spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 135
دور المرأة الدرزية في المهجر
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
الحكاية في رسالة الغفران عند ابي العلاء طباعة ارسال لصديق
بقلم شفيق قبلان

ليست العظمة بالشكل والهندام وتصعير الخدود ،ولا بالجمال والمظاهر التي يحاول البعض تغطية أنفسهم بها ليخفوا وراء أسمالهم حقيقيتهم. فهذا أبو العلاء المعري لم يكن مهيب الطلعة "بل كان ديمي الخلقة مجدور الوجه على عينيه بياض من اثر الجدري  ".
إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يكون أحد عباقرة هذا العالم وأبرز شعرائه حتى أطلق عليه لقب شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء.
وفي اللغة العربية كان له سعة اطلاع حتى قال عنه التبريزي "ما أعرف أن العرب نطقت بكلمة ولم يعرفها المعري " ومع كل ما ألف من كتب فقد كان متواضعا في حياته تزهد ولبس بسيطا ولزم بيته وقوته نصف رغيف من خبز الشعير .
"أحصى الأستاذ سليم الجندي اعداد وأسماء المؤلفات التي ألفها ابو العلاء فتجاوزت المائة والتسعة بين كتاب ورسالة ومطولة في الشعر والنثر  "  ومن اشهر ما كتبه على اإطلاق كتاب رسالة الغفران.
يقع هذا الكتاب في ثلاثمائة من الصفحات المتوسطة الحجم وتبلغ كلماته ما يقارب واحدا وستين ألف كلمة ، كتبها يرد بها على رجل اسمه ابو الحسن علي بن منصور القارح الحلبي. ويقصد ابو العلاء من وراء الرسالة اللهو والعبث بابن القارح وإظهار مقدرته وسعة اطلاعه. ففي رسالة الغفران يبرز اطلاع المعري على الحديث ومختلف شؤونه ،اللغة وكل ما يتصل بها ، الشعر روايته ونقده ومقابلاته ، الأماكن والأحداث التاريخية ،الأديان على اختلافها وبشكل خاص القرآن وتفاسيره.
إن الذي يقرأ كتاب "رسالة الغفران "يجد منه الكثير الكثير . ومن الصعب على أي قارئ أن يعالج جميع نواحي الكتاب في مقال صغير ،لأن ذلك يحتاج إلى وقت طويل وعمل شاق ومضنٍ. غير أنني في مقالي هذا سأتطرق إلى الحكاية في كتاب "رسالة الغفران ". حيث أن الكتاب يحوي عددا لا بأس به من طرائف الحكايات الظريفة التي ألفها خيال أبي العلاء وقد جعل من ابن القارح يسوح داخل النار وداخل الجنة يصف لنا ما يريد وصفه مما تخيل على لسان دميته ابن القارح. والآن ننتقل إلى بعض من الحكايات الموجودة في الرسالة.
حكاية دخول ابن القارح إلى الجنة
يطير ابن القارح بعد أن تعلق بركاب إبراهيم بن محمد (صلعم) من النار حتى يصل إلى الرسول عليه السلام الذي يأمر بالنظر في عمله وبعدئذ يعبر الصراط فلا يقدر أن يستمسك ،فتأمر فاطمة الزهراء جارية من جواريها أن تجيزه. ويتمايل ابن القارح يمينا وشمالا على الصراط فتحمله الخادمة كالبرق الخاطف حتى يصل إلى باب الجنة ، وعلى باب الجنة يلقى رضوان الذي لا يسمح له بالدخول بدون جواز هنا يدخل إبراهيم بن محمد
"والتفت إبراهيم صلعم فرآني وقد تخلّفت عنه فرجع فجذبني جذبة جعلني به في الجنة  ".
حكاية شجر غاط
غاط معناها يغطي مساحات كبيرة
لقد جهز اله سبحانه وتعالى شجر غاط لابن القارح ، وكل شجرة من تلك الأشجار غصونها تصل بين المشرق والمغرب ،وأما ثمرها فهو لذيذ جدا كشجر ذات أنواط ،وذات أنواط شجرة عظّمها الجاهليون.
