spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 116
القرى الدرزية زاخرة بالشخصيات القيادية
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131


 
معرة النعمان طباعة ارسال لصديق
قرية المعري وقبره
بقلم : سامي الكيالي
من حنين أبي العلاء لوطنه
يا ماء دجلة ما أراك تلذ لي        شوقا كماء معرة النعمان
فيا برق ليس الكوخ داري وإنما    رماني إليها الدهر منذ ليال
فهل فيك من ماء  المعرة قطرة    تغيث بها ظمآن ليس ببال
كثيرا ما تتميز المدن بأسماء الموهوبين من الرجال شعراء كانوا او قوادا أو ادباء أو فلاسفة. فلولا نابليون لكت ذُكرن جزيرة سنت هيلين مثلا ، تلك الصخرة الناتئة الجاثمة وسط الأوقيانوس والتي تبعد ألاف الميال عن أوروبا ولولا أبو العلاء لما ذُكرت المعرة هذا الذكر الضخم الذي استفاض على أقلام الأدباء والشعراء والمؤرخين ، وهي كقرية كبيرة لا تختلف عن الكثير من المعرات الضاربة في هذه البادية بين حلب وحماة وما إليها. لا يميزها عن غيرها إلا أنها مدينة هذا الفيلسوف الشاعر الذي خلّد اسمه خلود الأجيال وأذهب إلى ابعد من هذا فأقول إن التصاق اسمه بها هو الذي جعل لها شهرة المدن الكبيرة سيما عند خاصة الأدباء والشعراء.
فما من رجل في الشرق وفي الغرب له مشاركة في الدب ويعلم طرفا عن هذا المفكر الفذ إلا وتشوقه في هذه البلدة او القرية على حد تسمية الكثيرين – ويود زيارتها حتى تطأ قدماه بلاد الشام. فقد زارها كثيرون من اعلام الفكر وود طه حسين منذ عشرين سنة ونيفا – اي حين كتب رسالته (ذكرى أبي العلاء). لو أتيحت له زيارة المعرة ليكتب عن هذه القرية عالم بها مستقصيا أمرها متأثرا بما يوحي إليه من ذكرى أبي العلاء وأزهار علمه وفلسفته وردد لي هذه الأمنية حين زار مدينة حلب ممثلا (الجامعة المصرية) في مؤتمر الآثار الذي عُقد في بيروت ،ولكن اضطراب الأمن في تلك المنطقة آنذاك حال دون تحقيق أمنيته. ولم تكن أمنيته ان يمر بها مرورا سريعا بل أن يمكث فيها سنة او اكثر من سنة لدراسة ابي العلاء من جديد لأنه يرى أن كثيرا من آرائه التي دوّنها في كتاب (الذكرى) تحتاج إلى تغيير وتحويل.  
وقد تفضلت مجلة (الهلال) فخصتني بالكتابة عن قرية ابي العلاء وقبره. اما قبره فقد سبق ان دعوت في الصحف وفي مجلتي إلى ضرورة العناية به عناية تتساوى ومجد أبو العلاء ،ويسرني أن اقول إن هذه الصيحات التي رددها الكثير من الأدباء قد اثمرت بعض الثمر أو كله ،وها هي (الجمهورية السورية) تشارك الأدباء والشعراء في هذه الأمنية الغالية وسأعود إلى التفصيل في ذلك بعد ان استوفي الكلام عن قرية الشاعر الحكيم.
المعرة بلدة بُنيت على نهر يتصل في الغرب بالتلعات الصاعدة نحو جبل الزاوية وتحيط به من بقية جهاته أودية وسهول كانت فيما مضى مغارس للتين والزيتون والفستق واللوز ولم يبق من ذلك إلا أثر ضئيل.
