spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 123
حفظ الإخوان وآداب الصحبة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 148
العدد 147
العدد 146
العدد 145
العدد 144


 
نشوء دعوة التوحيد طباعة ارسال لصديق
بقلم سلمان حمود فلاح

لقد نشأت دعوة التوحيد في ظل الدولة الفاطمية. ففي سنة 909 ظهر المهدي بالله في شمال أفريقيا وقضى على الدولة الأغلبية وأسس الدولة الفاطمية فيها.
وفي هذه الفترة نشطت في شمال شرق الجزيرة العربية حركة القرامطة التي أخذت تمد نفوذها إلى بلاد الشام التي كانت تمر بمرحلة من تفكك الحكم وازدياد سطوة القبائل فيها فحدق تقارب بين اسماعيلية الشام والقرامطة.
وبعد المهدي بالله ولي خلافة الفاطميين المعر لدين الله سنة (952 – 975) فمد نفوذه في شمال أفريقيا واحتل مصر بقيادة قائده الشهير جوهر الصقلي سنة 968 وكانت بيد الأخشيديين الذين كانوا يؤدون ضريبة للقرامطة فطالب زعيم القرامطة الحسن ابن احمد ابن ابي سعيد الجنابي (الأعصم) بالضريبة فرفض المعز فوقع الخلاف وتحولت الصداقة إلى عداء خصوصا ان جيوش الفاطميين كانت تتجه نحو سوريا فتقرب القرامطة من اعداء الفاطميين في الشام وأقاموا الخطبة للخليفة العباسي المطيع فنالوا مساعدته ومساعدة المراء البويهيين في بغداد الذين أمدوه بالمال والرجال مما مكّنه من هزيمة جيوش الفاطميين في الشام سنة 970. وتوجه لمحاربتهم في مصر إلا أن جوهر الصقلي قائد جيوش الفاطميين اجتاز المحنة وقضى على نفوذ القرامطة في الشام فانسحبوا إلى البحرين وبقي إمام الفاطميين مصارعة ثلاث قوى ليستتب حكمهم في الشام.
1-    إخضاع القبائل العربية التي كانت تسيطر على البلاد وهي قبائل طيء في الجنوب وقبائل كلب في الوسط وقبائل كلاب في الشمال.
2-    البيزنطيين
3-    الحكم المركزي في بغداد.
على الرغم من ان هذه القوى لم تكن متحدة ضد الفاطميين وأن المختلف بينها كان أكثر مما يؤدي إلى اجتماعها فإنها كثيرا ما كانت تتساند لدرء الخطر الفاطمي أو لتآمر عليه كما لم يعدم الفاطميون وسائل التحالف مع احد هذه العناصر لضرب عنصر آخر.
وفي ايام العزيز بالله (975 – 996) بدأ وكأن العلاقة بينه وبين البويهيين الشيعة الذين يسيطرون على مقاليد الحكم في بغداد تكاد تصل إلى درجة التفاهم التام بين المذهبين بالمقارنة مع مذهب الخلفاء السني. وفعلا فقد نشطت الحركات الشيعية وخصوصا الاسماعيلية في العراق أيام البويهيين... إلا أنه كما يبدو فقد فضل البويهييون خيفة ضعيفا على الخليفة الفاطمي القوي. ورغم ازدياد التأييد للفاطميين في سوريا والعراق فإن هذا التفاهم لم يسفر عن خطوات سياسية وبقيت بغداد سنية.