لقد جعل الله سبحانه وتعالى من ظلال تلك الأشجار ولدانا مخلدين قياما وقعودا ، ينتظرون ابن القارح  ليقدّموا له الخدمة.
"وتجري في اصول ذلك الشجر أنهار تختلج من ماء الحيوان والكوثر يمدها كل آن  ".
وبين طلال تلك الأشجار تجري أنهار من الخمر الجيد ومن الألبان التي سيفترق منها ابن القارح بكؤوس من الذهب وأباريق من الزبرجد.
حكاية الأواني التي على هيئة الطيور
بالإضافة إلى الكؤوس الذهبية فهناك أوان على شكل الطواويس والكراكي والبسط ، ومن أفواه تلك الآنية المتقنة سيجرع ابن القارح الخمرة الجيدة التي لا تشاكلها أصناف خمرة الدنيا بأنواعها المتعددة.
"آنية زبرجد محفورة وياقوت خلق على خلق الفور (الغزلان) من أصفر وأحمر وأزرق  "
حكاية اوز الجنة
لا تحسبن أن اوز الجنة هو كأوز هذه الدنيا الفانية ،بل فإن تلك الاوز تتكلم وتتحدث وتنقلب بإذن الخالق إلى جواري حسان كواعب ، فبينما يكون ابن القارح مع مجموعة من الشعراء القدامى يشربون الخمر ويتنادمون في إحدى الرياض منهم ، النابغة الذبياني والنابغة الجعدي والأعشى وزهير بن ابي سلمى وعبيد بن الأبرص وعدي بن زيد  "وإذا برفٍّ من  اوز الجنة يمرّ فينزل على أرض الروضة ومن شان طير الجنة أن يتكلم. فيقول :ما شأنكن ؟ فيقلن :الهمنا أن نسقط في هذه الروضة فتغني لمن فيها من شرب  "
وتصير تلك الاوزات جواري كواعب يدخلن من وشي الجنة وبأيديهن الأعواد والدفوف وتبدأ إحداهن في العناء  بطلب من الموجودين – على سبيل الامتحان – وبأجمل صوت وارقّ نغمة بقول النابغة الذبياني
أمن آل أمية رائح أو نغتد        عجلان ذا زاد وغير مزود؟
وبعد ذلك تنتقل تلك الجارية التي من قبل اوزة إلى أنغام أخرى على وقع الدفوف والأعواد لتغني ما طُلب منها على بحور الشعر المختلفة كالخفيف والرمل والهزج فتجيد الألحان أيما إجادة فيعجب الحاضرون من حكمة الباري وقدراته فيهللون ويكبّرون "سبحان من يحي العظام وهي رميم  ".