وقد وصفها المؤرخون وصفا دقيقا ولم يهملها الرحالون الذين مروا بها فهذا ناصر بك خسرو الرحالة الفارسي الذي مر بها سنة 438 ه قد وصفها بقوله :هذه المدينة آهلة بالسكان كثيرا ويحيط بها سور من حجر وشاهدت بالقرب من هذه المدينة سارية من حجر زينت عليها كتابة بحروف ليست بعربية فسألت احدهم عن ذلك فأجابني أن هذا طلسم يحول دون العقارب ودون دخول المدينة والبقاء فيها " ثم قال وأسواق المعرة طافحة بالأرزاق والخيرات وجامعها الأعظم مبني على أكمة قامت وسط المدينة ولا يُزرع في هذه الناحية إلا الحنطة وتغل غلة حسنة. ويكثر في قراها أشجار الزيتون والتين والفستق واللوز والكرمة، ومياه المعرة تجمع من المغر أو من الآبار . وذكرها ابن جبير في القرن السادس عشر فقال :وهي سواد كلها بشجر الزيتون والفستق والفواكه ويتصل التفاف ببساتينها وانتظام قراها.
مسيرة يومين وهي أخصب بلاد الله. وأكثرها أرزاقا . وقال ياقوت في معجم البلدان :بعد أن عرض ما ذكر كلمة المعرة واشتقاقها ودلالتها ذلك اللفظ على شتى المعاني ،وبعد ان اورد عدة روايات عن سبب تسميتها بمعرة النعمان وصفها بقوله :معرة النعمان مدينة كبيرة قديمة مشهورة من أعمال حمص بين حلب وحماة ، ماؤهم من الآبار وعندهم الزيتون الكثير والتين.
وقال ابن بطوطة في القرن الثامن عشر سنة 725 (المعرة مدينة صغيرة أكثرها أشجار الزيتون والفستق ومنها يُحمل إلى مصر والشام ،ولا عجب أن يراها ابن بطوطة مدينة صغيرة وهو لم يترك بقعة من بقاع الأرض إلا ذرعها وكتب عنها ، ولم يخرج شيخ الربوة والعزيزي وغيرهما من المؤرخين وكتاب السير عما قدّمناه فكيف وصفها المحدثون الذين عرضوا لدراسة فيلسوفها ؟)  
لقد أورد الدكتور طه حسين كتابه (الذكرى بعض نفس مما قاله ناصر خسرو وياقوت ثم اعتمد على المستشرق الفرنسي سلمون ويظهر من نصوص كلامه أنه زارها في رحلة لا نعلم متى كانت فقد وصف سفره من حماة محاذيا نهر العاصي عابرا الجسر الذي اقامه بنو منقذ فمدينة أفافية الثرية فجيب الأربعين الذي تطل هضباته على المعرة "تلك المدينة الجميلة القائمة في منخفض هذا السهل الفسيح. وينتهي عند هذه الجملة "ولقد تدل الأطلال المنتشرة في السهل حول هذه القرية على أنها كانت مدينة كبيرة في عصرها القديم.وبذلك يشهد مسجدها الذي تظلله قبة ضخمة على ثماني أساطين.
ويطول بنا المجال لو اخذنا نستعرض من أقوال الثقاة والمؤرخين الذين ذكروها قديما وحديثا ،فحسبنا ما قدمناه على أن نحقق هذا الذي ذكروه بزيارة تقوم بها إلى المعرة ،وليس هي الأولى فقد زرناها قبل هذا مرات.
على بعد ثمانين كم من حلب إلى الغرب فالجنوب وفي طريق جميل معبد بالزفت تجتازه السيارة بكثير من الراحة وبعد ان تمر بعده وسائر القرى انتثرت هنا وهناك وسهول فاتنة زهت بمفاتن الطبيعة وخضرة الربيع تطل عليك المعرة  بمنازلها الشامخة وأبنيتها القديمة وكرومها الهادئة وبساتينها الباسمة الغناء ويشهر زائر المعرة حين يهبطها بنشوة الفرح والحفاوة التي تلقاه بها اصلها الذين يفاخرون غيرهم بأن أرضها كانت ولا تزال مثوى لأكبر مفكري العرب قاطبة ويلاحظ أولا أن المعرة منذ مر بها ناصر خسرو حتى يومنا هذا هي هي . إلا من تفاريق من الوصف غاية في الإيجاز فلا تزال أرضها ممن أخصب الأراضي لزراعة القمح وشتى انواع الحبوب ، ولا يزال ماؤها يجمع من المطر أو ينشل من الآبار ولا يزال سوقها الطافح بالأرزاق والخيرات صباحا حتى إذا قارب الظهر نفذ كل شيء وجمدت حركة الأخذ والعطاء. وجامعها الكبير هو هو قد انبسط في قلب البلد تنحدر إليه في عشر درجات فإذا أنت في ساحة واسعة  أو في ما يُرف ب (صحن الجامع) توسطه حوض ماء بسقفه وأعمدته البيزنطية ،فمئذنته قائمة في مدخل الجامع من اليسار. يبلغ ارتفاعها ثلاثين مترا تقريبا. مربعة الأضلاع نقشت عليها كتابات مختلفة.      
