spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 114
الدروز والجزار
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 140
العدد 139
العدد 138
العدد 137
العدد 136


 
كلمة العدد: اكراس الأصفر والطائفة البيضاء طباعة ارسال لصديق
عندما وقف المرحوم الرئيس جمال عبد الناصر في قلب السويداء حينما زارها اثناء الوحدة المصرية – السورية واحتشدت الجماهير الغفيرة لترحب به توجه إلى المرحوم سلطان باشا الأطرش مخاطبا إياه قائلا : "إذا كنا نحن الثوار فأنت ابو الثوار ..."  ولم يكن مثل هذا الكلام جديدا على أبي طلال فقد سمع قبل ذلك بخمسين سنة كلاما مشابها من زعيم وطني كبير من أرض الكنانة هو الزعيم سعد زغلول باشا حيث توجّه إلى سلطان قائلا: "إلى اشجع بطل في أشجع شعب". وإذا كان هذا الإطراء من أكبر زعيمين عربيين في العصر الحديث لا يكفينا فما علينا إلا أن نقلّب صفحات الكتب والجرائد والمجلات لنقرأ عبارات كثيرة وتصريحات وانطباعات كتبها العشرات من الزعماء والكُتاب والصحفيين من مختلف أنحاء العالم يمدحون الدروز ويشيدون بمزاياهم الرفيعة وخصالهم الحميدة وشرفهم وعفافهم وكرمهم وطيب معاشرتهم . ومهما سمع الدروز من مديح وثناء فهم جديرون بذلك لأن الصفات الحميدة التي يتحلى بها الدروز قلّما تحلّى بها شعب من الشعوب وحافظ عليها خلال ألف سنة وعندما يسمع الصغير مديحا من الكبير فلا شك أن هذا المديح نابع من شعور صادق واندفاع حقيقي وهو ليس بالتملق أو المداهنة لأن الدروز لم يكونوا في يوم من الأيام دولة عظمى يطلب الآخرون رضاها فيتملقون إليها بل كانوا طوال حياتهم شعبا صغيرا مسالما إلا أنه نعتز بنفسه فخور بأصالته وعراقته وجذوره المتينة. ولا شك أن تعاليم ومبادئ دين التوحيد تكسب الدروز مناعة وحصانة كبيرتين أمام كل مدح أو هجاء فلا هو يشمخ بأنفه إذا سمع المديح ولا ينكسر عوده عندما يسمع الذم بل يبقى هو هو ببساطته وتواضعه وكامل ثقته بنفسه أمام هذا أو ذاك.ومما لا شك فيه ان من يسمع المديح يجب ان يتوقع أحيانا سماع كلمات لا ترضيه لأن الدروز لا يعيشون في جزيرة منعزلة نائية أو على كوكب في الفضاء وإنما يعيشون ككل الشعوب بين شعوب أخرى قد يتصادمون معها أحيانا فتبدر عنهم تصريحات تمسّ بكرامة الدروز وهي تأتي من منطلق عدائي ومن موقف مقصود فيحولون الأبيض إلى اسود   ويلفّقون الأكاذيب ويروّجون الإشاعات انتقاما أو تحريضا أو محاولة للأذى. وقد تصدر تصريحات غير صحيحة وتُكتب معلومات مغلوطة أحيانا عن جهل بالدروز وبما يعتقدون وكيف يعيشون. والتاريخ الدرزي مليء بهذه المحاولات والمطّلِع على المصادر التي تتعرض للدروز يعرف أنها محشوة بالافتراءات والتهم والمغالطات. وقد كان الدروز في السابق منعزلين عن جيرانهم بعيدين عن العالم الخارجي لا يأبهون بما يجري فيه ولا يعيرون ما يصدر عنه اهتماما فظلت الأوضاع على حالها وكُتب ما كُتب ولم يصدر أي رد من الدروز ربما لأنهم لم تكن لديهم القدرة الفكرية والإعلامية لنشر حقائقهم وكشف الزور والبهتان عند من هاجمهم. أنا اليوم فقد تغيّرت الأحوال وانفتح المجتمع الدرزي وأخذ يتفاعل مع المجتمعات الأخرى ولديه الوسائل الكافية لرد الصاع صاعين وباستطاعته ان يتعقّب ما يُنشر عنه ويصحح الأخطاء ويعلن الحقيقة.  وفي الشهر الأخيرة هبّت الطائفة الدرزية في إسرائيل تدافع عن كرامتها أثر وقوع حادثتين من هذا القبيل اهتزّت لها الطائفة بكل جوارحها. الأولى عندما اكتشف أن كراسا قد صدر من قِل سلطة حماية الطبيعة في وزارة المعارف والثقافة يحتوي على معلومات مشوّهة عن الدروز وقد ثار  الكبير والصغير وأُرسِلت البرقيات الاحتجاجية وعبر الدروز عن سخطهم مما اضطر وزير المعارف والثقافة أن يحضر بنفسه إلى منزل الشيخ امين طريف ليقدّم اعتذاره وليعلن عن حجب هذا الكراس ومنع توزيعه وعن إصدار كراس جديد يذكر الحقائق الصحيحة  عن الدروز. والحادثة الثانية كانت إعلان المسرح البلدي في حيفا عن عرض مسرحية بعنوان "الطائفة