وقد قضى العزيز ايامه في تثبيت الحكم الفاطمي في سوريا وقضى نحبه اثناء إحدى الحملات لمواجهة البيزنطيين في سوريا. أما البيزنطيون فلم يكفّوا عن إثارة القلاقل وتشجيعها وفي بداية أيام الحاكم هاجم أسطولهم موانئ سوريا الواقعة بين انطاكية وبيروت وحاصروا مدينة طرابلس بينما حدثت بعض الثورات الداخلية في الشام وحماة وصور. فتكفل برجوان وصي الخليفة (الفتى) بالقضاء على الثورات الداخلية ومقاومة الهجوم البحري من البيزنطيين. وأخيرا اضطر الإمبراطور البيزنطي إلى قبول هدنة مع الحاكم لمدة عشرين سنة وذلك لظهور خطر يهدده في بلاد ه من جهة بلغاريا. وكان الفضل في التوصل إلى هذا الصلح لبرجوان الذي رأى من الضروري التفرغ للأوضاع الداخلية وذلك سنة 999
وقد اظهر الحاكم براعة في إدارة أمور الدولة فولّى على الشام حكاما أشداء أمنوا عدم قيام حركات مناهضة ثم قضى على ثورة بني طي التي قادها زعيمهم المفرج بن دغفل بن الجراح الطائي في الرملة وجواها وكان الثوار قد عاثوا في الأرض فسادا واستقدموا أمير مكة ابا الفتوح الحسن بن جعفر الحسيني وبايعوه بالخلافة بدل الخليفة الفاطمي إلا أن الحاكم استمال بعض زعماء الثورة بالمال والهبات ثم عفا عن ابي الفتوح وأعاده إلى مكة أميرا من قِبله. وكانت الحجاز تدعو للفاطميين منذ أيام المعز أما بنو جراح فقد عاملهم بقسوة وشتت شملهم لكسر شوكتهم.
 وفي الشمال انتقم من الأمراء الحمدانيين الذين حالفوا البيزنطيين بتسليم ولاية حلب لصالح بن مرداس زعيم بني كلب الذي احتلها منهم وفي نفس الوقت ابقى الحاكم بأمر الله أحد امراء بني حمدان حاكما على حلب محافظة على التوازن وحتى لا تؤول الأمور جميعها لابن مرداس. أما النفوذ الفاطمي في المغرب فقد اعتراه الضعف بعد تمركز الفاطميين في مصر نظرا لأنهم أولوا جل اهتمامهم للشرق مما جعل العديد من القبائل السنية تطيع الدولة بالمعنى السياسي فقط.
ترك المعز بلاد  المغرب بعد ان عين عليها واليا وهو ابو الفتوح يوسف بن فهري الصنهاجي (الملقب ببلكين). وترك له جميع أمور البلاد ما عدا القضاء والخراج وصك النقود. أما بلاد طرابلس الغرب فولى عليها عبد الله الكتامي. وكان على هذين الواليين حماية المغرب من الدولة الأموية في الأندلس.
وفي أيام الحاكم تمكن ابو ركوة احد المراء الأمويين من إثارة بعض القبائل السنية في برقة التي لم تكن موالية للفاطميين والهجوم بها على مصر. ولكن الحاكم تمكن من صد الهجوم بعد مواقع عديدة سنة 1006 ولم تبد من حكام المغرب وطرابلس الموالين للفاطميين اية مساعدة فقد كانوا شبه مستقلين ورغم أن باريس الزيري خليفة ابي الفتوح ظل مخلصا للفاطميين إلا أن وفاته 1015 تركت الحكم لابنه القاصر مما اضعف الولاء للفاطميين. وقضى على المذهب الفاطمي تدريجيا فعاد محله المذهب المالكي السني. كما لوحق أتباع المذهب الفاطمي في مدن المغرب

