spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 66
كلمة العدد: الجاهل صغير وإن كان شيخا
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
الشيخة نايفة جنبلاط طباعة ارسال لصديق
بقلم مزيد حسن صالح
لقبوها بزعيمة حاصبيا ، عاصمة وادي التيم في جنوبي لبنان كانت كما يروي معاصروها شخصية ذات جلال ووقار وذكاء بارعة  في ركوب الخيل فارسة شجاعة تقدس الحرية وتحارب الطغيان.
بهذه السجايا شغلت مقاما رفيعا في حاصبيا كانت دمثة الخلاق شديدة العطف على الفقراء جليلة كبيرة قوية الحجة مع الحكام والمسئولين تجادلهم في حقوق الناس من كل الطوائف تحاول رفع الضيم عنهم وأشاعت الإنصاف والطمأنينة فيهم.
نايفة جنبلاط استطاعت بشجاعتها ومحبتها الصادقة أن تبني جسورا من التفاهم بين ابناء الوطن. وسعت لخدمة الإنسان اللبناني دون الالتفات إلى انتماءاته الدينية . بها الشمول الذي لا يحابي ولا يعاير ، احتلت الشيخة نايفة قلوب اللبنانيين وكسبت ثقتهم ومحبتهم. قال فيها أمير البيان شكيب أرسلان وهو واحد من كبار رجالات العرب الذين زاروها وقصدوا بيتها :(لقد زرت كثيرا من الحكام والأعداء فلم أتأثر كتأثري لشخصية السيدة).
ولدت نايفة جنبلاط في المختارة من أعمال الشوف في سنة 1810 في بيت اشتهر بالوطنية والفضل والثراء. والدها بشير قاسم جنبلاط (1777-1825) شيخ مشايخ المختارة الملقب بعمود السماء وله آثار عمرانية في الشوف وهو الذي جرّ المياه سنة 1806 من نهر الباروك إلى المختارة في قناة أكثرها محفور في الصخر ،كما شيّد جامعها سنة 1814 م. وساعد على بناء كنيستها سنة 1820 وكان قوي الصلة بالأمير بشير الشهابي ثم اختلفا فقتله والي عكا بأمر من محمد علي باشا والي مصر ودفن في قرية يركا) بمساعدة الشيخ مرزوق معدي.
والدتها الشيخة خولة ابنة الشيخ خطار جنبلاط التي أشرفت بنفسها على تعليمها القراءة والكتابة وما تيسر من العلم والمعارف والتي كان مسموحا بتعليمها للفتيات في تلك الأيام. وما أن بلغت سن الرشد اقترنت بالشيخ خليل شمس من أعيان حاصبيا وقد رُزقت منه ببنات ثلاث هم خولة، خانم وبديعة ولك يطل عمر رفقتها لزوجها  فترمّلت وهي دون الثلاثين من عمرها وأبت أن تتزوج من بعده على الرغم كثرة الطالبين ليدها من أعيان البلاد وفضّلت أن ترعى بناتها وتبقي بيت ابيهم مفتوحا لكل طارق أو طالب حماية تماما كما كان في حياته وأكثر ،وفعلا فقد علا شأنها بين الناس وارتفع قدر زعامتها حتى ناظرت أمراء وادي التسم الشهابيين.
كان بينها وبين الأمير سعد الدين الشهابي عداوة لم ينطفئ أوقادها حتى قُتل. وحين اشتد الحصار على (سراي) حاصبيا ووقع الأمراء الشهابيون في ضيق شديد في وادي التيم عندئذ ذهبت نايفة جنبلاط وتعالت فوق كل خلاف بينها وبينهم واندفعت بكل أمومتها وحنانها وشجاعتها لمساعدة المصابين. وحزمت مع مرافقيها واتجهت إلى السراي ومشت بين جثث القتلى غير مبالية بالأخطار وأخرجت منها من زال على قيد الحياة من النساء والأطفال وذهبت بهم إلى دارها فأقاموا في خيامها حتى انتهت الأحداث وزال الخطر عنهم.
وفي الأحداث الأليمة التي شهدتها بينان سنة 1860 م كان بيتها ملاذا لكل محتاج. وقد حمت مئات العائلات المسيحية في بيتها ورصدت مواسم أراضيها لمساعدة الفقراء والمعوزين ولم تبعْ منها شيئا طيلة فترة الأحداث وكثيرا ما كانت تخرج متخفية تحت الظلام لتعطي العائلات المحتاجة ما تحتاج إليه من طعام وشراب ومساعدة مادية ولم يكن يهمها من دنياها أي مطمع مادي ولطالما  كانت تردد (إذا وجدتم عندي بعد وفاتي مئة ليرة فلا ترحموني ولذلك لقّبوها بالمرأة الحاتمية التي لم تعرف يدها يوما الخذ بل العطاء).
واستمر نفوذها في وادي النيم ايضا بعد الثورة ويقول أحد مترجميها (وراعى جانبها الحكام والزعماء من جميع الطوائف حتى أنهم كانوا لا يقطعون أمرا بدون أخذ رأيها وموافقتها عليه فتكون كلمتها من كل شأن فصل الخطاب). ويقول آخر :(بعد أن انتهت ثورة 1860 أصبحت نايفة جنبلاط أشبه ما تكون بملكة متوّجة ،فقد أحبها الناس جميعا وقدّروا مواقفها الرائعة وأصبحت كل الطوائف لا تقدم على أمر هام إلا بعد أخذ رأيها واستئذانها وغير دليل على أهمية نفوذها السياسي هو خوف العثمانيين منها ،فكانوا يحسبون لها ألف حساب حتى أنهم وقفوا دون عودتها إلى المختارة في أواخر ايامها).
وقد عاشت زهاء سبعين سنة تقريبا بعيدة عن مسقط رأسها (المختارة) التي احبتها كل ذلك خوفا من تأثيرها وسطوتها على الناس في تلك المنطقة. هذا غيض من فيض من تاريخ هذه المرأة العظيمة التي لم تتخرّج قط من معهد أو جامعة كما تتخرج النساء في ايامنا هذه ولكنها جمعت من الشجاعة والذكاء والدهاء ما نجد عند رجال السياسة في أيامها ،خاصة المحنة التي شهدها لبنان. لقد برهنت هذه الزعيمة النبيلة والسياسية الكبيرة بأعمالها ومواقفها وحنكتها أن باستطاعة المرأة أن تتعاطى السياسة وتقوم بأعباء الحكم وتحمّل المسئولية على اكمل وجه.
فما احوجنا في هذه الأيام المتطورة العصيبة لأننا بحاجة إلى مثل هؤلاء الأفذاذ رجالا كانوا أن نساء !!



 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.