spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 65
مقام النبي زكريا عليه السلام
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131


 
الأجاويد الدروز – صفاتهم وميزاتهم طباعة ارسال لصديق
بقلم جبر أبو ركن
الأجاويد جمع جويد وهو مصغر جيد يسمي الدروز رجل الدين جويدا إمعانا في التواضع واحتراما للحقيقة وتُطلق هذه التسمية على الذين صفت نفوسهم وتطهرت نواياهم واستضاءت عقولهم بالنور الشعشعاني وانكشفت لهم أبواب المعرفة. ويصل إلى تلك الدرجة السامية من عاش في التأمل منصرفا إلى مناجاة خالقه منفذا تعاليم التوحيد نصا وحرفا كما جاءت في المعلوم الشريف متخذا نهجا لحياته وسلوكه مبنيا على مكارم الأخلاق والفضائل متواضعا ومتسامحا وصادقا ومحبا وعارفا ومخلصا وتقيا وزاهدا. الفرق بين رجل الدين العادي والجويد بأن الثاني دقيق جدا في التنفيذ وتطبيق تعاليم ومبادئ التوحيد في حياته العملية واليومية وسلوكه مع نفسه ومع الغير من مأكل ومشرب ونوم وملبس وكلام والقيام بالواجبات الدينية من اجتماعية وعائلية.
يتساوى الأجاويد مع بعضهم في السلوك والآداب ولكنهم يتدرجون في مراتب ودرجات فيما بينهم في العرفان والمعارف والتضلع في الدين، فمن قرأ الحكمة وكان منفتح القلب، عميق الوعي، نيّر العقل صافي الذهن، لطيف الإحساس، متفهما الحياة عارفا علاقته الأولى واتحاده الخير، متضلعا على الفلسفة، كثير التأمل، مستكشفا انوار المعرفة الإلهية، تقيا ورعا، معلما وهاديا، كان من الطبقة الأولى في الوعي والتطور الروحاني التي يبلغها الحكماء والأولياء أمثال الأمير السيد عبد الله التنوخي -قدس الله سره – والشيخ الفاضل محمد ابي هلال – رضي الله عنه – وغيرهم.
ومن قرأ الحكمة وحفظها غيبا وكان نقيا مخلصا لنفسه وإخوانه، وديعا يحترم التعاليم والوصايا، ولا يقول إلا الحق، زاهدا في متاع الدنيا وجاهدا في العبادة ويجعل عقله رقيبا على أفعاله ومرشده وإمامه، رضيا محبا مسلما أمره لله تعالى، ويجعل أكثر أوقاته في القراءة الروحية وذكر الله ليزيد من صفاء نفسه وطهارة قلبه كان من الطبقة الثانية التقية المخلصة.
أما من كان مؤمنا من غير علم، لا يحوي فكره أبعاد احياة الأزلية ولا تنكشف له الطريق النورانية كشفا كافيا، بل تبرز له في شيء من ضباب العرفان وكان متمسكا بالسلوك التوحيدي العام كان من الطبقة الثالثة التي هي أكثر الطبقات تعددا وكثرة. وأجاويد هذه الطبقة يعيشون حياة عادية ويمارسون أعمالا عادية ويتعاطون مع الناس بشكل عادي كأي إنسان يتمتع بالخلق القويم والضمير الحي.
والأجاويد أنفسهم يدركون هذه الطبقات فيما بينهم، فلا يتقدم جويد على من هو اعلى منه مرتبة في الدين والتقوى والعرفان. وإذا ضمهم مجلس تكون الكلمة الولى وكلمة الفصل لأعلى الحاضرين رتبة في التقوى والتوحيد.