الحياة الفكرية

كانت الحركة الإسماعيلية حركة فكرية غلى جانب كونها حرمة سياسية. وكان الدعاة الاسماعيليون رغم كونهم المطاردة يجوبون أرجاء الإمبراطورية الإسلامية يبثون الدعوة ويطارحون المستجيبين والمعارضين على حد سواء فكرهم بالأدوات والأساليب الفلسفية التي تليق بأهل العلم ولهذا فقد انتشر مذهبهم في الطبقات المتنورة بشكل خاص.
وعندما قامت الدولة الفاطمية بعد عملية طويلة وواسعة من الدعوة ونجح قادتها في إقناع البلدان بسلامة اتجاههم، كان لا بد من جعل مركز الحكم السياسي مركزا للسيطرة على تعالم الدعوة والإشعاع الفكري من أجل تثبيت دعائمها.
وهكذا فيما كانت القاهرة التي بناها المعز على مقربة من الفسطاط تصبح عاصمة الدولة الجديدة حتى اقام فيها المعز لدين الله الفاطمي الجامع الأزهر ليصبح أعظم وأهم جامعة إسلامية حتى يومنا هذا.
أقام الحاكم دار الحكمة سنة 1005 م إلى جانب قصره وفيها مكتبة كبيرة تضم آلاف الكتب والمخطوطات في جميع علوم العصر. وفُتحت المكتبة للناس للقراءة والنسخ مجانا وأجريت عليها الأرزاق للموظفين ولشراء الورق والحبر والأقلام وغيرها مما يحتاجه القراء والنسّاخ بدون مقابل ويقدر بعض المؤرخين عدد المجلدات فيها حوالي مليون وستمائة ألف مجلد.
وصوت دار الحكمة علاوة على فخامتها وروعة ستائر ومقاعد وزينة العديد من اللقاءات في شتى العلوم التي كان الحاكم نفسه يحضرها. كما أحضر الحاكم للدار أهل الحساب والمنطق والعلماء والفقهاء والأطباء وكان يخلع عليهم الخلع وأثراها بالتحف الفنية النادرة حتى أصبحت متحفا.وأجرى الحاكم على الدار الوقوفات بالإضافة إلى الرحلات والهبات حتى بلغت نفقتها ثلاثة أربعين مليون درهم فغدت تضاهي أكبر مراكز البحوث في عصرنا وخدمت الدولة في :
1-    نشر الدعوة الفاطمية وتثبيت أركانها ومنها خرج الدعاة يدعون في شتى أنحاء العالم الإسلامي.
2-    دراسة وبحث المواضيع التي تحتاجها الدولة في مجالات التنظيم والهندسة والاقتصاد والتربية والحرب.
3-    تثقيف الناس في جميع العلوم والمذاهب الفكرية – وليس المذهب الفاطمي فحسب ومن هنا نفهم ان الدعوة كانت تعتمد على الإقناع العلمي بعد دراسة جميع الدعوات المعارضة.
وعندما لم تعد تتسع القاعات لهذه المناظرات والمحاضرات فتحت مراكز أخرى كالإيوان والمحول ثم أصبحت الحلقات تُعقد حسب المؤهلات فمنها حلقات للعامة وللخاصة ولشيوخ الدولة وللأولياء ...ألخ
ونُهبت الدار أيام المستزهر سنة 1068 على يد الجند وإحراق الكثير من كتبها بسبب الخلاف بين علمائها... وفي السنة التالية بُنيت لها بناية جديدة بعيدة عن القصر ونقل ما تبقى من كتبها إليها وسُميت بدار العلم الجديدة وظلت عامرة حتى نهاية الدولة الفاطمية سنة 1171.


دعوة التوحيد الدرزية سنة 1017 1043
تبلور نشاط الدعوة الفاطمية في مطلع القرن العاشر إلى نظام سياسي مستقل عن الخلافة ولم يمضِ مائة عام على قيام الدولة الفاطمية حتى انبثقت عنها دعوة التوحيد – الدرزية – وذلك في ايام الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي الخامس وتحت رعايته وتوجيهه.
إلا ان الدعوة الجديدة اعتمدت على الحرية والاختيار ورغم قبول قيادة التوحيد دين الدولة الدرزية الرسمي للدعوة الجديدة فلم يعلن مذهب بل ترك الباب مفتوحا للإقناع وتحمل مسئولية جلب المستجيبين ولم تعارض الدولة أعداء المذهب الجديد ولم تقف في وجههم ولم تحتم الإتباع من احتواء المقارعة والمناهضة بجميع أشكالها دعاية وعداوة وملاحقة إلا في حالات الخطر الفادح فكأنما أراد أصحاب المذهب أن يكسبوا المؤمنين الحقيقيين به لا المطيعين للنظام السياسي ولعله لأول مرة في تاريخ الأنظمة الإسلامية يتم الفصل بين المبدأ السياسي والمبدأ الديني بإرادة قادة الدولة وتحت حمايتهم وعليه فكل ما قدمه الحكم لهذا المذهب هو الفكر والتنظيم وخلق الظروف المحتملة للدعوة التي عمّت جميع الجهات بكادر من الدعاة الذين انتشروا في جميع البلدان حتى الهند شرقا.


