spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 140
التوعية التوحيدية في مقام النبي شعيب (ع)
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138
العدد 137


 
كلمة العدد 12: صاحبة الجلالة الكلمة طباعة ارسال لصديق
يحكى ان الكاتب الإيرلندي الساخر جورج برنارد شو الحائز على جائزة نوبل للآداب سافر إلى الولايات المتحدة في أواخر أيامه وفي المطار أوقفه ضابط الجمارك مثلما يعمل مع كافة المسافرين ،وسأله إن كان يحمل معه ثروة أو اشياء ذات قيمة ليصرح بها ،فأشار جورج برنارد شو إلى رأسه قائلا :نعم ،إني احمل ثروة كبيرة احتفظ بها هنا ...
وهذه الثروة التي يحتفظ بها برنارد شو في رأسه ويحتفظ بمثلها مئات آلاف الكُتاب في العالم عبر التاريخ وهي بلا شك ثروة طائلة لا يمكن حصرها او تقديرها ولا يمكن سلبها أو حجزها وإنما يستعملها صاحبها ليستفيد منها الملايين في جميع أنحاء العالم فتصبح هذه الثروة الطائلة ملك كل إنسان يعرف كيف يتفاعل معها. وهي تنتقل من رأس الكاتب العبقري إلى متناول يد القارئ المهتم بواسطة الكلمة المكتوبة. والكلمة المكتوبة التي تعبّر عن الفكر الثاقب قد تكون مصدر خير وبركة وقد تكون شرا ووبالا على صاحبها وعلى غيره من الناس وما زالت أصداء قضية الكاتب الهندي الذي يعيش في انجلترا سلمان رشدي تهدهد في عالمنا حيث اساء استعمال الكلمة المكتوبة وحكم على نفسه بالموت واضطر إلى التخفي تهربا من حكم الإعدام. لكن قضية سلمان رشدي أثبتت حقيقة واقعة تتكرر من جديد على مدى التاريخ وهي أنه في كل صراع بين الكلمة والسلطة تكون الكلمة اقوى حتى ولو حققت السلطة انتصارا زمنيا. لقد حكم على الفيلسوف سقراط بالموت لأفكاره الجديدة إلا أن سقراط وكلماته بقيا خالدين بينما لا يذكر التاريخ من هو الملك الذي عاش في عصره ومن هم القضاة الذين حكموا عليه. وإذا أخذنا شكسبير أو موليير أو دانتي أو ابا العلاء أو الفرزدق أو الأخطل الصغير فكل كبير وصغير يعرف من هم وله اطلاع واسع على انتاجهم بينما لا يذكر أحد وبصعوبة يذكر المتخصصين ،الملوك والحكام الذين حكموا أثناء حياتهم ولا بد أن كل ملك كهذا كانت أوامره وقراراته تهز أركان الدولة في حينه ،إلا أنه اضمحلّ مع الوقت وبقيت الكلمة المكتوبة أكثر خلودا من انتصاراته وأعماله الكبيرة. وإذا نظرنا إلى المنشآت العمرانية الضخمة مثل أهرامات مصر أو سور الصين العظيم أو قصر الحمراء او ناطحات السحاب فليس من السهولة أن يتبادر إلى اذهاننا رأسا من قام بتشييدها ، أما إذا سألنا طالبا عاديا عمن ألف الكوميديا الإلهية أو رسالة الغفران أو رأس المال أو مسرحية البخيل أو المعلقات فالإجابة تكون سريعة وبدون تردد. ومن ناحية أخرى كلنا يعرف أن الأمير سيف الدولة الحمداني كان عظيما لكن تاريخ العرب خلال خمسة عشر قرنا يزخر بآلاف الأمراء أمثاله وكثيرون منهم كانوا أكثر حكمة وعدلا وسلطان لكن سيف الدولة يظل أشهر هؤلاء وكل ذلك بفضل الكلمات العاطرة التي خلّدت اسم سيف الدولة إلى الأبد والتي انسابت من مخيلة كبير شعراء العربية على مر الأزمان أبي الطيب المتنبي. ولولا ابو الطيب المتنبي لكانت حال سيف الدولة مثل حال آلاف الأمراء المنسيين. حتى كافور الإخشيدي حاكم مصر والذي هجاه المتنبي يرقد في قبره ويلهج للمتنبي بالثناء إذ كان هجاؤه شبب شهرته.