 

كيف يعيش الأجاويد؟
يعيشون في طمأنينة بعيدين عن القلق والتوتر. وهذا ما يساعد على صحة أجسادهم وأنفسهم ويحافظ على نشاطهم ويزيد من قوتهم وطاقتهم العقلية والفكرية. والجويد إنسان يعيش في قناعة من دنياه. فلا يسعى وراء الترف والبذخ ولا تجذبه البهارج والزخارف ولا يركض وراء المظاهر والأبهة والجاه والمكاسب المادية التي تتطلب مشقة في تحقيقها وتحصيلها. وما تحقيقها سوى زمني مؤقت عابر وهذا في حقيقته زيف وخسران. وهو يرضى من دنياه بما يسد حاجته فقط حفاظا على صحته وحياته وكل همه أن يملأ قلبه الشوق إلى خالقه ويصبح غنيا عن الناس برضى باريه عنه. والطمأنينة شرط أساسي للحفاظ على صحة البدن والنفس. فهي تمنع التوتر العصبي ولا تنهك القلب والأعصاب ولا تضعف العضلات والخلايا. وهي في أساها قناعة نفسية تتعدى المفهوم المادي الذي يشد بالإنسان إلى طين الأنانية والطمع والاستغلال ويملأ نفسه وقلبه بالقلق والاضطراب. وهذه الطمأنينة لا تتحقق إلا بارتفاع الإنسان عن نزواته وشهواته وميوله وأهوائه وغرائزه والتحكم بها عقليا والتعلق بالروح الذي يقوده عن طريق العقل إلى فهم الطبيعة والحياة والوجود وارتباط الإنسان وعلاقته بها جميعا.


ماذا يأكل الأجاويد؟
يدققون جدا في الحلال والحرام من ناحية الطعام والشراب وكل النواحي الأخرى. يمتنع الأجاويد عن تناول بعض المأكولات وأنواع الطعام كالملوخية ولحم الخنزير ولا يشربون الخمر أو المسكرات ولا يجالسون الشاربين. ولا يدخنون ولا يأكلون طعام لص أو مجرم او شرير او اي إنسان لا يعرف بنظافة يده وقلبه ونفسه ونواياه لأن ليس في طعامه حلال النعمة والاعتراف بمنه الله وطهارة النفس. زمن فسدت نفسه فسد مأكله ومشربه، ويحرم طعام إنسان لا يوثق بأمانة يده وطهارتها وتحوم حوله الشبهات من حيث مصدر رزقه وطعامه إذا كان حلالا ام حراما وطعام الأجاويد هو ما يكسبونه بعرق جبينهم او تعلهم ومجهودهم الجسمي أو النفسي أو العقلي. ويعتقدون بأن الطبيعة هي مصدر غذاء الجسد والروح. كذلك يعيشون في احضانها فيأكلون من خيراتها كما هي في اصله قبل تدخل الإنسان للعبث بها من تلويثها وفسادها وإزالة بركتها وحلالها، فيأكلون خبز الحنطة والزبيب والخضار والفواكه المجففة والدبس والحليب ومشتقاته ويقللون من أكل اللحوم أو يمتنعون عنها كليا او جزئيا. وهم يشربون الماء الزلال الطاهر المتفجر من باطن الأرض مباشرة اي الينابيع التي لم تدنسها الأنابيب والأدوية ومعامل التكرير. ويعرون أنهم بذلك يقتربون من روح الطبيعة التي تعطي كل نافع ومفيد. وقد خلق الله الكون وجعل الطبيعة مصدر العيش والحياة لكل المخلوقات ومصدر الصحة والعافية. فالمرض هو في مخالفة قوانين الطبيعة وجهل قيمة الغذاء والشراب، والطبيعة هي أمهر الأطباء وهي تعيد التوازن إلى الإنسان الذي يفقده فيصيبه المرض.


ما هي ميزات مساكن وبيوت الأجاويد؟

البيت مقر للجسد ولراحة النفس وسلامة الذوق ومحبة الآخرين والبيت السعيد هو البيت الذي تغمره المحبة وتعشش فيه الفضيلة وتزيّنه القناعة ويرفعه الذوق وتتألق فيه النظافة ويجمّله الترتيب. البيت مأوى لا يقي فقط من مياه الأمطار وحرارة الشمس والعواصف والرياح بل إنه يقي النفس فيه من الرذيلة والفكر من الضياع والعقل من التشرد والأخلاق من الإفلات والانحلال. إنه موطن القيم والحب والتضحية والإيثار.  