الحاكم بأمر الله
عندما توفي العزيز اثناء حملته إلى الشام لمحاربة البيزنطيين آلت الخلافة الفاطمية غلى المنصور وكان عمره إحدى عشرة سنة وكان ذلك في مدينة بلبيس الواقعة على الطريق إلى الشام في ايلول 996 ثم لُقب بالحاكم بأمر الله
ولم تمضِ ثلاثة اشهر على تسلمه الخلافة حتى أخذ يبث الدعاة الذي بشروا بقرب قدوم دعوة التوحيد ودعوا الناس لانتظار ظهورها العتيد. وأطلق على هؤلاء الدعاة اسم النذر.
توالى على الدعوة النذر ثلاثة نذر كل منهم أدارها لمدة سبع سنوات وبشّر بالنذير الذي سيليه.
كان النذير الأول أبو الخير سلامة بن عبد الوهاب السامري نسبة لمدينة سامراء في العراق) واستمر يهيئ النفوس لدعوة التوحد  ويعدهم للدور المرتقب حتى سنة 1013 حيث انضمّ تحت لواء النذير الثاني.
وخلفه النذير الثاني وهو أبو عبد الله محمد بن وهب القرشي حتى 11- 1010 حيث انضم النذيران السابقان للنذير الثالث وهو أبو إبراهيم إسماعيل بن محمد ابن التميمي الذي تسلم قيادة النذر حتى 1016 – 1017 فاتخذ الدعاة مسجد ريدان خارج أسوار القاهرة يجتمعون فيه بكبير الدعاة حمزة بن علي بن أحمد الزوزني إيذانا ببداية إعلان الدعوة  المنتظرة التي أشرف على التهيئة لها النذر الثلاثة السابقون .


الإمام حمزة بن علي ودعوة التوحيد
حضر حمزة بن علي إلى مصر في السنة التي بنى فيها الحاكم دار الحكمة سنة 1005 م مولده في مدينة زوزن في خراسان سنة 975 ومن دار الحكمة راح يشرف على سير الدعوة ويرشد النذر ويشرف على المراسلات والمكاتبات والدعاية حتى كانت سنة 1017 فأصدر الحاكم سجلا يعلن فه ابتداء دعوة التوحيد وأصبح حمزة بن علي إماما للموحدين وكان مقرّه مسجد ريدان الذي سمي دار الهجرة الجامعة لأنه أصبح مركزا يؤمه الدعاة من كل صوب خلال سنة 1016 انتظارا لإعلان الدعوة وعين حمزة بن علي كلا من هؤلاء الدعاة في مرتبته وأرسلهم إلى مراكزهم وما ان صدر سجل الحاكم المذكور حتى راحوا يدعون الناس للتوحيد ويأخذون المواثيق (جمع ميثاق) على المستجيبين.
وكان يقبل في الدعوة من كان بالغا صحيح العقل خاليا من الرق. ولهذا فقد امر الحاكم بإعتاق العبيد وقام هو بإعتاق مماليكه وإطلاق حريتهم في نفوسهم وأموالهم. ومن هنا فقد كان الدخول في الدعوة اختيارا والتزاما معا وأقام الإمام حمزة للموحدين دورا للقضاء خاصة بهم ورفعت عنهم سلطة أصحاب الشرط وجميع الأيدي السلطانية وكان الحاكم يلتقي بحمزة وأصحابه يوميا في محلة القرافة في القاهرة للسلام عليه وليسأل حمزة عن سير الدعوة.
استجاب للدعوة خلق كثير بالإضافة  إلى عدد من الأمراء وكبراء البلاد مثل الشريف فخر الدولة وأبو العلا حمزة بن ابي العباس الحسيني نقيب الطلابيين في بلاد الشام
-    أمراء آل تنوخ الذين كان اسلافهم من دعاة النذر وأكثرهم يسكن ناحبة الغربي من جبل لبنان.
-    الأمير معضاد أبو الفوارس بن يوسف الفوارسي من منطقة المتن بلبنان.
-    زماخ بن مفرج بن دغفل بن جراح الطائي وأخوه جابر من أمراء الرملة.
-    الأمير عز الدولة ابو العلي رافع بن ابي الليل بن عليان الذي أصبح أمير بني كلب.
-    الشيخ أبو الخير سلامة بن جندل من أعيان وادي التيم
-    سلاطين الإحساء من القرامطة الملقبون بالسادة : ابو الفضل الطاهر، ابو العباس، ابو الفضل العمران، ابو إسحق المعلي وأبو الفتح الفرج.
-    راجبال بن سومر الذي تسلم أمور الدعوة في الهند.
-    كما انتشرت الدعوة في منطقة صفد وكان على رأس المستجيبين شيوخ آل تراب. وازدهرت الدعوة كذلك في منطقة انطاكيا وحلب.


