spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 52
كلمة العدد: كي لا يضيع هذا المجد هباءً
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 153
العدد 152
العدد 151
العدد 150
العدد 149


 
قصة: العائد طباعة ارسال لصديق
بقلم خليل تقي الدبن

هل كان الله جل جلاله يمتحن الشيخ حسين محمود زين الدين ويبلو إيمانه إذ فجعه بثلاثة من أولاده :علي وحمد وهانئ في فترة من الزمن لم تجاوز الثلاث سنين ؟أم تلك حكمته تعالى خفيت على الشيخ كما خفيت على الناس أجمعين.
سبعون سنة عاشها الشيخ في بتلون بين بيته والبرية لا يشغله عنهما شيء. حياة تعبد وتقوى وصلاح وكدح في سبيل العيش لا ينتهي.
ولما تجاوز الشيخ السبعين بدا وكأنه بينه وبين الأرض والبرية والأشجار وقد صحبها هذه السنين الطوال ،شبها وقربى . فلحية الشيخ الكثة المختلطة بشاربيه الضخمين وشعر حاجبيه وأذنيه أشبه بالعوسجة الملتفة في البرية. ويداه خشنتان علتهما مع الزمن وقسوة الشغل قشرة سميكة كقشرة الحطب. ولكن قامته على رغم السبعين منتصبة كجذع جرة عالية والشيخ متجه أبدا إلى الله يسمو إلى عليائه كما تشمخ الشجرة إلى السماء. وفجأة اقتحمت الحرب حياة الشيخ كما تقتحم العاصفة الغابة تزأر وتحطم وتقتلع.
الحرب ، وعندما سمع الشيخ بها لم يعرها قي بادئ الأمر أي اهتمام ،قيل له إنه نشبت بين دولتين ،فرنسا وألمانيا ثم انضمت دول إلى هذه ودول إلى تلك فسأل الشيخ نفسه ولما يتحاربون ؟ثم سأل الناس في القرية فلم يجد في بتلون احدا يعرف الجواب.
وكان آخر ما يفكر به الشيخ أن تمتد نار الحرب في بلاده فيصطلي بها وهو الفلاح البسيط العائش في قرية مغمورة صغيرة من قرى لبنان ،واتجه تفكيره إلى الله فقال :إنه تعالى يعاقب الكفار وينزل بهم حكمه العادل عندما يقتل بعضهم بعضا. وأما العقال والموحدون الذين يعبدونه ليل نهار فهم من ويلات الحروب في مأمن /،ومن رضي الله في حرز حريز.
كان هذا منطق الشيخ ولكنه لم يكن منطق القدر.
فها هي الحرب تنسل إلى لبنان انسلال الثعبان إلى فراش النائم. لكنها لم تكن كسائر الحروب ،فلا جيوش تتقاتل ولا مدافع تطلق ولا قنابل تقذف ولا مدن تهدم لكنها الجوع ،والتيفوس والجرب والسل تفتك بالناس فتكا أين منه فتك الموت في ميادين القتال. ولم يكن الجوع يوما من الأيام مرضا لكنه في لبنان اصبح وباء.
لقد اوصد الحفاء البحر ومنعوا عن لبنان الغذاء والكساء لا عقابا على جرم ارتكبه بل لأن "الدولة انضمت إلى صفوف أعدائهم والدولة هذه هي دولة بني عثمان التي كانت تحكم لبنان كما تحكم سائر البلدان العربية.
حصد الجوع الناس بالآلاف وكان الموتى يتساقطون على الطرق كالذباب فتمر الطنابر ولم الجثث كما تكنس جيف الفئران والجرذان ثم تنقلها إلى ظاهر المدن والقرى فتلقيها في مقابر مفتوحة أبدا تنبعث منها رائحة الموت إلى مسافة اميال.
كل شيء كان عزيزا غاليا في لبنان ايام الحرب العالمية الولى إلا النفوس والرواح فقد هانت وذلت ورخصت.