البيضاء"  تعالج أوضاع الطائفة الدرزية. ونحن لم نطّلع على فحوى المسرحية إلا أننا علمنا أنها تمس بشعور أبناء الطائفة وقد اسرع المسئولون إلى التدخل قبل عرض المسرحية مما حدا بإدارة المسرح إلى إلغائها. ونح نعارض ونحتج لدى كل مؤسسة خارجية تحاول المس بكرامة الطائفة عن طريق نشر معلومات مشوّهة عنها ونبارك كا محاولة من قِبل مسئول درزي او فرد يتصدى لهذه المحاولات ويعمل على نشر الحقيقة لكننا لا نستطيع أن نضمن نجاحنا دائما في منع محاولات النشر هذه لأنه ربما تصدر عن جهة ليست لدينا سلطة عليها. وهنا لا يد ان نتوقف عند بعض الملاحظات:-
1-    عملية تأليف كتاب ليست عملية سهلة وحينما يقوم مؤلف ما على تأليف كتاب وإصداره يعرف هذا المؤلف أن كتابه سيسد فراغا في موضوعه وإذا كانت الكتب المتوفرة في المواضيع التي يتناولها لعدل عن تأليف الكتاب وتحمّل مشقة إصداره وتوزيعه. وعندما قرر مؤلف الكراس الأصفر تأليف كراسه هذا عرف حقيقة هامة نعرفها جميعا وهي أن الكتب باللغة العبرية عن الدروز قليلة وهناك تعطّش كبير لمعرفة معلومات اكثر عن هذه الطائفة التي تبوّأت مكانة مرموقة في البلاد. ولو وجد هذا المؤلف أن ثمة أربعين كتابا باللغة العبرية يتحدثون عن الدروز لما ألف كتابه وإذا صمم مع كل هذا على تأليف الكتاب كان من البديهي أن يعتمد على هذه الكتب لو وُجدت. والسؤال هو لماذا لا يوجد أربعون كتابا عن الدروز باللغة العبرية ؟ والجواب هو لأن مثقفينا لا يكتبون ولماذا لا يكتب مثقفونا ؟ والجواب هو بسيط ومؤلم وهو لأن مؤسساتنا لا تدعن مثل هذه الكتب ولأن جمهورنا لا يقرأ. ومع الأسف الشديد نقول إن شعبنا متأخر جدا من هذه الناحية فلدينا عشرات الكُتاب والصحفيين وباستطاعتهم أن يصدروا كل يوم كتابا أو مجلة إلا أن عملية التأليف والإصدار عملية باهظة الثمن ومؤسساتنا لا تدعم وقراؤنا لا يشترون فمن سيتحمّل النتائج؟
2-    في قريتنا دالية الكرمل تقد المدرسة الثانوية بجانب ملعب كرة القدم وفي كل سبت تجري مباراة والمار أمام الملعب يشاهد مئات السيارات وآلاف المشاهدين في الملعب وبجانبه حتى في الأيام الماطرة. ونحن نحيي جمهورنا الذي يعشق الرياضة ونتمنى لفريقنا كل تقدم ونجاح لكننا نلفت نظره غلى واقع أليم لا نعرف كيف يمكن ان يصدر عن نفس الجمهور فقد جرى قبل أسبوعين في المدرسة الثانوية حفل توزيع الشهادات على خريجي وخريجات الصف الثاني عشر وكان عددهم 120 خريجة وخريجا وكان عدد الحضور من الآباء لا يزيد عن عشرة آباء فقط بينما تغيّب الباقون.
3-    الأوضاع الاقتصادية والحمد لله عندنا على ما يرام بدليل أنك تشاهد البيوت الجديدة تشيد كل يوم والسيارات الحديثة تجوب الشوارع وأجهزة التلفزيون والفيديو تجتاح البيوت وكل يوم نودع ونستقبل عددا كبيرا من المسافرين إلى بلاد الله الواسعة والعائدين منها لكننا كم مكتبة نجد في هذه البيوت العامرة التي لا ينقصها شيء وهل نخصص على الأقل واحد من اللف من مصروفاتنا لاقتناء الكتب وقراءتها؟
4-    إننا شعب طموح ومثقفونا وزعماؤنا يتهافتون على المناصب والكراسي وإذا رأينا أن احدنا في طريقه إلى القمة نسارع إلى عرقلة مساعيه ومزاحمته ونشر الأقاويل والإشاعات حوله لكي لا يحقق ما يريد وإذا صدف ونجح في تحقيق آماله ووصل غلى هدفه يحدث عنده رد فعل عكسي فبدل أن يساهم في إدخال ابناء طائفته في المؤسسة التي يعمل فيها بمنصب محترم يبذل كل جهده في منعهم من ذلك لكي يبقى منصبه مضمونا وكرسيه محروسا. وعندما يتهجم الواحد على الآخر وننشر رذيلتنا بأيدينا فلماذا نستغرب عندما يتلقف الغرباء هذه المعلومات وينشرونها بدورهم كلها ضدنا.
نكتفي بسرد الملاحظات ونأمل من الله أن يهدينا إلى سواء السبيل وأن نحب أحدنا الآخر زان نعمل كلنا من أجل المصلحة العامة وأن ننهض جميعنا بمجتمعنا الذي يستحق منا كل خير وبركة وثناء.

والله ولي التوفيق

سميح ناطور
دالية الكرمل
تشرين الثاني 1988
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.