spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 84
سلطان باشا الأطرش في فكر الشعراء الأردنيين
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130
العدد 129


 
كلمة العدد: سبحانه، وقد منحنا الإيمان اللامتناهي طباعة ارسال لصديق
مجلة العمامة - نيسان 2017
جاء في كتاب الأستاذ محسن دلول، وزير الدفاع في لبنان ونائب رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي بعنوان "الطريق إلى الوطن، ربع قرن برفقة كمال جنبلاط" (الدار العربية للعلوم بيروت 2010)، وصف شيق لحادثة وقعت لكمال جنبلاط كان محسن دلول، نائب البرلمان الشيعي، شاهد عيان عليها تشير إلى عمق إيمان كمال جنبلاط وعظمته واتكاله على الله. فهو يروي في الكتاب أنه كان شريكا في وفد لبناني ضم عددا من الوزراء وأعضاء البرلمان اللبنانيين وتراسه السيد كمال جنبلاط وزير الداخلية آنذاك إلى الجزائر لمقابلة الرئيس الجزائري هواري بومدين والتجول في البلاد بعد أن حصلت على استقلالها إثر ثورة طويلة دامية. وبعد ان حلوا في العاصمة وقابلوا الرئيس والمسئولين قدم الرئيس الجزائري طائرة رئيس الجمهورية للوفد لزيارة إحدى المدن البعيدة يرافقهم حسب البروتوكول الدولي وزير الداخلية الجزائري. وفي طريق العودة من المدينة النائية هبت عاصفة جوية عاتية أخذت تعبث بالطائرة لدرجة ان طاقم الطائرة المتمرن فقد السيطرة عليها. ويذكر السيد محسن دلول أنه أصابه مع وزير الداخلية الجزائري وباقي أعضاء الوفد هلع شديد وخوف وذعر انهم على وشك السقوط من عل والتحطم. ومنهم من امتقع وجهه ومنهم من أخذ يصلي ومنهم من كبت بالقوة صياحه امام الوفد المحترم. ويقول السيد دلول في كتابه أن كمال جنبلاط اخرج من محفظته كتابا واخذ يقرا به  غير مكترث بما يجري وبالهستيريا التي اصابت حتى طاقم الطائرة، وطلب قلما لأنه يريد ان يسجل بعض الملاحظات على الكتاب اثناء القراءة. وعندما لفتوا نظره للأوضاع الجوية القاسية قال لهم لا تخافوا لن يحدث لنا شيئا وسنصل بسلام بعونه تعالى. ولم يصدقه الحاضرون إلا بعد ان مرت حوالي نصف ساعة من التوتر الشديد وخرجت الطائرة من موقع العاصفة واستمرت في طريقها كأن شيئا لم يكن. وعند وصولهم حمدوا الله على سلامتهم وصرحوا أن كمال جنبلاط هو بمثابة قديس لرباطة جأشه وصبره ومعنوياته العالية.
والوضع الذي ساد هذه الطائرة أثناء العاصفة في الصحراء الجزائرية يمثل بدقة الوضع الذي يسود العالم العربي في السنوات الأخيرة ومن ضمنه الطائفة الدرزية التي تعيش في هذا العالم منذ تأسيسها. وإذا عدنا إلى الوراء نرى أن أوضاع بلدان الشرق الأوسط التي يعيش فيها الدروز لم تكن مستقرة لمدة طويلة إلا نادرا في الألف سنة الأخيرة، ومع هذا عاشت فيها الطائفة الدرزية ونمت وترعرعت وحققت إنجازات هامة بالرغم من عدم الاستقرار الذي ساد ومن التعصب والهمجية والقساوة التي ميزت بعض الحكام والأحكام في غالبية الدول والأطر السياسية في المنطقة خلال قرون. وقد تحمل أبناء الطائفة الدرزية عناء المطاردة الدينية والتعسف السياسي كباقي المواطنين والتهجم الشخصي والإهمال الحكمي والتنكيل العسكري وكل أنواع العنف والتضييق والخناق والتشديد. ومع كل ذلك تغلبت الطائفة الدرزية على الملاحقة أيضا من قبل عناصر ودول وقوى من خارج المنطقة، بالإضافة إلى القوى المحلية. وقد حصل هذا بسبب قوة إيمان الموحدين الدروز وصبرهم واستقامتهم وعدم تعرضهم إلى أحد من جيرانهم أو من الذين كانوا أقلية في مناطق سكناهم.