والمعرة ككل البلدان الصغيرة قد احتوت الجوامع والحمامات والخانات والمطاحن والمعاصر وهي على حد تشبيه البعض (صورة مصغرة من مدينة حلب) ووقوع المعرة على محاذاة طريق حلب دمشق بيروت يجعلها دائما محط الكثير من المسافرين يقصدونها إما للراحة من أثار السفر أو لزيارة ضريح ابي العلاء أو للأمرين معا والسيارة التي قربت المسافات البعيدة تعمل جهدها على اخذ طابع المدن الكبيرة. وهذا ما تحاوله المعرة التي افتتح فيها شارع كبير يخترق المدينة من مدخلها حتى ضريح ابي العلاء وقد سُمي هذا الشارع التي تقام على جانبيه بعض البنية الحديثة باسمه. ويزيد في جمال المدينة رغم قدمها أنها واقعة في مرتفع من الأرض المحاطة بالسهول وبعض البساتين وهي لا تزال غنية بكروم التين والعنب كما كانت منذ ألف عام روعة البساتين ، التي أنشئت حديثا تضم اشجار التوت والجوز والمشمش فأغراس من الخوخ والدراق أما الفستق الذي تحدث عنه ناصر خسرو وابن جبير وابن بطوطة فلا اثر له فيها  وان كان بعض المزارعين يحاولون الآن غرسه في بعض المناطق الحوارية التي تشابه تربتها تربة حلب تقريبا ،وقد حرصت ،وأنا في المعرة على ان أحقق هذا الذي ذكره المؤرخون القدماء عن السور الصخري الذي كان يحيط البلد ، وعن السارية التي نقشت عليها كتابات ليسب بعربية والتي تذود العقارب عن المدينة فلم أجد لها اثرا ولا وجدت في شيوخها القدماء من يحفظ أسطورة السارية. وأما السور فلا يبعد أن يكون قد تهدم بعد غارة الصليبين  على المعرة تلك الغارة التي انتهت سنة 1099 م بفتح المدينة وتدميرها ومما لا ريب منه أ المدينة كانت مسورة وكان لها أبوابها السبعة لتتقي بها هجمات الغازين الذين اجتاحوها أكثرة من مرة ، وإحاطة المدن بالأسوار والأبواب هو طابع كانت المدن في العصور القديمة ،ولكن هل حماها سورها الصخري وأبوابها السبعة من صولات  الغزاة والمغيرين ؟اللهم لا فمنذ حطم عبد الله بن طاهر أسوار المعرة حين أرسله المأمون لتأديب مضر بن سنة العقيلي الذي غضب لقتل الأمين ، إلى الغزوة الرومانية الكبرى التي أثارها القائد البيزنطي نيسور فوكاس الذي استبسل بحروب طاحنة مع سيف الدولة إلى غارات السلجوقيين إلى هجمات الصليبيين عدا الغزوات والفتن الداخلية التي اثارها القرامطة وبنو كلاب – أن جميع هذه الغارات والحروب استهدفت لها سوريا قد اجتاحت في طريقها مدينة أبي العلاء فتعرضت أكثر من مرة للنهب والسلب وللتخريب والتهديم وللحرق أحيانا ، فلا عجب بعد ما مر بها كل ذلك أن يذهب الكثير من المعالم التي تحيط بها من الخارج كالأبواب والأسوار.   