عقبات في بدابة الطريق
كان ولي العهد الفاطمي وكذلك والي دمشق عبد الرحيم بن إلياس من المعارضين للدعوة ومنذ بدايتها قام الأمير الكردي ابن تالشليل بمساعدة عبد الرحيم بن إلياس لمهاجمة موحدي وادي التيم وقتل وسبي عددا كبيرا منهم. فهبّت السلطة الفاطمية لمساعدتهم واضطر عبد الرحيم ابن إلياس إلى الفرار من دمشق بعد أن كاد ينشر الفتنة في أنحاء سوريا وأيده في ذلك أمراء الرملة من بني طي وكان ممن اتّبع الدعوة حبا بالجاه نشتكين الدرزي – الذي سمي الموحدون باسمه دروزا فلما اصبح حمزة بن علي إمام للدعوة راح نشتكين يحرّف مضمون الدعوة ويشوّه مضمونها مما ألّب كثيرا من المسلمين عليها من ناحية وستجلب الأتباع لنفسه بالتدليس والتساهل في امور الأخلاق والإغراء فخشي القيّمون عليها أن يكثر هذا النوع من المستجيبين خصوصا وان الدرزي كان في الظاهر مطيعا لأوامر رؤسائه داعيا لهم فتقرر إغلاق الدعوة سنة 1018 م. واعتكف الحاكم عن الظهور اختبار لمن استجاب. ولكن الدرزي ظل على نشاطه. فضج أهل القاهرة وهاجموا في السنة المقبلة (ايار سنة 1019) الدرزي وأتباعه فراح بينهم حوالي أربعين قتيلا ففاوضهم الدرزي ووجه نقمتهم غلى حمزة بن علي وأعوانه وزحف معهم في حوالي عشرين الفا على مسجد ريدان وكان حمزة فيه مع بضعة اتقياء فصمدوا خلف تحصينات المسجد حتى المغرب حين اطل الحاكم من شرفة قصره المشرف على المسجد عندها كفت الجموع عن القتال.
وفي صباح اليوم التالي 10/5/1019 استأنف الإمام حمزة بن علي الدعوة – بعد مقتل الدرزي بمدة سنتين حتى غيبة الحاكم في 13/2/1021 وفي ايام الحاكم كانت قد حدثت فتنة ابي ركوة في المغرب وقضي عليها سنة 1006 وبالرغم من ذلك راح المغرب يبتعد سياسيا ومذهبيا عن الحكم الفاطمي رويدا رويدا حتى لم يعد للفاطميين يدا علي في نهاية أيام الحاكم وبعده.


غيبة الحاكم
في ليل 13/2/1021 غادر الحاكم قصره إلى جبل المقطم كعادته ولكنه لم يعد. ويعتبر الموحدون اختفاءه هذا عن الأنظار امتحانا لإخلاصهم.
اعتزل حمزة الإمامة وسلم مقاليدها للمقتنى بهاء الدين حسب تعيين كان قد صدر في 31/12/1020 من قِبل الإمام حمزة نفسه.
كان المقتنى وهو بهاء الدين علي بن أحمد الطائي من قرية سموقة بجوار حلب أحد النذر ومتولي إمامية في شمال سوريا من قِبل الحاكم. وفي بداية الدعوة انضمّ لحمزة بن علي كغيره من النذر وشارك في محاربة عبد الرحيم بن إلياس ثم لازم حمزة حتى سلمه مقاليد الدعوة وظل على اتصال دائم بالإمام حمزة في معتكفه في القاهرة يأخذ بتعليماته.



محن الموحدين

محنة الظاهر
عندما اعتلى الخلافة الفاطمية علي الظاهر بعد الحاكم لم تؤل إمامة الموحدين لهبل ظلت في حمزة بن علي فكان أول ما فعله أن اصدر سجلا باستئصالهم بسيف الحق لضلالهم. وهو بذلك قد نكث بوعده وقسمه أمام الحاكم بأن لا يمسهم بسوء واستمرّت المحنة حوالي ست سنوات تحمّلها الموحّدون بصبر وجلد. وحاول قادتهم التخفيف عنهم بالتقرب ظاهريا للحليفة كما فعل الأمير رافع ابي الليل أمير كلب – كما سنرى – لحماية إخوانه.وكذلك فعل المقتنى بهاء الدين نفسه. وظلت الدعوة معلقة حتى أواخر سنة 1026 م. إلى ان وصل كتاب الإمام حمزة بن علي من ستره يأمر المقتنى بهاء الدين باستئنافها.
استغل بعض الخارجين على الدعوة ظروف القهر فعملوا لمصالحهم الشخصية وحاولوا تحريف الدعوة. فكان على المقتنى الاهتمام بإزالة خطرهم ومن هؤلاء :

