spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 76
أكبر زعيم درزي لبناني بعد فخر الدين المعني الثاني مدفو
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
كلمة العدد: " وقد قطعت لهم تذاكر السفر إلى الصين... " طباعة ارسال لصديق
" وقد قطعت لهم تذاكر السفر إلى الصين... "
جاء في مذكرات عطوفة سلطان باشا الأطرش, عن لسان المجاهد الكبير, هلال عز الدين الحلبي, قوله إن هلال,  كان يستضيف في داره في قرية الثعلة,في أيام الثورة السورية الكبرى, سلطان باشا وعددا من زعماء البلاد, فباغتتهم الطائرات الفرنسية, وراحت ترمي قنابلها على القرية, التي كانت تغص بالثوار. قام بعض المجاهدين, وأطلقوا نيران بنادقهم على الطائرات, التي انسحبت. ولما عادوا إلى الديوان, تحدث أحدهم قائلا :" مرت بنا بعض النساء, بالقرب من الموقع الذي كنا نطلق منه الرصاصات, وهن تحملن جرار الماء على أكتافهن, وتسرن بهدوء غير مضطربات. كان الدوي مخيفا, الغبار يتطاير بكثافة إلى الفضاء, فسمعت إحداهن تقول:" الله يلعن اللي اخترعها, لقد أعمت عيوننا بالغبار"فأثارت هذه الكلمات روح التضحية في نفسي, وصرت لا أبالي بالموت, عندما أصغيت إلى ذلك الدرس البليغ, في رباطة الجأش, وقوة الإيمان, بالقضاء والقدر, من هاتيك النساء الفاضلات.."
نعم, الطائفة الدرزية منذ ألف سنة, تمتاز برباطة الجأش, وقوة الإيمان وبالقضاء والقدر. هذه الطائفة, ظلت شامخة, مرفوعة الرأس,منتصبة القامة, خلال كل تلك الفترة, كي تحافظ على عزتها وكرامتها, وقد تحدت أقوى الإمبراطوريات, وأكثر الحكام ضراوة, وأفتك الجيوش, عندما كانت تشعر أنها على حق. والشاب الدرزي, والشيخ الدرزي, والمرأة الدرزية, حينما يشعر أي عنصر منهم بخطر داهم, يجند كل قواه ويجمعها, ويجد كم هي كبيرة ومنيعة ,ويلقيها إلى ميدان المعركة, متكلا على الله, سبحانه وتعالى,  مؤمنا بالمصير المحتوم, قابلا كل ما كتب عليه, فيتحقق له, بعونه تعالى, النصر والبقاء والعزة والكرامة, وأحيانا يكون نصيبه الخسارة والإنهزام, بسبب قوة أكبر, أو خدعة, أو مؤامرة, أو أي شيء آخر, لكن المواطن الدرزي يتقبل الخسارة بهدوء وإيمان, ويظل راضيا عن نفسه, أنه فعل كل ما باستطاعته, كي يتغلب على المواجهة وينتصر, وأنه لم يقصر بشيء. وقد كتب على الطائفة الدرزية, أن تقدم تضحيات كبيرة, منذ المراحل الأولى للدعوة. ومن الممكن أن نعتبر الداعي الشهيد عمار (ر) من أوائل الشهداء, الذين ضحوا بحياتهم, دفاعا عن الكرامة والمذهب والإخوان. وكان الداعي عمار (ر) قد بعث بمهمة خاصة إلى وادي التيم, ومر ببلادنا, واعتدي عليه في جنوب لبنان, وتم دفنه في منطقة الحولة, بعد أن ظهرت له كرامات.ولما تغيرت الأحوال في القاهرة, بدأت المحنة واعتدي على الدروز في لبنان وفلسطين وحلب, وخاصة في أنطاكية, التي كانت من أهم مراكز الدعوة, وسقط الشهداء, الواحد تلو الآخر, وخاصة شيوخ الدين القائمون بالدعوة, وهم الجنود البواسل الذين أخذوا على عواتقهم, نشر الدعوة والذود عنها.