حكاية السحابة التي تمطر ماء الورد
يخطر على بال الشاعر الجاهلي لبيد بن ريبعة في ديار الجنة أن ينظر إلى سحابة جميلة فينشئ الله تعالى الاوزة سحابة كأحسن ما يكون من السحب ، من نظر إليها شهد أنه لم ير قط شيئا أحسن منها ،محلاة بالبرق في وسطها وأطرافها تمطر بماء ورد الجنة من طل وتنثر حصى الكافور كأنه صغار البرَد فعز إلهنا القديم الذي لا يعجزه تصوير الأماني وتكوين الهواجس من الظنون  "  
حكاية الطعام في الجنة
يقيم الشاعر لبيد بن ريبعة مأدبة يدعو إليها كبار المغنين ومن بينهم الغريض ومعبد وابن مسجع وابن سريج وإبراهيم الموصلي وابنه إسحق. ويحضر أيضا بعض طهاة الجنة فيأمرهم لبيد أن يتخذوا الأطعمة ومن ثم يتفرق غلمانه في الجنة كأنهم اللؤلؤ المكنون "فلا يتركون في الجنة شاعرا إسلاميا ولا مخضرما ولا عالما بشيء من اصناف العلوم ولا متأدبا إلا أحضروه  "
وتوضع الأطعمة على خون (جمع خوان) من الذهب في آنية من لجين . ويمر جماعة من الطواويس فيشتهيها أحدهم مطبوخة فتتكون الطواويس كذلك في صفحة من الذهب. "فإذا قضي منه الوطر انضمت عظامه بعضها إلى بعض ثم تصير طواويس كما بدأت
وتمر اوزة فيتمناها بعض القوم شواء فتتمثل عى خوان من الزمرد فإذا قُضيت منها الحاجة  عادت بإذن الله إلى هيئة ذوات الجناح. ويختارها بعض الحاضرين مطبوخة بلبن وخل وغير ذلك وهي تكون على ما يريدون. وهكذا الحال في الجنة يأكل اصحابها ما يشتهون من طيور وشاة واسماك وبقدرة الله جل سلطانه تنضم العظام بعضها إلى بعض لترجع تلك كما كانت من قبل حية تسعى . وهكذا الحيوانات المفترسة فأنها تأكل وتغني فريستها لتعود الفريسة إلى الحياة. "ويمر بذئب يقتنص ظباء فيفني السرب بعد السرب وكلما فرغ من ظبي أو ظبية عادت بالقدرة إلى الحال المعهود  "
حكاية صيد القارح
يحاول ابن القارح أن يصطاد من الغزلان الذي يرعى في رياض الفردوس فيصوب نحوه رمحه فيكلمه أحد الغزلان قائل : إنك لن تستطيع أن ترميني لأن الله قد أسكنني في الخلود إذ أنني كنت أعيش في الفلاة فأرسلني الله إلى قوم مؤمنين كري (نقص) زادهم فصرعوني واستعانوا بي على السفر. " وكان قد عوّضني الله جلت كلمته بأن اسكنني في الخلود  "
حكاية جنة العفاريت
ويدخل ابن القارح إلى جنة العفاريت وهي عبارة عن مدائن ليست كمدائن الجنة ولا عليها النور الشعشعاني وهي ملأى بالأودية والمغائر وفيما هو يسير يلقى شيخا منهم اسمه "الخيثعر" وكنيته "ابو هدرش" احد بني "الشيصباني". كان يسكن الأرض قبل أن وُلد آدم وهو يحكي أنه خلق الكثيرين من الولد فهم قبائل بعضهم في النار الموقد وبعضهم في الجنان  "
وبحكي ابو هدرش لابن القارح كيف أن العفاريت حين كانوا على الأرض كان بإمكانه أن ينقلبوا حسب رغبتهم إلى عصفور أو حية رقشاء أو حمامة. ويقص انه مرة أراد ان يصرع فتاة فتصور في صورة جرذ فدعوا إليه الهررة ولما أزهقته تحول إلى صل أرقم فكشفوا الأمر فخاف القتل وتحول إلى ريح واختبأ بخشب السقف "ونقضوا تلك الخشب فلم يروا شيئا  " وحينئذ دخل إلى سترها الرقيق فأصابها الجنون من شدة الخوف ،وجاء أهلها بالأطباء والرقاة دون جدوى. ولم يتركها إلا بعد أن ماتت ليطلب غيرها فيقتلها. وعن دخوله الجنة يقول :إنه كان وجماعته يمرون مرة بقرب يثرب فسمعوا قرآنا يهدي إلى الرشد فآمن بعضهم به فأدخلوا الجنة وهو فيهم.
حكاية ابن القارح وإبليس
بعد ان ينتهي ابن القارح من التجوال في جنة العفاريت يسير فيصل غلى أهل النار فيتطلع فيرى إبليس لعنه الله وهو يضطرب في الأغلال والسلاسل .