هذا إلمام سريع عن ماضي المعرة وحاضرها – هذه البلدة التي تصطبغ بصبغة المدن والتي تتكاثر عدد نفوسها يوما عن يوم ، فقد قدر نفوسها بعض المعاصرين بستة آلاف نسمة وهي اليوم تسعة آلاف   وهي آخذة في الازدياد ولا اعلم كيف أفسر رواية صاحب (نجوم الزاهرة) وهو من تقاة المؤرخين حين عرض إلى تاريخ الحروب الصليبية وتوغل الإفرنج في المدن الشامية سنة 490 – 491.
فد ذكر أن الإفرنج لما اجتاحوا المعرة كانت 100 ألف نسمة قال وجاءوا إلى المعرة فنصبوا عليها السلالم وهذا يدل على أنها كانت في ذلك العهد مسورة فنزلوا إليها فقتلوا من أهلها مائة الف إنسان " فما سبب هذا التقلص أهو ثمرة الويلات التي اجتاحتها  في الماضي أم أن التقدير لم يكن صحيحا وهذا ما نميل إليه. أم أن العربان التي كانت محيطة بجهات المعرة قد ضُمّت بالمدينة ؟ وهذا أقرب شيء لإنقاذ رواية صاحب النجوم الزاهرة من التجريح.  
ونقف عند هذا الحد لنتحدث قليلا عن المسجد الذي يحوي الضريح ،وفي رواية أنه ليس مسجدا بل بيتا ومهما كان فقد اصبح هذا البيت من الأمكنة الأثرية التي نحرص على عدم مس معالمه مهما عملنا على إقامة ضريح فخم يليق بمكانة صاحبه. دخلنا الدار وهي دار صغيرة ذات ثلاث غرف ، إحداها قد اتخذها ضرير لتعليم أولاد القرية القرآن الكريم على طريقة الكتاتيب ،لم نكد نقرأ التحية ونعلمه رغبتنا بزيارة الضريح حتى فتح لنا الغرفة التي تحتوي جثمان شيخ المعرة وفيلسوفها الفذ ، وهي غرفة معتمة ضيقة لا يزيد طولها على ثلاثة أمتار وعرضها على مترين ،قد خلت من كل زينة وزخرف اللهم إلا من هذه الكلمات التي  حفظها الزائرون على جدرانها ، نثرا وشعرا وكلها إجلال لصاحب الضريح ومن قبر وشاهدتين مكسورتين قد استندت إحداهما على حافة فرشة القبر والأخرى على الجدار . وأما الضريح فقد استوى على فرشة حجرية مخزومة من النصف ،فنشاهده واحدة نُقش عليها بالكوفية هذه الكلمات " ابو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان
وتحدّث هذه الشاهدة بقدمها عن خاليات العصور ، وقد تساءلت أين هي الوصية التي حرص على أن تُنقش على قبره .
هذا جناه أبي علي وما جنيت إلى أحد. أترى كان هذا البيت من الشعر على الشاهدة الثانية فاقتلعها خصومه الذين حكموا عليه بالكفر والزندقة ؟ على أن بعض المؤرخين المعاصرين يذهب إلى أن الشاهدة الثانية تضم البيتين :
قد كان صاحب هذا القبر جوهرة        نفيسة صانها الرحمن من شرف
عزت فلم تعرف الأيام قيمتها        فردّها غيرة منه إلى العرف
ولا أميل إلى هذا الرأي والبيتان المذكوران مكتوبان على قطعة من الورق معلقة على الجدار في الغرفة الثانية فهي مهجوة لم تنل من اهتمامنا وفي رواية أنها تضم جسد خادمه.
زائر هذا البيت لا بد له من ذكر (البانتيون) والمقارنة بين قبور عظمائهم وقبور عظمائنا وإن كانت المقارنة مفقودة بين قبر ابي العلاء وبين قبر فولتير مثلا فهنالك الجلال والروعة والفن والزخرف ،وهنا الزراية والبساطة والزهد والتقشف.
 


 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.