إذن صاحب الكلمة قد يرفع صاحب السلطة لأنه الأقوى ولأنه باقي والخالد بينما لا يستطيع صاحب السلطة أن يحط من الكلمة او يحصرها وإن حصل هذا فهو مؤقت ومصير الكلمة ان تنطلق رغما عنه وإذا ساعدها  فليس له فضل كبير لأن الكلمة ترفع نفسها بنفسها إن كانت جديرة بذلك. وها لا بد من الإشارة أنه ليس كل من مسك بقلم فقد اصبح كاتبا وليست كل كلمة مكتوبة هي أدب وما ذكرناه يتعلق بالأدب الحقيقي وبالفكر النافذ وليس بمحاولات تطفلية على الأدب والكتابة. ففي تاريخ الأدب العربي والعالمي ملايين المحاولات الكتابية إلا أنها ليست كلها ناجحة ومعروفة وصراع البقاء في هذا المجال شرس جدا ولا يرحم إذ لا يبقى إلا الأدب الحقيقي.
ونحن ام نستعرض هذه المقدمات وهذه الملاحظات إلا  لنستخلص منها بعض العبر التي تفيدنا في حياتنا العملية كأفراد وكجماعة لها كيان سياسي خاص ووضع اجتماعي متميز وظروف دينية غير عادية.
1-    الكلمة عند الدروز هي أمر مقدس والمطلع على دين التوحيد يعلم أنها تحتل المرتبة الثالثة في الأهمية ومن هنا فالدروز يحافظون على الكلمة ويجلونها حتى أن كُتُب الحكمة مدونة تدوينا ولا يسمح بطباعتها لكي لا ترخص الكلمة المكتوبة ،وكل كلمة في حكمتنا هي عالم بأسره ووراءها ما وراءها. لذلك فإن كل محاولة لتغيير هذا الوضع فيها مس بعراقة الكلمة وأصالتها وكرامتها.
2-    نحن شعب لا يقرأ في هذا المجال يتساوى الدروز مع كافة المواطنين العرب في الشرق الأوسط ولأننا لا نقرأ فإننا كثيرا ما نروج الإشاعات والأقاويل والخرافات فلو دوّن كل ما نعرفه وما نتوارثه لحصلت عملية غربلة وأصبح بإمكاننا أن نميز بين الغث والسمين.
3-    في مجتمعنا عملية تطفل على الأدب والكتابة وبفضل التقدم التكنولوجي السريع اصبحت الأقلام رخيصة وصار بمتناول يد كل صبي الحصول على قلم وكتابة مواد يتطاول بها على غيره وبما أننا لم ننضج حتى الآن ثقافيا لذلك يصعب على الكثيرين منا أحيانا أن يميزوا بين ما هو جدير بالقراءة والكتابة وما هو غير جدير فاختلطت الأمور علينا لأننا في النهاية شعب جاهل.
4-    لقد سبقت كل ثورة سياسية ثورة فكرية مهّدت لها والتحرر والانطلاق والتغيير في الشعوب يبدأ أولا فكريا ثم ينتقل جسديا.
5-    تسود العالم اليوم على مختلف دياناته موجة من الرجوع إلى الدين بعد ان فشلت الحضارة الحديثة في حل مشاكل الإنسان الحقيقة بل زادته تعقيدا ونحن نملك أكبر كنز من الحكمة فلماذا لا نطلع عليه ولا نتسلح فيه ولا نوفر علينا الطريق الطويلة الشاقة التي مر بها الآخرون.
6-    جرت في قريتي والقرى الأخرى مؤخرا انتخابات للسلطات المحلية وربح من ربح وخسر من خسر وأقيمت الولائم والاحتفالات وقد أنفقت في هذه الحملة ملايين الدولارات هباء. ولو استخدمت هذه الأموال في مشاريع ثقافية لصالح الجميع لكانت فائدتها أكبر ولجنى أصحابها ربحا اضخم واسما اخل من مجرد عضو في المجلس المحلي لسنة او سنتين.
هذه أفكار متناثرة نكتبها ويبدو لأول وهلة أن لا رابط بينها إلا أن الرابط وثيق ،استوحيناها من العيد الذي يهلّ علينا وهو عيد النبي شعيب بين مدين عليه السلام وهو الذي أوحى للنبي موسى بكثير من الكلمات والتعاليم والتي أصبحت مع القوت هدى ومنارا لملايين من الناس ،فإذا اجتمعنا في باحة المقام الشريف ودعونا الواحد الآخر أن تقبل زيارتنا فلنذكر أننا وحدنا أصحاب الكلمة.
وأننا نملك المفاتيح لكل العلوم فهل نحن بهذا الشرف العظيم جديرون ؟!

كل عام وأنتم بخير

سميح ناطور  
دالية الكرمل
نيسان 1989
     
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.