ابن البربرية
قام بدعوة في مدينة سبيسطاس غرب الاسكندرية فجاء المقتنى للاسكندرية ووجّه رسالة للموحدين يبيّن فيها انحراف ابن البربرية وقضى على دعواه

سكين

لقد شذ يعضهم خلقيا وعلى رأسهم لاحق بن شرف العباسي ومسعد بن سكينة الكردي ومصعب التميمي وحادوا عن اصول الدعوة بارتدادهم عنها فدعوا للتساهل في القيم الخلقية إلى حد الإباحة وقويت شوكتهم وأساءوا لحقيقة التوحيد
أما لاحق وكان يتقلد أمور الدعوة عامة فقد عزله المقتنى ولم يكن الأمر صعبا لنه لم تكن له دار هجرة بحكم تنقله في البلدان.
اما سكين فقد قلّده المقتنى أمور الدعوة في جزيرة الشام العليا سنة 1027  م وظل في مركزه حتى سنة 1035 م حتى قضي عليه.
كان من الصعب القضاء عليه لكثرة اتباعه ولخوف المقتنى من ان يكشف أمره للظاهر، فدعاه للقاهرة وأرسل الداعي عمار إلى وادي التيم برسالة تعلن عزله فثار عليه أتباع سكين وقتلوه ثم أرسل بعثة وعلى رأسها سارة لتعمل بين النساء فنجحت بعثتها فأحس سكين بخطورة المر وعاد إلى وادي التيم كما وشى حليفه مصعب التميمي إلى القاهرة بالمقتنى ونشاطه فعاد الاضطهاد مما ادى إلى ستر الدعوة من جديد.وفي سنة 1036 م توفي الظاهر وخلفه المستنصر بالله الذي عيّن المقتنى أستاذا وقاضيا ومفتيا.
وعندما طلب المقتنى من الست سارة العودة وطلب إلى الأمير ابي الفوارس معضاد بن يوسف الفوارسي من قرية فلجين في جبل لبنان بالقضاء على سكين وحركته وتم له ذلك في العام القادم.
أما مصعب فلم تنجح سعايته لدى المستنصر بل أمر الخليفة بإعدامه ... واستؤنفت الدعوة في تشرين اول سنة 1037 م.

الدروز في فترة الدعوة والمحنة
انتشرت الدعوة في سوريا بشكل خاص لوقوعها تحت الحكم الفاطمي أولا ولانتشار الاتجاهات الشعبية وخاصة الإسماعيلية فيها بسبب بُعدها عن مركز الحكم السني العباسي في بغداد.
ودخل في الدعوة فئات من مختلف الطبقات في الحواضر وفي البر أفرادا وقبائل. كما انضم إليها امراء بعض القبائل الكبيرة وبعض اصحاب المراكز العليا في المجتمع والدولة. وأصبح هؤلاء خير عون لحماية ما يمكن حمايته في فترة المحنة التي أعلنها الظاهر من 1021 م – 1027 م. كالأمراء التنوخيين في جبل لبنان والأمير رافع ابي الليل بني كلب في منطقة دمشق وبعض اقارب حسان بن مفرج أمير بني طي في منطقة الرملة والجنادلة في وادي اليتم والبحتريين في منطقة الغرب وغيرهم.
وظلت منطقة الغرب في لبنان أكثر المناطق أمنا طيلة ايام الدعوة لبعدها عن مركز الحكم واستقلال أمرائها في حكمهم.
أما في سائر الديار السورية فقد كانت المحنة قاسية وذهب ضحيتها عشرات الآلاف من الموحدين عدا التشريد والدمار والتعذيب وخصوصا في الحواضر وجوارها. ولما كانت المنطقة مطمعا للفاطميين من ناحية وللبيزنطيين من ناحية اخرى رغم وقوعها تحت نفوذ ثلاث من قبائل  الكبرى : طي في الجنوب وكلب غي الوسط وكلاب في الشمال. وكانت كل منها تطمع في الاستقلال والتوسع فلم تهدأ الحالة السياسية فيها طوال هذه المدرة وبعدها فلا تكاد هذه القبائل تتحد فيما بينها حتى يتعاون الفاطميون والبيزنطيون عليها وعندما تتفرق كلمة هذه القبائل نرى كلا من الدولتين تستميل بعضها لتضرب الفريق الآخر وهكذا ففي هذا الموضع السياسي المتقلب وفي جو العداء العام للموحدين من السُّنة والفاطميين ومن الفرق الشيعية المنشقة على دعوة التوحيد وغيرهم ومن البيزنطيين، كان من المستحيل توفر الاستقرار والأمن ولم يكن بد أمام قادة الدعوة من العمل بدهاء وحنكة سواء في بلاط الظاهر أو في البلاد السورية طبقا لما تفرضه الحاجة من تحالف ومعاداة وذلك لضمان امنهم وسلامتهم.
وقد قاد هذه المرحلة بذكاء وعزم شديدين الأمير رافع بن ابي الليل الذي أصبح أمير بني كلب سنة 1028 وبإيحاء من المقتنى بهاء الدين وبالتعاون مع قادة الموحدين في سوريا.