والجوع والمرض في سباق مرع سريع كلاهما يطمعان الموت في وليمة مخيفة من ولائم الجحيم ممدودة ليل نهار والموت يأكل ولا يشبع.
ما  كانت تنصرم السنة الأولى من سنوات الحرب ،وتظل الثانية حتى تنادى الشبان في قرى الشوف وتعاهدوا على فك الحصار الذي ضرب على بلادهم ،فألّفوا قوافل تقطع الجبل وتنحدر إلى سهل البقاع فتخترقه ثم تقطع جبل الشيخ وتنفذ منه إلى سهول حوران ، فجبل الدروز حيث الأرض غنية بالقمح وسائر الغلال.
راح الشباب في بتلون وقرى الشوف يشدون على الخيول والبغال والحمير ويحمّلونها زيت الزيتون الأصفر الصافي الذي تنتجه الأرض المباركة ، بعد ان يعبئوه في ضروف جلدية متينة ثم يتسلحون بالبنادق الألمانية والعثمانية والفرنسية ويزينون صدورهم العريضة بأمشاط الرصاص ويشكون في زنانيرهم الخناجر والمسدسات وينفرون من قراهم كما تنفر الأسود من عرينها ،يقطعون الجبال والسهول والأودية في رحلات شهرية تقودهم إلى قلب الجبل. والجبل هو غايتهم ومهوى قلوبهم ومنتهى آمالهم. أليس الجبل عرين إخوانهم الذين تغنى بشجاعتهم الركبان ، وحدا الحدادة ؟ وفي الجبل خيرات الله يعودون بها إلى إخوانهم الجائعين في لبنان. كانت قوافل الشبان تجتاز عقبات كثيرة وتتعرض لأخطار جمة في طريقها إلى حوران. ذلك ان دوريات عساكر الدولة كانت لها بالمرصاد. وكثيرا ما تصطدم القافلة بالدورية فتنشب بين الفريقين معركة حامية يخوض غمارها الشبان مزغردين مستهترين بالموت. وكانت دوريات الدولة تهادنهم حينا وأحيانا تفاوضهم على رشوة من زيت او مال فتزيح الدورية من الطريق ،وتستأنف القافلة مسيرتها. كانت كل حبة قمح تصل غلى لبنان مغمسة بالدم وهكذا فقد الشيح حسين محمود زين الدين على طريق حوران ثلاثة من ابنائه والحرب تدخل سنتها الثالثة ، ثلاثة شهدا سقطوا غي جملة من سقط في سبيل اللقمة من شهداء.
اسودّت الدنيا في عيني الشيخ وصار الرنين الذي ترجعه النواقيس المعلقة في أعناق البغال وهي عائدة من رحلتها الشهرية تحز غي جسد الشيخ ونفسه كأنها مدى تعمل في صدره بلا انقطاع.
بقي للشيخ  من أولاده اثنان على قيد الحياة :محمود وسلمان ،اثنان افلتا من الموت. كبيرهما محمود في العشرين من عمره ،يعمل في الأرض ويقضي حياته بين المنزل والحقل وصغيرهما سلمان في الثامنة من عمره يتعلم مبادئ القراءة والكتابة في مدرسة الضيعة.
والشيخ صابر على بلواه صبر المؤمنين كلما نزلت به مصيبة ازداد زهدا بالدنيا وانطواء على نفسه ولاذ بكتاب الحكمة ،كأنما الموت الذي عصف بيته ثلاث مرات على التوالي وانتزع من لحمه ثلاث فلذات قد صهر نفسه الصالحة وردها أكثر صفاء وطهرا من ذي قبل.
اما ام علي زوجة الشيخ ،فكانت تنهض بأعباء البيت وهي دائمة البكاء تمسح عينيها بطرف منديلها البيض لكنه بكاء صامت لا يراه ولا يسمعه أحد فإذا خرج زوجها من البيت افجرت بالنحيب ولطمت خدها ونادت أولادها الذين ثكلتهم كلاً باسمه. وتضرعت إلى الله أن يلحقها بهم. وإذا عاد الشيخ إلى البيت فجأة وهي على تلك الحالة نظر إليها نظرات الحزن والإشفاق وخاطبها برفق وقد تهدج صوته :يا أم علي إنه قضاء الله وقدره وليس لنا إلا الصبر ،والله عز وجل يحفظ لنا محمود وسلمان إن الله على كل شيء قدير.