لذلك يجب أن يكون على مرتبة سامية من المظهر الوديع والبساطة الغنية والصورة المتزنة الجميلة الهادئة القانعة والمتناسقة. وقيمته في الإشعاع النفسي الطالع من ثناياه وبيوت الأجاويد ومساكنهم هي الصورة الصادقة للوصف السابق. غرف تقتصر على بسط تغطي الأرض وعليها فراش ومساند تتكئ إلى الحيطان يلقي عليها الجالسون ظهورهم. ليس في الغرفة زخارف وهي بعيدة عن الترف. في تقشفها جمال ورونق وفي بساطتها بهجة وترتيب وراحة للنظر، في بعدها عن التكلف سلامة للذوق والشعور، بتجلى فيها روح التواضع والعيش الطبيعي السليم والارتياح التام في القعود.
وراحة البدن تؤدي إلى راحة النفس والأعصاب وملامسة الإنسان للأرض في قعوده تمنحه طمأنينة ونوعا من الفرح الخفي الباطني يظهر في سكون الأعضاء وهدوء الأعصاب.
أما من ناحية الملابس فيفضل الأجاويد اللباس الأسود سروال اسود فضفاض، فوقه سترة واسعة سوداء ويضعون على رؤوسهم عمائم بيضاء اسطوانية الشكل. أما الأجاويد الذين يقومون بأعمال مختلفة خارج البين فيضعون على رؤوسهم قلنسوات صغيرة بيضاء مقلمة بخطوط سوداء بشكل طولي. وهي دلالة على التقشف لأنها منسوجة من صوف خشن سميك الخيوط. أما العباءة البيضاء المقلمة بالأزرق فلا يلبسها الجويد بإرادته ساعة يشاء إذ هي محظورة إلا عن الأتقياء الذين يعترف له الأجاويد عامة بالتقى والورع الشديد. يجتمع هؤلاء الأجاويد ويقدرون إلباس هذه العباءة لأحدهم فنقدم إليهم في جلسة ذكر في إحدى الخلوات. العمامة الأسطوانية يضعها كل جويد على رأسه وهي دليل انتسابه إلى المتدينين. أما العمامة المكورة المعروفة في التعبير التوحيد باسم "المكلوسة" يضعها الجويد على رأسه من تلقاء نفسه أو في رضى المجلس (خلوة) بلدته، غذ هي مرتبة سامية وراقية في التوحيد وأقر له الأجاويد عامة بالورع الشديد والتقوى القصوى. فيجتمعون عند ذلك ويقررون تقديم هذه العمامة إليه على شرط ان يلبسه إياها تقي اعتمر قبله هذه العمامة المكورة.

وكان في أيام الشيخ ابو حسين محمود فرج (1866-1953) من عبيه بلبنان أربعة عشر حويدا (14) يضعون العمامة المكورة وهم
1-     الشيخ سعيد العقيلي - السمقانية - لبنان الشيخ - - لبنان.
2-    الشيخ أبو محمد سعيد شمس الدين - بعقلين - لبنان.
3-    الشيخ أبو احمد أمين عودة - باتر - لبنان.
4-    الشيخ أبو فارس محمود عبد الخالق – مجدل بعنا - لبنان.
5-    الشيخ أبو يوسف سليم البيطار - بطمة - لبنان.
6-    الشيخ أبو يوسف حسين هاني - بعذران - لبنان.
7-    الشيخ أبو محمد سعيد خطار عيد - بشامون - لبنان.
8-    الشيخ أبو يوسف محمود العنداري - العبادية - لبنان.
9-    الشيخ أبو محمد سعيد شهيب - عاليه - لبنان.
10-    الشيخ أبو حسيب أسعد الصايغ – معصريتي - لبنان.
11-    الشيخ أبو حسن حلاوي – الباروك - لبنان.
12-    الشيخ أبو محمد نجيب أبو حمزة -خريبة الشوف - لبنان.
13-    الشيخ أبو يوسف أمين طريف - إسرائيل.
14-    الشيخ أبو يوسف سلمان نصر - إسرائيل.