التحالف القبلي ضد الظاهر

وفي سنة 1025 م أحس انصار الظاهر الثلاثة أمراء طيء وكلب وكلاب بضرورة اتحادهم ضد الحكم المركزي فسيّر الظاهر قائده أنو شتكين الدزبري ضدهم فهزموه واحتل حسان بن مفرج بن الجراح الرملة وجوارها وكذلك فعل صالح بن مرداس في حلب وحمص وحماة وعكار. وفشل سنان بن عليان الكلبي من دخول دمشق بسبب وقوف الموحدين بقيادة الشريف فخر الدولة حمزة بن ابي العباس نقيب الطالبيين غلى جانب الفاطميين غلا أنه تمكن من الغوطة ونواحيها ونهبها.

معركة الأقحوانة وانهيار الحلف القبلي
وفي سنة 1028 توفي سنان بت عليان وخلفه ابن أخيه رافع اب الليل. وكان من الموحدين فضمّ إليه بعض القبائل الأخرى وكان مقربا للظاهر الذي رفع المحنة التي بدأت سنة 1021 وخفّت وطأتها سنة 1026 فتجددت الدعوة بأمر من حمزة بن علي في معتكفه.
لهذا فقد سعى رافع إلى ترك الحلف وانضمّ في ايار سمة 1029 م غلى الجيش الفاطمي بقيادة الدزبري في موقع الأقحوانة على نهر الأردن قرب طبيرة حيث دارت معركة ضد حسان بن مفرج وصالح بن مرداس كانت الغلبة فيها للفاطميين قتل صالح بن مرداس فحمل الأمير رافع رأسه وقدّمه للقائد الفاطمي الذي أنفذه للظاهر بينما فر حسان بن مفرج وأعوانه وكذلك ابناء ابن مرداس.
وهكذا رجعت سوريا للحكم الفاطمي ويعود الفضل في ذلك للأمير رافع ابي الليل وحلفائه من العرب والموحدين . وبعدها بدات الدعوة بالانتعاش من جديد وبحذر بإرشاد من المقتنى الذي اتخذ الاسكندرية مقرا له لبعدها عن القاهرة وقربها من شمال أفريقيا وسوريا. وفي هذه الفترة سنة 1027 عُين سكين المسئول في الدعوة في جزيرة الشام العليا.
لم يرُق للفاطميين ان يكون أمرهم في سوريا متعلقا بالأمير رافع ومن ولائه للموحدين بينما يتربّص أعداؤهم البيزنطيون وقبيلتا كلاب وطي بهم وسرعان ما ظهرت سياستهم هذه بالتضييق على الأمير رافع وحرمانه من أكثر الامتيازات التي حصل عليها بعد معركة الأقحوانة.
لقد هدف تحالف الأمير  رافع مع الفاطميين غلى ضرب القوى التي عملت على غبادة الموحدين في سوريا وقد عمل الأمير بعد الأقحوانة على تثبيت قدميه ودعم الدعوة على حساب السلطة الفاطمية التي لم تتراجع رسميا عن تكفير الموحدين وهدر دمائهم ورغم أنها خففت او تغاضت عن ملاحقتهم. ولم يكن إخلاص الأمير رافع للفاطميين إلا بالقدر الذي يكفل له تحقيق أهدافه فعمل بالخفاء على تحسين علاقته مع الأمير حسان بن مفرج بن الجراح.
وما أن تغيرت سياسة الفاطميين مع الأمير رافع حتى اسرع إلى الاتفاق مع الأمير حسان ضد الفاطميين بهدف إعادة الحلف القبلي إلا ان الفاطميين سارعوهما قبل إتمام الحلف واستطاع القائد الفاطمي الدزبري من هزيمتهما بعد عدة معارك فتراجعا إلى منطقة تدمر في أواسط سوريا ثم غلى منطقة انطاكيا بعد أن اتصل الإمبراطور البيزنطي بحليفه حسان وكان لنصر بن صالح بن مرداس وأخوه في حلب علاقة حسنة مع البيزنطيين نة 1030.  