وفجأة خُيل للشيخ أن الموت يطرق باب بيته للمرة الرابعة وأنه هذه المرة يتمهل في الدخول ليطيل عذابه وعذاب امرأته.
ذلك ان سلمان اصبح عرضة لمرض غريب أخذ ينتابه من حين إلى حين فإذا اصابه العارض وأكثر ما يصيبه في الليل تململ وصرخ واخذ يهتف بكلمات وأسماء غير مفهومة ،فيفيق على صراخه أبوه وأمه وأخوه ويحيطون به مشفقين ،وهو يتلوى في فراشه كأنه في قبضة جبار مجهول ،ويظلون يخاطبونه برفق حتى يستيقظ وهو يرتجف والعرق يتصبب منه. ثم يندسّ في حضن أمه فتسقيه قليلا من ماء الزهر ثم تغمر رأسه بيديها وتدني فمها من أذنه الرخصة وتروح تقرأ عليه رقية علّمها إياها الشيخ وتظل تهدهده حتى تأخذه سنة النوم من جديد.
والشيخ مسلم أمره إلى الله ،والأم يكاد ينسيها خوفها على سلمان حزنها على أولادها الذين غيبهم الموت.
ويلوذ الشيخ بكتاب الحكمة ويغوص في القراءة والتعبد والصلاة.
وأما المرأة فهي حائرة في مرض ابنها تسأل في امره كل من تلقاه ولا تفارقه لحظة لا في النهار ولا في الليل.
قالت لها النسوة في بتلون إن الصبي لا بد أن يكون مصابا بالعين او عليه "خطا" ، والعين والخط من الأمراض المستعصية على الأطباء لا يشفيها إلا من منحه الله القدرة على قهر إبليس اللعين ورد كيده إلى نحره. وفي عيندارة عجوز صالحة اسمها الست أم صالح ترقي المصابين وتكتب الحجب وتضرب المندل ،والناس يقصدونها من أقاصي حوران وحلب وصفد ويأتونها من كل مكان.
فخذي إليها سلمان يا أم علي وتزودي ببركة أبو علي واتكلي على الله.
استشارت أم علي زوجها في الأمر فوافق ففرحت فرحا كبيرا وفي صباح اليوم التالي ،قبل أن تطل الشمس من وراء جبل الباروك نهضت المرأة فشدت على الحمار ووضعت في الخرج دجاجتين وديكا بعد ان ربطت أجنحتها وأقدامها مخافة أن تفلت في الطريق ،وغسلت وجه سلمان ويديه ومشطن شعره ثم ارتدت "صايتها" الطويلة التي تكاد تلامس الأرض ،ولفت رأسها وكتفيها بمنديلها الأبيض العريض وحملت سلمان ووضعته على صهوة الحمار فتمسّك برقبة الحمار بكلتا يديه وهو شديد الفرح بينما أمسكت المرأة رسن الحمار بيد وطرف منديلها باليد الأخرى استعدادا لتغطية وجهها في الطريق بحيث لا تبدو منه إلا العينان ،أما إذا مر بها رجل أو مرت بجماعة في الطريق فإن طرف المنديل يرتفع فيحجب عينا ويبقي عينا واحدة نصف مكشوفة لترى الطريق.