أما في أيامنا هذه 1989 فهناك خمسة مشايخ يلبسون العمامة ومنهم الشيخ ابو محمد جواد


كيف يكون حديث الأجاويد؟
الكلمة عندهم هي الصورة الظاهرة للذات الداخلية. وهم يحترمون الكلمة لأنها حسب اعتبارهم تكشف خفايا النفس البشرية وتدل على شخصية الإنسان وعلى حقيقته وتعرف قيمته من خلال حديثه كما قيل: المرء مخبوء تحت لسامه. والحديث وليد الفكر، فإذا تمرس الفكر بالخير والفضيلة عمق الخير والفضيلة في الذهن وفي الباطن فكان الحديث مفعما بالمحبة والأنس والألفة. لذلك فإن الجويد لا يؤذي بكلامه لأنه لا يفكر في الشر او الإيذاء وهو يمتنع عن إيذاء الغير حتى في التفكير والحديث وليس فقط في العمل والسلوك وما دام الحديث هو ترجمان ومرآة الفكر والشعور فالصدق هو وجهه الأول. والصدق من اهم ميزات الأجاويد خاصة والموحدين عامة. أما اللسان فإنه مجرد آلة ووسيلة للخير وهم يصونونه عن الموبقات ويحافظون على الحشمة في الكلام والدقة في الحديث واللطف في التعبير والوداعة في اللهجة. وهم يجيدون ادب الحديث والكلام ويصغون أكثر مما يتكلمون الإصغاء شرط اساسي في ادب الاجتماع وأدب الحديث عندهم.
أسلوب حديثهم مقتضب ومختصر لا يتعدى الدعوة إلى الرضى والتسليم وحسن العشرة والمحبة والإيمان والتمسك بفضائل الخلاق والسلوك الحسن والإيجابي. وإذا بلغ جويد مبلغا رفيعا في التقى والورع ندر كلامه وزاد إصغاؤه. ويجالسك في لطف مذهل ومحبة عارمة واحترام فائق تقرأ في عينيه مناجاة تحملك غلى الأعماق تستشف من خلالها نورا وإشعاعا من تأملاته بقدر ما تكون أنت عليه من العرفان والوعي والتطور الروحاني.


ما هي ميزات سلوك الأجاويد؟
الجويد متسامح وشجاع في كل الحالات والمواقف تقريبا. من جهة واحدة نجده لا يعرض نفسه للمشاكل ولا يتفوه بكلمة نابية وكثيرا ما يكسر جانبه إذا واجهه خصم سليط اللسان ويكتفي بالقول "الله يسامحك" ومن جهة ثانية فإنه مقاتل عنيد وشجاع إذا اعتدي على أرضه أو عرضه. ويحمل السلاح في زهو وفخار متقدما الشبان في المعارك والحروب. وهو صادق ومخلص. إذا وعد فهو لا يخلف وعدا لذلك يتريث في اي وعد يسوقه إلى محدثه كما قيل: وعد الحر دين عليه، أو أوفي حر ما وعد. وإذا نوى على امر فلا يخرج عليه عنده الصدق رأس الإيمان والرضى والتسليم من أهم ركائز الدين فيتلقى ضربات القدر في صبر مذهل وهو هادئ الأعصاب، رصي النفس ومرتاح البال. وهو يؤمن أن الظاهر صورة الباطن ومرآته فمن كان لطيف النفس ظهرت لطافته في مسلكه وسلوكه. وهو طاهر القلب والنية وصافي السريرة ونقي الضمير وذلك يقوده إلى الفضيلة والخير والمحبة. ويعتقد أن الإنسان المتحضر والمتمدن هو من آمن بأن نظافة داخله وباطنه ومحبته وعرفانه وشوقه إلى المثل والفضائل هي وحدها عناصر وأسس التمدن الصحيح والحضارة الحقيقية. فالإنسان ليس بلباسه ومظهره بل بسلوكه الاجتماعي والإنساني لأن قيمة الإنسان تقاس ليس بن\ما حصل بل بما أعطى.