وهذه الطائفة الصغيرة الوادعة يسر لها الله أن تحكم وأن تكون القوة بيدها في عدة مراحل من التاريخ خلال الف سنة. وإذا تمعنا بحيثيات التفاصيل التاريخية الدقيقة وحققنا بالمجهر في أوضاع الأقليات الدينية والأخرى في الدولة الفاطمية تحت حكم الخلفاء الموحدين الدروز أو في عهد حكم الأمير فخر الدين المعني الثاني أو في حقب أخرى كان  فيها الدروز سادة وحكام في مناطق محددة من العالم العربي، نجد أن التسامح والمساواة ومساعدة الضعيف ومؤازرة الغير كانت ابرز سمات تلك الفترات الحكمية. وقد تحمل اليهود والنصارى نير التفرقة في العالم الإسلامي واعتبارهم أهل الذمة، حيث حرموا من عشرات المزايا والحقوق التي تمتع بها المسلمون، لكنهم نعموا في عهد حكم الدروز بالمساواة الكاملة وتم تعيين وزراء وقادة جيش من بينهم مثلهم مثل الدروز. ومن يراجع تاريخ لبنان يجد أن الدروز قاموا بحماية المسيحيين الموارنة وغيرهم عندما طوردوا من قبل إخوانهم المسيحيين الأرثوذكس في تركيا وروسيا ومنحهم الدروز الحماية الدينية وساعدوهم في بناء كنائس واديرة وفي المعيشة الهادئة والاستقرار في ربوعهم. وفي الحرب العالمية الأولى آوى جبل الدروز مئات آلاف اللاجئين والنازحين المسلمين من سوريا ولبنان الذين بقوا على قيد الحياة بفضل الدروز، وفي عام 1948 ظل المسيحيون والمسلمون في القرى الدرزية والقرى المجاورة لها في الجليل والكرمل بفضل إصرار المواطنين الدروز على بقائهم وهكذا نجد عشرات الأمثلة.
وإذا حاولنا ان نحقق في كيفية تعامل الأغلبية في الشرق مع الدروز نجد أن العنف والتهديد والقتال والتشريد والتعدي هو الذي لازم الدروز في فترات مختلفة من حياتهم وفي أماكن تواجدهم. لكننا وكما قلنا فإن الله سبحانه وتعالى يرعى ويحمي الطائفة الدرزية في كل مكان لأنها طائفة مسالمة لم تعتد في حياتها على أحد وإنما قدمت تضحيات كبيرة في الدول التي تعيش فيها من أجل الاستقلال والحرية والكرامة ولم تحصل على الامتيازات التي تستحقها عن جدارة. لكن كل ذلك لم يضعف الطائفة الدرزية ولم يجعلها تيأس أو تستسلم للقنوط لأنها تعلم أن لها دورا كبيرا في التاريخ سوف يتم تحقيقه وأنها وإن عانت وإن تحملت فذلك مؤقت ولا يستمر طويلا، فالطائفة الدرزية بسبب نقاء سيرتها واعتمادها الكلي على الله سبحانه وتعالى واثقة من نفسها وهي مستعدة للتضحية بأعز ما تملك حينما تقرر ذلك وهي لا تخاف من القدر المحتوم وتؤمن أن ما كتب عليها هو من الله فلا تخاف وتقبل مصيرها وتعيش معه حتى ولو كان قاسيا وهي أحيانا تحسب حسابه وتنتظره وتهيء نفسها لمواجهته والصبر على حدوثه ، فجميع أبناء الطائفة الدرزية شبابا وشيوخا، رجالا ونساء، عبر عنهم أحد المشايخ الأفاضل من عائلة حلبي وهو يسكن قرية بشامون أو قرية مجاورة لها فعندما أعلن الأمير مجيد أرسلان استقلال لبنان في بشامون، هاج الفرنسيون وصخبوا وأعلنوا حربا على الدروز. فهب المواطنون وخاصة الدروز للدفاع والقتال وكان بينهم الشيخ المذكور الذي دعا  أولاده الثلاثة عندما تفجرت الأحداث وكان يملك بندقيتين فقط فسلمهما لولديه الكبيرين وسلم الولد الأصغر خنجرا قائلا له أمام اخويه: " خذ هذا الخنجر لتدافع به عن نفسك وإذا استشهد احد اخويك تستعمل بندقيته!!".
هذه الأعصاب الحديدية وهذا الإيمان الخارق لا تجده إلا في صفوف الطائفة الدرزية العريقة التي يمكن أن نسرد عن شيوخها وابنائها ونسائها قصصا تملأ مجلدات. وليس سدى ما نقوم به متدينين وغير متدينين عند زيارتنا للمقامات المقدسة، فالإيمان الراسخ هو الذي يسدد خطانا ويوجهنا. وعندما نقف بعد أيام امام الضريح الشريف في مقام النبي شعيب (ع) في الزيارة الرسمية نجدد عهدا ونثبت رسالة ونجعل عقائدنا وكوامن نفوسنا تتجدد وتزداد اخضرارا وحيوية...  

وكل عام وانتم بخير..

سميح ناطور

نيسان
 2017
 
Image
 

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.