بلغ الركب عيندارة بعد مسيرة ثلاث ساعات وكان قد توقف قليلا في نبع الصفا حيث شرب سلمان وانه كما شرب الحمار والدجاجتان والديك. واهتدت أم علي إلى بيت الست أم صالح من دون عناء وقد دلّها عليه بعض الصبية ،فربطت الحمار إلى جذع شجرة أمام البيت بعد ان قفز سلمان عن صهوته إلى الأرض وحرص سلمان لان يحمل الهدية بنفسه ،فمشى امام أمه وفي يديه الدجاجتان والديك فهشّت لهما أم صالح وبشّت ولما عرفت اسم الزائرة قال :حلّت البركة يا أم علي ثم أدنت رأس سلمان منها وطبعت على خده قبلة وقالت :الله يخليه ما اجمله. فباحت لها أم الصبي بما ينتاب الولد من أعراض. فقال العجوز ما عليه شر قومي لنتغدى ومدت أم صالح طبقا مصنوعا من القش ووضعت عليه صحن مجدرة وصحن زيتون ورأس بندورة وبضعة أرغفة سمراء ثم جاءت بفحل بصل أهوت عليه العجوز بضربة من راحتها فانفلق عن قلب ناصع البياض وأكل الجميع مريئا.
وبعد الغداء انصرفت أم صالح إلى سلمان وراحت تكلمه وتطرح عليه الأسئلة فلا يجيب ،بل لاذ بحضن أمه. قالت العجوز "يا اختي ،ابنك محروس ببركة والده الشيخ بو علي ثم اخبرتها أنه مصاب بعين فارغة زرقاء هي عين امرأة عاقر من بتلون فانتفضت ام علي وولولت قائلة :صدقت يا ست ام صالح هي عين سعدى زوجة سعيد محمود الله يخزيها ويلعنها ويطفي عينيها.
وقامت العجوز إلى خزانة في الحائط فجاءت بقنينة ملآنة بماء الورد فسقت منه سلمان قليلا ثم مسحت عنفه بالزيت واحتضنته وأخذت ترقيه رقية طويلة وهي مغمضة العينين ، وتردد من حين إلى حين بصوت عال اسم الله عز وجل ، بينما تتمتم شفتاها سائر الرقية بصوت منخفض غير مسموع.
ولما انتهت الرقية قامت ام صالح غلى خزانتها ثانية وجاءت بحجاب ربط بخيط مصيص فعلّقته في عنق سلمان وأوصتها بان لا يفارق الحجاب الولد ابدا. ثم طمأنتها إلى الرقية والحجاب وبركة ابي علي كفيلة بشفاء الولد وإزالة الكربة عنه. وناولتها عودا من الند وقالت :تحرقينه أمام النافذة القبلية من بيتكم عند طلوع القمر ،والله على كل شيء قدير.
ودّعت أم سلمان العجوز بعد أن شكرتها شكرا حارا جزيلا وعرضت عليها ريالا مجيديا فرفضت العجوز قبول الريال وقالت :يا اخت حلت البركة ،الدجاجتان والديك أكثر من اللازم.
قفلت أم محمود راجعة إلى بتلون وجدت السير قبل أن يدهمها المغيب ،لكنها مع ذلك عرّجت على مقام النبي شمليخ قرب عين دارة فقبّلت بلاط الضريح ونذرت إن شفي سلمان أن تسير إلى المقام من بتلون حافية القدمين.
وفي شهر أو بعض شهر طافت أم محمود وسلمان على صهوة الحمار بمقامات الأنبياء جميعا فزارت النبي أيوب في نيحا ، ومقام الأمير السيد في عبيه ،والنبي يونس في الناعمة ، وكانت تحمل إلى كل ولي من الأولياء قنينة من الزيت.
وبعد ان احرقت عود الند كما اوصتها الست ام صالح اضاءت نافذة بيت سراجا لعين الزمان آلت على نفسها أن تتعهده بالزيت فلا ينطفئ إلى ان يبلغ سلمان العاشرة من عمره.
وكان سلمان كلما كبر وترعرع خفّت وطأة المرض عنه ،فأيقنت أمه أن رقية العجوز وحجابها قد فعلا فعلهما وأن الله قد استجاب لها بشفاعة الأنبياء. ووفت نذرها للنبي شمليخ فسارت إلى مقامه يوما من بتلون وهي حافية القدمين.           
 

 



 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2020 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.