ويبدو من خلال الحديث ان إبليس لم يتب فهو يسأل ابن القارح أسئلة تري اقارئ أنه لا يزال يكفر بالله سبحانه وتعالى لأن معدنه هو من خالص الخبث والشر.
فهو يسأل ابن القارح على سبيل المثال السؤال التالي :"إن الخمر حرمت عليكم في الدنيا وأحلت لكم في الآخرة فهل يفعل اهل الجنة بالوالدين المخلدين فعل اهل القريات   (القريات معناها اللواط)
فيكون جواب ابن القارح له "عليك البهلة اي اللعنة أما شغلك ما أنت فيه ؟ أما سمعت قوله تعالى ولهم فيها ازواج مطهرة وهم فيها خالدون  ؟"
ويثني إبليس على بشار بن برد  الشاعر العباسي لأنه قال فيه ~ابيات مدح وهي :
إبليس أفضل من ابيكم آدم     فتبينوا يا معشر الشرار
النار عنصره وآدم طينه        والطين لا يسمو سمو النار
وينظر ابن القارح فيرى رجلا في اصناف العذاب يغمض عينيه حتى لا ينظر ما نزل به من النقم فيفتتها الزبانية بكلاليب من نار ليرى ما نول به من النكال وقد كان في الدار العاجلة أكمه وكل ذلك بسبب سوء تصرفاته وإلحاده ومدحه لإبليس اللعين وهو في الفانية ويدرك ابن القارح أن ذاك الرجل هو بشار بن برد لأن ذلك الرجل هو شاعر الزندقة والكفر والإلحاد بشار بن برد وقد اختير له في جهنم مكان قريب جدا من حبيبه وممدوحه إبليس خزاه الله     
حكاية علي ابن أبي طالب (ر) وحرب الملائكة
كان سلمان الفارسي عليه السلام أحد جماعة علي بن أبي طالب (ر)وعن لسان سيدنا  سلمان عليه السلام – كما جاء في كتاب – رسالة الغفران – ان حربا جرت بين الملائكة في السماء فصعد علي ابن ابي طالب إلى هناك بعد ان علم بقصة الحرب فأصلح بين الفئتين المتنازعتين وجاء نفر يبحث عن علي في غرض معين فلم يجدوه في منزله "فبيناهم كذلك جاءت بارقة تتبعها رعدة ، وإذا علي قد نزل على أجار (سطح) البيت ، وفي يده سيف مخضوب بالدم  فقال : وقع بين فئتين من الملائكة فصعدت إلى السماء لأصلح بينهما  "
الخلاصة
-    حكاية أبي العلاء المعري في كتابه رسالة الغفران حكايات طريفة حقا رغم ان عنصرها القصصي فيه إسفاف.
-    بهذه الحكايات التي تعتمد على الخيال الواسع دخل ابو العلاء باحة الأدباء العالميين فأثر على كبار أدباء أوروبا فظهر ذلك  واضحا في كتاب "الكوميديا الإلهية " لشاع إيطاليا الكبير دانتي الذي عاش من 1265  -1321) أي بعد ابي العلاء بحوالي قرنين من الزمن.
-    لقد كان الأدب القرآني الذي تحدث عن الجنة والنار الينبوع الحقيقي والمعين امتدفق الذي منه ارتوى خيال الكاتب بحكاياته التي لعلت في طيات رسالة الغفران.
-    وباختصار كان ابو العلاء في كتاب رسالة الغفران رجل علم وخيال خصيب رغم عماه فهو يثب من زمن إلى زمن من عالِم إلى أديب إلى فقيه إلى جدلي إلى نبي إلى شاعر يرسم ينحت يجدّ يسخر ينقد ويروي.



الإشارات والمراجع
  رسالة الغفران لأبي العلاء المعري على شلق ص 7 حسب الإنصاف والتحري لبن العديم ص 513.
  فصول في الأدب والنقد محمد حبيب الله ص 210 حسب الحضارة الإسلامية لمثز ص 110.


 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.