spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 117
كلمة العدد: الذين يجدون في نور الشمس نعمة كبرى
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130


 
سيدنا سقراط طباعة ارسال لصديق
بقلم صالح حلبي – دالية الكرمل



لا يعرف الكثير عن حياة الفيلسوف العظيم سقراط وسيرته الذاتية إلا انه ولد عام 469 ق.م. في اثينا وتوفي بها ايضا عام 399 ق.م. ومما يعرف عنه أن أمه كانت قابلة وأبوه مثّالا. وقد التحق في شبابه بصفوف الجيش ولفت الأنظار إليه بما أظهره من شجاعة وإقدام.
إذا سبرنا أعماق المحاورات الفلسفية العقلانية التي كتبها تلميذ سقراط والنشيط والمقرّب إليه افلاطون وأيضا تلاميذه الثلاثة فيدون وأبيقراط واطيبغرون والدفاع الذي ألقاه سقراط أمام المحكمة التي أصدرت حكمها الجائر عليه بالإعدام نلاحظ أن هذه المحاورات تجسّد بعمق ودقة فلسفة سقراط الروحية التي انطلقت من ذاته الخيّرة المعطاءة. وأفلاطون يستعرض أفكار معلمه العقلانية في الدين والدولة والقانون وعقائده في الأخرويات من دينونة وخلود ومبدأ ومعاد وفي الليونات والاستقصات.
معنى سقراطيس "المعتصم بالعدل " ويروي التاريخ أنه عندما ألزم بالزواج تزوج امرأة خلّدها التاريخ لسلاطة لسانها ونزقها وشراستها كربة بيت وتروي إحدى نوادر عنها أن سقراط كان يعلم بعض تلاميذه فأخذت بصراخها لتصرفهم وبعد ذلك أخذت بالشتم ولما لم ينفع ذلك أخذت وعاء به ماء وسكبته على رؤوسهم وثيابهم فقال سقراط "أبرقت ثم أرعدت ثم أمطرت " وهو الذي قال بعد ذلك "تزوج يا بني فإن كانت زوجتك صالحة عشت سعيدا وإن كانت رديئة أصبحت فيلسوفا ".
وبلغ من تعظيمه الحكمة مبلغا اضر بمن بعده من محبي الحكمة لأنه كان من رأيه ألا تستودع الحكمة في الصحف والقراطيس تنزيها لها عن ذلك . ويقول إن الحكمة طاهرة مقدسة غير فاسدة ولا دنسة فلا ينبغي إلا أن نستودعها الأنفس الحية وتنزها عن الجلود الميتة ونصونها عن القلوب المتمردة ، فلم يصنّف كتابا ولا أملى على احد من تلاميذه ما أثبته في قرطاس وكان زاهدا في الدنيا قليل المبالاة بها وأن هذا الحكيم الرباني كان شديد التمسك بالإيمان على اسس أخلاقية سامية ترتكز في منطلقاتها الأساسية للحياة وكان في طليعة من نادى بضرورة توحيد الخالق ورفض مبدأ الآلهة والأرباب وهو الحكيم الأول الذي مهّد وبشّر بظهور المذهب المسيحي وتنبأ به.
لقد بدأ التعمق ودرس الحكمة في سن مبكرة وتحت تأثير الفلسفة الفيثاغورية والأوروفية بأثينا فراح يمد عقله ويهذب نفسه وقد عرف الحكمة على أنها كمال العمل لكمال العمل. فمن المنطلق العقلي أخذ من مناهج السفسطائيين حتى كوّن لنفسه منهجا ولم يأخذ من السفسطائية شكوكها كتعدد الآلهة مثلا كآلهة الأولمب وآلهة الجمال والقوة والشر الخ ... بل أخذ لنفسه مذهب فيثاغوروس الحكيم الأكبر المؤمن بالإله الواحد خالق الكون.
ونظر ايضا في الطبيعيات والرياضيات ولم يتعمق بها ايضا لبعدها عن العمل واتخذ له شعارا "اعرف نفسك بنفسك ".
ومن الناحية الخلقية كان يغالب مزاجه ويقسو على جسمه ليروّضه في طاعة العقل ولما وفق في تركيز دعائم افكاره التي كانت تتفاعل في أعماقه طلع على الاثينيين يساهم معهم ويحاور وخاصة الشباب منهم ويحاول إصلاح ما أفسده السفسطائيون  من أمرهم ويدلهم على مسالك الحق والخير والهداية. ولم يكن لسقراط مدرسة خاصة به بل كان يجتمع بالناس أينما اتفق فيناقش ويخاطب ويجادل والناس تلتف حوله حلقات من الطلبة الأثينيين ومن الغرباء الذين كانوا يفدون إلى اثينا خصيصا لسماع حكمته. وقد اعتقد سقراط في نفسه أنه يحمل في عنقه رسالة وأمانة سماوية وان الله أرسله مؤدبا  عموميا مجانيا يقبل بالفقر ويرغب عن متاع الدنيا ليؤدي رسالته الحقة. وكان إلى جانب ذلك وطنيا صادقا وجنديا شجاعا اشترك في حربين وأظهر من رباطة الجأش والبسالة والصبر على المكاره مما زاد في حب الناس له والتفافهم حوله وسماع حكمته وفلسفته.


