوضاع المرأة الدرزية في دول الانتشار ، في جميع أنحاء العالم. ولا شك أن المشاكل التي تواجهها المرأة الدرزية في المهجر، تختلف عن تلك التي كانت تلاقيها في بلاد الأم. هنا تعيش عادة في المدينة، وبالسابق كانت تعيش في قرية، وحتى في الشرق المعيشة في المدينة تختلف عن المعيشة في القرية، وهذا يتطلب من المرأة الدرزية، مهارات وإمكانيات وقدرات جديدة أن تتعلم لغة البلاد، أن تتعرف على عاداتها، وأن تكتسب الأصول والقوانين المتّبعة فيها. وما أكثر من المرأة الدرزية قدرات، وما أقوى منها في هذه الظروف، فهي تملك القدرة على استيعاب الموقف الجديد والتعامل معه واستعماله لصالحها.
وتبقى أمام المرأة الدرزية مشكلة كبيرة عويصة، جابهت بعضا منها في بلاد الأم، وهي مشكلة الزواج المختلط. الأم الدرزية تفني حياتها، وترهق نفسها، وتضحي وتعمل وتجتهد من أجل تربية أبنائها على الأصول التوحيدية وعلى المبادئ المعروفية، التي اكتسبتها من بيتها القديم. فهي تشرح لأولادها من هم، ومن اين أتوا، وما هي ديانتهم، وما هي واجباتهم، وماذا عليهم أن يفعلوا. وهذ الأمور هي نقاط بديهية مفروغ منها واضحة كالشمس في الموطن الأصلي، أما هنا فهي ليست كذلك، وعلى المرأة الدرزية، وخاصة الأم، أن تبذل جهدا كبيرا لتوضيح هذه الأمور. وعندما تكبر الابنة او الابن، ويصل كل منهما إلى سن الزواج، فالمرأة الدرزية تحبذ بطبيعة الحال، أن تظل متقيدة بتعاليم دينها حتى في المهاجر البعيدة،  وأن تزوج أولادها من داخل الطائفة. ولكن ما العمل، وليس هناك اتصال مع عائلات درزية أخرى، لأن كل عائلة تسكن في حي آخر، وفي مدينة بعيدة، وفي أجواء تختلف عن العائلة الأخرى.  وكما نعلم فإن المرأة الدرزية، وخاصة الأم، لا تستسلم، ولا ترضخ للأمر الواقع، وإنما تبذل المستحيل من أجل العثور على شباب وفتيات دروز، لكي يتم التزاوج معهم. وعندما تقرر المرأة الدرزية، أن تبذل جهدا من أجل هذا الموضوع، فهي تنهض بسرعة، وتجلس في سريرها، وتبدأ بفحص الإمكانيات ودراسة الأوضاع، لتصل إلى الحل الأمثل. وإذا حصل أن قررت ابنة أو ابن التسرع والزواج من غير دينها، فهذا يكون عادة، بدون رضى الوالدين، وأحيانا رغما عنهما ويمكن أن يُعتبر في عُرف الطائفة، شرا لا بد منه.  
 
 



 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.