ويعتقد الجويد بأن أفضل الناس أنفعهم للناس والمبدأ الأول في ذلك هو الامتناع عن إيذاء الناس بأي شكل كان والمثال الشخصي والقدوة والسلوك الفردي الإيجابي والإحسان والمساعدة تتمم هذه القاعدة الذهبية. وهم أي الأجاويد يمتنعون عن الشر والحرام والرذيلة ويصبون إلى الخير والحلال والفضيلة ويعملون على التقرب إلى الله تعالى عن طريق العبادة وحسن العمل ومحبة الإنسان واحترام الطبيعة والانصراف التام لنشر الطمأنينة والسلام الباطني النفساني في نفوس الناس على الأرض في كل زمان ومكان. ومن ميزاتهم البارزة التواضع والبساطة والاستكبار يعتبر خطيئة وليس فقط رذيلة او صفة سلبية وهو من طبائع الضد والظلمة، بينما التواضع من طبائع العقل ونوره ويؤدي إلى الرفعة والتطور الروحاني.
للمرأة مكانة خاصة عند الأجاويد يحترم الجويد زوجته احتراما تاما، حيث يناديها حين يطلب منها قضاء أي حاجة أو حين يكلمها ويناقشها في أي أمر، وهي بالنسبة إليه صورة الحشمة والرأفة والمحبة والعفاف والدفء الروحي. وهو لا يدخل بيتا يخلو من الرجال ولا يجالس امرأة إلا إذا كانت زوجته أو امه او ابنته او أخته. وبعض الأجاويد الذين يبلغون ثمة الجودة والرفعة والطهر يتزوجون زيجة نظر أي أنهم لا يقتربون من فراش الزوجة فتكون زوجتهم بمثابة أم أو أخت لأن الشهوة الجنسية ليست مطلبا بحد ذاتها إنها وسيلة الإنجاب وبقاء الجنس البشري واستمراريته فإذا لم يكن عند الرجل هذا المطلب فعليه ألا يجعل هذه الشهوة بهيمية، وعندهم المرأة ليست غذاء للجسد أو لعبة للرجل، بل غذاء للروح وتوحدا وحبا وجمالا، وهذا أمر ليس مستهجنا أو غريبا بالنسبة إليهم، لأنه نهاية حيوات وأجيال سابقة تخلّوا فيها عن شهواتهم البهيمية عبر الأدوار المتعاقبة.
الأجاويد مشهورون جدا في دقة سلوكهم العام والخاص وحتى في الكلام، يحافظون على الصدق في الحديث معتبرين أن الإمكان لا يتم بدونه، لذلك لا يقولون قولا فيه شك ولو قليلا ويحاسبون أنفسهم في صراحة تامة ودقة متناهية.
يمكن اعتبار الأجاويد الدروز المتصوفين في دين التوحيد، كما يوجد في كل دين متصوفوه وهم العبّاد الزاهدون الذين كرّسوا حياتهم لله تعالى – لعبادته، ومحبته وطاعته وتوحيده، وأوجه التشابه كثيرة جدا بين المتصوفين والأجاويد الدروز كم حيث السلوك ومنهج الحياة والإيمان وبعض العقائد. وعن هذا الموضوع في مقال منفرد بإذن الله.هذه بعض القصص والحوادث التي جرت مع بعض الأجاويد والتي تدل على أسلوب ونمط حياتهم:
كان الشيخ أبو علي إسماعيل ملاعب (المتوفى 1898) يفلح أرضه في تلة الحصن، فرأى حصاة بين التراب وقد أبرزتها سكة الفلاحة، التقطها وتأملها وراح يقلّبها ظهرا لبطن فأعجبه بريقها وفي المساء حملها معه إلى بيته وسرعان ما عرف الناس أمر الحصاة فأتوا يتفرجون عليها ثم عادوا يتداولون في قضية جوهرة حظي بها الشيخ بين التراب. وشاع خبر هذه الجوهرة وذاع صيتها حتى وصل إلى آذان العثمانيين الذين كانوا يحكمون البلاد، فجاءت دورية من الجند اقتادت الشيخ إلى المخفر للتحقيق. واهتمت السلطات بالأمر اهتماما كبيرا وراحت التحقيقات تتوالى والإشاعات تتنوّع وتهمة الدولة لا تتوقف بشأن الشيخ. وشعر الشيخ بالحرج وبالضيق ولاحظ عيونا كثيرة تراقبه في روحاته وجيناته تتجسس على حركاته وتنقلاته وتلاحقه في كل مكان. وأدرك أن أمر الجوهرة جلبت الضيق للناس لفرط ما تعرّضوا له. وتحمل المضايقات واعتذر من الناس عمّا جلبه لهم من القلق عن غير قصد منه. وبعد مرور حوالي سنة وجد جوهرة أكبر منها وأثمن أخذها بيم كفيه وقلّبها ثم رماها بعيدا قائلا في نفسه: بلاك ولا بلاك " وتنهد الصعداء وهو يردد مال الدنيا لا يساوي لحظة طمأنينة وراحة بال.