محنة أنطاكية
وفي هذه الفترة راح نائب الإمبراطورية في أنطاكية يعمل على توسيع السيطرة البيزنطية في الحدود الشمالية لسوريا بينما تودد المرداسيون للفاطميين خوفا من طمع البيزنطيين ومن تزايد قوة الموحدين بعد قدوم الأمير رافع وجماعته لجبل السماق ومنطقة نهر العاصي.
تم تفاهم المرداسيون والبيزنطيون معا على القضاء على الموحدين في هذه المنطقة إضعافا للأمير رغم دخوله الحلف معهم ورغم اشتراكه مع حسان بن مفرج في رد العديد من الهجمات الفاطمية بقيادة الدزبري على شمال سوريا.
وفي شباط سنة 1032 م تفاهم نائب أنطاكيا البيزنطي ونصر بن صالح بن مرداس على مهاجمة الموحدين في جبل السماق وتحصينات منطقة العاصي وتخوم أنطاكيا ولاحقوهم إلى مخابئهم في المغاور والجبال مدة اثنين وعشرين عاما وكان هدف ابن مرداس من ذلك إرضاء الظاهر بإضعاف حليفيه الأمير رافع والأمير حسان دون الإساءة مباشرة للحلف ثم إرضاء للبيزنطيين وإقناعهم بعدم احتلال مدينة حلب التي حاولوا احتلالها منه في فترة ضعفه السابقة هذا بالإضافة غلى انتقامه من أعداء أبيه.
عمل الدزبري على التودد للبيزنطيين بواسطة نائب انطاكيا لدرء خطر الطائيين والكلبيين بشكل خاص. إلى أن تم ذلك سنة 1032 وقد حضر الأمراء الثلاثة وبعض حلفائهم مفاوضات الصلح غلى جانب البيزنطيين فضمنوا بذلك عدم توسع الفاطميين إلى الشمال على حسابهم.
وفي هذه الفترة قويت حركات الردة بإيحاء من الفاطميين في المناطق الجنوبية والوسطى وفي مصر نفسها كحركة سكين التي استفحلت سنة 1035 وفي وادي التيم. ولاحق العباسي ومصعب التميمي وهما من كبار الدعاة.

الموحدون أيام المستنصر
توفي الظاهر وخلفه المستنصر في صيف 1036 م وكان عمره ثماني سنوات فعين وصيا له الوزير أبو الحسن الجرجراني
عُين المقتنى بهاء الدين قاضيا ومفتيا وأستاذا في القصر. وأعلن عن تجديد الدعوة كما تقرّب العهد الجديد من الحلف القبلي وأطاع الأمير رافع توصيات المقتنى بهذا الخصوص فترك البيزنطيين وانضم إلى جيش الفاطميين في الشام.
لم ينسَ الأمير رافع إساءة نصر المرداسي للموحدين ورغم تودد الفاطميين له كأحد اقطاب الحلف القبلي فقد راح يعمل على أمنه وساعده في ذلك كره الكثيرين من القادة الفاطميين لابن مرداس لكثرة تقلبه ولوجوده على حدود البيزنطيين مما سهّل عليه التحالف معهم متى شاء وكان على رأس أنصار الأمير رافع والي حمص.
كان الفاطميون متحالفين مع البيزنطيين منذ أيام الظاهر فأعلنوا عن استعدادهم لدفع ما يدفعه لهم المرداسي وأكثر. وفي سنة 1038 هاجمه الدزبري بجيش الفاطميين والأمير رافع ببني كلاب وحلفائهم وقضوا عليه في معركة تل فارس وتم بذلك احتلال شمال سوريا وسقوط حلب وثكنتها.
وبهذا فقد خضعت سوريا كلها للفاطميين بينما استطاعت الدعوة ان ترسّخ اقدامها وتقوى ويتبوّأ قادتها مراكز مرموقة في الحكم. وهكذا ترسّخت علاقتهم بالسلطة سياسيا مع المحافظة على كونهم جماعة دينية مستقلة. واستمرت الدعوة حتى سنة 1043 حيث توقفت وودع اقطابها الموحدين بعد ان أوصاهم المقتنى بهاء الدين بحفظ الدين واستودعهم رسائل الدعوة.

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.