محاكمة سقراط ومقتله
بعد ان جاوز سقراط سن السبعين بدأ الحسد يساور قلوب الكثيرين من اهل اثينا اصحاب المال والجاه والحكم وبعد أن رأوا التفاف الناس حول سقراط رغم فقره. فاستمروا مدة طويلة من الزمن يحرضون أصحاب الأمر على سقراط حتى استطاعوا اعتقاله ثم وُجّهت إليه تهم عديدة ومنها أن سقراط يفسد عقول الشباب لأنه لا يعترف بتعدد الآلهة ويستبدل بها معبودا واحدا. وفريق ثاني من القضاة اتهمه بأنه يبحث فيما تحت الأرض وما فوق السماء ويلبس الباطل بالحق ثم يبدأ بعد ذلك سقراط الإجابة والدفاع عن هذه التهم وهي من أرفع وأجمل المرافعات التي عرفها التاريخ سواء القديم والحديث وهو من نقل تلميذه أفلاطون الذي حضر جميع وقائع المحكمة ودوّنها وكتبها بأسلوبه الساحر الجميل واستطاع أن يقنع المحكمة بصواب رأيه وبحقه وبراءته من كل التهم إلا أته لم ينكر إيمانه بالإله الواحد  وعدم تعدد الآلهة وكانت هذه التهمة هي الضوء الأخضر للقضاة أن يحكموا عليه بالإعدام. وكان ملك اثينا يحترمه ويطلب مشورته دائما فحزن لحكم المحكمة عليه كثيرا إلا أنه لم يستطع مخالفة قانون القضاء فخيّره الموتة التي يختارها الموت بالسم . وجاء إليه تلميذه (أوطيغرون) قبل موته بليلة واحدة محاولا أن ينقذه من الموت والفرار به من السجن إلا أنه رفض ذلك. وعند طلوع الشمس جاء الآلاف من الأثينيين يشاهدون الحكيم الإلهي وهو يتجرع السم والدموع تنهمر من العيون مع البكاء والعويل فسألهم سقراط لم هذا البكاء ؟فقالوا :نبكي عليك لأنك تموت مظلوما. فقال كلمته الشهيرة :أتريدون إذن أن أموت مذنبا وتجرع السم وتوفي عن اثني عشر ألف تلميذ وتلميذ تلميذ.


من آدابه وفلسفته
كان سقراط يرمز في كلامه مثلما كان يفعل فيثاغوروس – فمن كلامه المرموز قوله :عندما فتشت عن علة الحياة وجدت الموت اي الذي يريد ان يحيا حياة إلهية ينبغي أن يميت نفسه من جميع الشهوات والدنيوية فإنه حينئذ يتهيأ له أن يعيش حياة الحق. وقال اسدد الخمس الكوى لتضيء مسكن العلة – أي أغمض حواسك الخمس عن الجولات فيما لا يجدي لتضيء نفسك.
وقال :املأ الوعاء طيبا – املأ عقلك بيانا وفهما وحكمة.
وقال :لا تجاوزن الميزان – اي لا يتجاوز الحق.
وقال :ازرع بالأسود واحصد بالبيض – اي ازرع بالتعب والبكاء واحصد بالسرور.
وقال افرغ الحوض المثلث من القلال الفارغة – أي أبعد عن قلبك جميع الآلام العارضة في الثلاثة الجناس من قوى النفس التي هي أصل جميع الشر.