كان الشيخ أبو حسين محمود فرج (1866-1952) ذاهبا لزيارة بعض المشايخ الشبان. فرأوا كومات من الحطب المقطوع المعدّ للنقل. فقال أحدهم: ما شاء الله هذا الحطب كله من السنديان. التفت إليه الشيخ أبو حسين ثم اشار بعصاه إلى قطعة وسأله: ما هذه؟ فأجاب الشاب: بطم. ثم خطا خطوات وأعاد سؤاله: ما هذه " فأجاب الشاب خجولا: ملول. اكتفى الشيخ بهذين السؤالين ليعلم الشاب توخّي الدقة في الكلام والمحافظة على الصدق في الحديث.
ويروي احد الأجاويد إبّان ثورة الدروز 1925 ما يلي: مر ذات يوم رجال أمن للسلطات الفرنسية في جرمانا ضاحية دمشق يسكنها الدروز. فسألوا شيخا كان يسير في الطريق عنا إذا رأى ثوارا في البلدة؟ فأجاب الشيخ على الفور: اسألوا غيري.
كان لا يريد أن يقول لا فيرتكب إثم الكذب ولا يريد أن يقول نعم فيلحق الضرر بالثائرين.
ويروى كذلك أن جويدا جليلا لم يسبق له مرة ان زل لسانه بقول غير الحقيقة. فتآمر عليه بعض الجهال عازمين على ان يوقعوه بكذبة يأخذونها عليه. جاءوه مرة بعد ان أرسلوا إليه رجلا يزوره واتفقوا مع الرجل أن يخرج من نافذة قرفة الشيخ ساعة ينادون هذا الأخير فيخرج لاستقبالهم. ولما خرج الشيخ للقائهم سألوه: هل فلان عندك؟ فأجابهم: كان عندي قبل أن اخرج من الغرفة. وهنا تبرز الدقة المتناهية في الكلام.
 وعن حلم وتسامح الأجاويد كثيرة القصص الواقعية والحوادث المعبرة منها: ابن أحد المشايخ يلقى مصرعه بعد أن صدمته سيارة كان يقودها سائق من نفس بلدة الشيخ. بعد أن توقف السائق بيد الشرطة اتصل الشيخ والد الشاب المتوفى بضابط الشرطة المسئول وطلب منه إطلاق سراح السائق حالا وإغلاق الملف وأنه لا يدفن ابنه حتى يتمّ ذلك. وأثناء مراسم الجنازة طلب الشيخ من السائق أن يقف بجانبه قائلا: هذا قضاء الله وقدره، إنك بدل ابني المتوفى، إني أصفح لك وأسامحك والله يعطيك الصبر والسلوان. قف بجانبي وتقبّل تعازي الناس مثلنا، إنا لله وإنا غليه راجعون.
وبعدها حدثا العديد من الحوادث على نمط هذه الحادثة والسلوك في القرى الدرزية في إسرائيل.
ما احوجنا اليوم في مجتمعنا الاقتداء بسلوك الأجاويد الذي يعبّر عن الأصالة التوحيدية الدرزية وهو الكفيل والرادع أمام الانزلاق والسقوط الحضاري ومن العوامل الهامة التي يمكنها أن تحافظ على المستوى الروحاني والمعنوي وتقود إلى التطور في هذا المجال وهو العنصر الباقي والخالد في الحضارة بعد أن يندثر المادي وما يتعلق به.      

   


 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.