ولم تتوقف الإعتداءات, واستمرت كل الوقت, حيث دفعت الطائفة ثمنا غاليا في فترات التاريخ المختلفة. ففي معركة الأقحوانة, وفي مرتفعات عاليه وجبال الشوف, وفي حلب وهضاب حوران, وسفوح جبل الشيخ, وقمم الكرمل والجرمق والزابود, وفي أماكن أخرى من الشرق وشمالي إفريقيا, أريقت دماء عدد كبير من الشهداء الدروز, وسجلت بطولات وتضحيات. ولا يمكن أن ننسى الإخوة الخمسة الذين سقطوا في معركة واحدة, ولا يمكن أن ننسى شبابا دروزا حاربوا أحيانا في معركة واحدة, أو جبهة واحدة, الواحد أمام الآخر, فهذا هو مصير الطائفة الدرزية وقدرها, وعلى هذا المبدأ نشأت وتربت وعلمت أبناءها أن يحترموا من يحترمهم, ويجلوا من يجلهم, ويناصروا من ينصرهم, ويذودا عن الذين يلتجئون إليهم ويدافعوا عن جيرانهم ومعارفهم, وبالدرجة الأولى يدافعوا عن أنفسهم وأولادهم وشيوخهم ونسائهم.
ومن هذا المنطلق, رفع سلطان الأطرش راية الثورة, ورفع الأمير مجيد أرسلان علم الإستقلال, وأعلن الزعيم رشيد طليع استقلال الأردن, وقاد كمال جنبلاط حركة ثورية, ووقف الشيخ جبر معدي في الكنيست, يحذر الطاغية أديب الشيشكلي من التعرض للدروز, وترأس وليد جنبلاط معسكر الإستقلال اللبناني ومنع عضو الكنيست أمل نصر الدين من جمع الأسلحة من دروز لبنان وإبقائها للدفاع عن كيانهم, وضحى غيرهم الكثير في سبيل مواقفهم ومبادئهم  ودفاعا عن طائفتهم أو دولتهم أو أهلهم. وبسبب هذه المواقف استشهد رفيق حلاوة, وسليم حاطوم, وفؤاد سليم, وكمال جنبلاط, والشيخ أبو عفيف, والشيخ مسعود الغريب, والشيخ حسن خنيفس,والشيخ حسن أبو ركن, وسليم عليان, ومدحت يوسف,ونبيه مرعي ولطفي نصر الدين, ومعهم آلاف الشهداء الأبرار, الذين دفعوا الثمن لأنهم دروز, ولأنهم أبوا إلا أن يذودوا عن كيانهم, وأن يحققوا بموتهم استمرار الوهج التوحيدي ساطعا.   
إن الموت في سبيل الجماعة, والإستشهاد من أجل الوطن والطائفة والمجتمع, هو أمر بديهي وعريق, في تاريخ الطائفة الدرزي, ولا تخلو فترة من الفترات في الذاكرة الدرزية, لم يسقط فيها شهداء من أجل هذه الأهداف المقدسة. ومع الوقت, تعلمت الطائفة الدرزية, أن تعيش مع هذا الواقع, وأن تبكي بهدوء, حسرة على شهدائها, لكنه تعلمت كذلك, أن الحرية والكرامة والإستقلال,  لا يتم أحد منها, إلا بشق الأنفس والتضحية والمخاطرة ودفع الثمن. وأبناء الطائفة الدرزية, المؤمنون بالقضاء والقدر والمكتوب والمقدر, يتقبلون الإستشهاد, مرفوعي الرأس, مع إيمان خارق بأن الله, سبحانه وتعالى معهم.
وعودة إلى مذكرات سلطان الأطرش, المليئة بالعبر والحكم, وفيها يتحدث هذه المرة, عن المعركة ضد الفرنسيين في راشيا, حيث اقتاد ضابط فرنسي, أبناء عائلة القاضي نعمان زاكي, قاضي المذهب الدرزي, وأخرجهم إلى ساحة البلدة, وأوقفهم صفا واحدا, ثم بعث يسأل رئيسه المسؤول, عما يجب أن يفعله بهم. فأجابه بسخرية  وتهكم :" إقطع لهم تذاكر سفر, درجة أولى, إلى الصين" إشارة إلى عقيدة الدروز بالتقمص, القائلة بأن أرواح الأتقياء من شهدائهم, قد تنتقل إلى إحدى مناطق الصين المجهولة, لتتقمص أجساد المواليد من اوليائهم المحتجبين هناك." ولم يذكر الباشا في مذكراته, إن كان هذا الضابط, قد قتل أفراد العائلة أم لا. وما يهمنا, هو ذلك الموقف, الذي ينضم فيه أفراد عائلة القاضي زاكي, إلى مئات وآلاف الشهداء الدروز, الذين حاربوا في مختلف المعارك والحروب والجبهات, دفاعا عن الأرض والوطن والعرض والدين, وضحوا بأرواحهم وأجسادهم, وممتلكاتهم ومستقبلهم, بعد أن قطعت لهم التذاكر, درجة أولى إلى الصين...


ولتبقى ذكراهم خالدة...

سميح ناطور

دالية الكرمل
ايلول
2005

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.