من حكمه مواعظه
الله تعالى عليك في العبادة والتقى وأن تجهد فيما يرضى به. وقال :العدل أمان النفوس.
وقال عجبا لمن عرف فناء الدنيا كيف تلهيه عما ليس فيه فناء.
وقال داو الغضب بالصمت وداو الشهوة بالغضب. فإن من غضب على نفسه من تناول المساوئ شغل عنها.
وقال القنية مخدوعة ومن خدم غير اته فليس بحرّ.
وقال من كانت ضلالته بعد التصديق بالحق زاغ عنه وكذب به فهو بعيد من المعرفة يموت ميتة سوء. ومن كانت ضلالته قبل التصديق بالحق ومعرفته ثم عرفه ودان به نالته المغفرة.
وقال النفس الفاضلة تُعرف بحسن قبولها للحق ،والنفس الناقصة تعرف بمسارعتها إلى الباطل.
وقال :نفوس الأبرار نافرة من أعمال الفجار ،ونفوس الأشرار متبرمة من أعمال الأبرار.
وقال متبع الشهوات نادم في العاقبة ، مذموم في العاجلة ومخالف الشهوات سالم غانم في العاجلة ومحمود مغتبط في الآجلة.
وقال النفس جامعة لكي شيء فمن عرف نفسه عرف كل شيء ومن جهل نفسه جهل كل شيء.
 وقال من بخل على نفسه فهو على غيره ابخل ، ومن جاد على نفسه فذلك المرجو جوده.
وقال :ستة لا تفارقهم الكآبة :الحقود ،الحسود ، وحديث عهد بغنى ،وغني يخشى الفقر ،وطالب رتبة يقصر عنها قدره وجليس أهل الأدب ليس منهم. وقال مؤدب النفس الرديئة كرائض الفرس الصعب. إن عقل عنانه جمح به.
وقال من ملك سره خفي على الناس أمره.
وقال خير من الخير من عمل به – وشر من الشر من عمل به. وقال العقول مواهب – والعلوم مكاسب.
وقال من اهتم بالدنيا ضيع نفسه ، ومن اهتم بنفسه زهد بالدنيا.
وقال :من زهد في الدنيا أحبه أهلها. ومن رغب في الآخرة ت\نال خيرها وحمد حسن عاقبتها.
وقيل لسقراط :نل رأيناك قط مغموما ؟فقال لأنه ليس لي شيء متى ضاع مني وعدمته اغتممت عليه.
وقال :من صدق نفسه بغنى الدنيا زهد فيها ومن صدق نفسه ببقاء الآخرة رغب فيها.
وقال :الدنيا لذة ساعة يتبعها حزن أوقات ،والآخرة صبر ساعة يتبعها سرور طويل.
وقال :خير الأمور أوسطها.
وقال :من ابتلى وصبر كمن عوفي وشكر.
وقال :الصبر معين كل عمل.
وقال : الدنيا واعظة لمن بقي بمن مضى.
وقال :حوادث الدنيا هلاك لقوم ووعظ لقوم آخرين.
وقيل له :ما النعيم ؟فقال  طيب النفس.
وقيل له :ما الغنى ؟فقال :صحة الجسم.  
وقال :الحزن مدهشة للعقل ،مقطعة للحيلة فإذا ورد عليك حزن فاقمع الحزن بالحزم وفرّغ العقل بالاحتيال فيما تحمد عاقبته.
وقال :لا راحة لمن تعجل الراحة بكسله ،ولا عز لمن طلب العز بتأوه.
وقال ينبغي للعاقل أن يخاطب الجاهل مخاطبة الطبيب للمريض.
وقال :توقى كل التوقي ولا حارس من الأجل ،واطلب كل الطلب ولا تسخط ما جلب القدر وتوكل كل التوكل ولا عذر في التواني.
وقال ايضا :الرجل أربعة ،جواد وبخيل ومسرف ومقتصد. فالجواد من أعطى نصيب دنياه لنصيبه من آخرته ،والبخيل هو الذي لا يعطي واحدا منها نصيبه ، والمسرف الذي يجمعهما لدنياه والمقتصد الذي يعطي كل واحد منهما نصيبه.
وقال له رجل :ما اشد فقرك يا سقراط .فقال :لو عرفت الفقر لتوجعت لنفسك عن التوجع لسقراط.


 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.