spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 105
موسوعة التوحيد الدرزية
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130


 
انتقال الحكم من المعنيين إلى الشهابيين طباعة ارسال لصديق
بقلم عباس ابو صالح
عن كتابه – التاريخ السياسي للإمارة الشهابية
درجت معظم المصادر على القول إنه لما توفي الأمير احمد المعني سنة 1697 م بلا عقب وانقطعت به سلالة الأمراء المعنيين اجتمع أعيان الإمارة المعنية في الشوف في مرج السمقانية بالقرب من بعقلين واختاروا بشيرا الشهابي وهو ابن أخت الأمير أحمد  واليا عليهم. إلا أن الباب العالي وبإشارة من الأمير حسين فخر الدين المعني الثاني المقيم في اسطنبول طلب تولية الأمير حيدر الشهابي ابن بنت الأمير أحمد المعني بدلا من الأمير بشير. وبما ان الأمير حيدر كان لا يزال قاصرا فقد جرى الاتفاق على تولية الأمير بشير بالنيابة إلى أن يبلغ الأمير حيدر سن الرشد .
إن هذه الراوية على الرغم من بساطتها لا تبدو مقنعة للمؤرخ المدقق فيما يختص بمسألة انتقال الحكم من المعنيين إلى الشهابيين بل هي على الأرجح رواية منحازة للشهابيين بدليل أنها طرحت جانبا قصة الصراع الطويل بين القيسيين واليمنيين غلى السلطة في الإمارة المعنية.
وليس في هذه الرواية اي تفصيل للملابسات التي رافقت اختيار الأمير بشير الشهابي سوى أن اليمنيين عارضوا هذا الاختيار . وتجدر الإشارة في هذا المجال إلى السكوت التي تتعمده المصادر التي بين أيدينا عن ذكر أية خطوات اتخذها اليمنيون لاستعادة المنصب الأول في إمارة جبل الدروز. ذلك ان هذه المصادر يحدوها ميل خفي وأحيانا ظاهر للغرضية القيسية أو للحكم الشهابي فلم تنصف فئة اليمنية لا من حيث وفرة المعلومات عن هذا الحدث ولا من حيث حيادها.
ولا يستطيع المحقق في هذا الموضوع يتجاهل حقيقة كون اليمنيين لا يزالون قوة سياسية كبرى تنافس القيسيين على السلطة لا بل أن نجاح اليمنيين في الوصول إلى الحكم من جديد زمن الحكم الشهابي يدل على الأقل بأن الحكم الشهابي لم يكن يحظى فعلا بتأييد جميع الأعيان في إمارة جبل الدروز كما درج على الأخذ به مؤرخو الإمارة الشهابية.
دور الغرضية الحربية
بيد أن ظاهرة انتقال الحكم من الأمراء المعنيين إلى الشهابيين تطرح مسألة أخرى وهي لماذا لم يوصي الأمير أحمد المعني بكرسي الحكم لابن أخته الأمير بشير الأول. ومع أن المصادر المعاصرة للأمير أحمد المعني لم تشر إلى شخص معين رشّحه الأمير المعني ليكون وريثه في الحكم فأن أحد المراجع المتأخرة ذكر أن الأمير أحمد كان يود إسناد كرسي الحكم من بعده للشيخ قبلان القاضي التنوخي. وفي رواية اخرى أن الأمير أحمد جمع في ساعاته الأخيرة خاصته وبعض أكابر البلاد وأوصاهم أن يختاروا عليهم أميرا من بينهم من أمراء الأرسلانيين وليس من الأمراء الشهابيين. لا بل تذهب تلك الرواية غلى القول إن الأمير أحمد المعني اتهم الشهبايين بمقتل ابنه الوحيد الأمير ملحم طمعا بالحكم ولهذا لم يكن يرغب بإسناد الولاية للأمراء الشهابيين.
وإذا صحت هذه الرواية فالسؤال الذي يطرح نفسه الآن لماذا لم يتقيد أعيان الإمارة المعنية بوصية الأمير احمد المعني؟
ولعل الجواب الصحيح لهذا السؤال أن العصبية هي التي حالت دون ذلك إذ أن القيسيين الدروز فضلوا أن يحكمهم أمير قيسي من خارج الإمارة على ان يحكمهم أمير يمني من داخل الإمارة الأرسلانيين.وقد يكون هنالك سبب آخر لاختيار القيسيين اميرا شهابيا هو عدم اتفاق القيسيين الدروز في الإمارة المعنية على تولي أحدهم ذلك المنصب بل ربما كان عدم توفر زعيم بينهم يوازي مكانة بسير الشهابي الأول هو السبب الحقيقي لذلك الاختيار. والوقع ان حدة الصراع السياسي الدموي بين القيسيين واليمنيين لم تدع مجالا للقبول بأمير يمني. ثم أن بشيرا الأول كان ابرز زعماء القيسيين وقد لعب دورا عسكريا وسياسيا بارزا في ذلك الصراع. ويبدو لنا أن اختيار اعيان الحزب القيسي لبشير الأول خلفا للأمير أحمد المعني جاء تكريسا لهذا الدرور القيادي واعترافا به. أما الرواية القائلة بشرعية الشهابيين لوراثة المعنيين كون بشير الأول ابن أخت الأمير احمد المعني تبدو محاولة لإضفاء طابع الشرعية على ذلك الاختيار . بيد أن ما تزعمه بعض المصادر من ان عرف الوراثة في الإمارة لم يكن ليعطي حق وراثة الحكم المعني إلا للأميرين الشهابيين بشير وحيدر هو برأينا زعم يحتاج إلى إثبات  إذ أنه على الرغم من مراعاة مثل هذا العرف في عهد الإمراة التنوخية فإن العثمانيين لم يتقيدوا دائما بهذا الاعتبار بدليل انتقال السلطة في الشوف والغرب من التنوخيين غلى المعنيين عند الفتح العثماني نتيجة موالاة فخر الدين المعني الأول للعثمانيين. كما وأن تولي السلطة في بعض مراحل الحكم المعني أمراء من آل علم الدين ومشايخ من آل عماد يؤكد هذه الحقيقة.
ولا تذكر المصادر التي بين ايدينا أن الولاة العثمانيين من ذوي السلطة على إمارة جبل الدروز اي ولاة صيدا ودمشق قد قاموا بالدور الأساسي في هذا الاختيار. يبد ان دور الباب العالي يبدو واضحا من خلال ما ترويه المصادر المتأخرة ومنها رواية طنوس الشدياق في كتابه "أخبار الأعيان" إذ تقول الرواية : "التمست الأكابر (العيان) من الوزير (مصطفى باشا والي صيدا) ان يحول ما كان في يد المراء المعنيين من المقاطعات إلى الأمير بشير كما كانت في يدهم فيدفع له المال المرتب كالعادة مع البقايا فارتضى الوزير بذلك وولاه حسب الطلب. ثم أعرض للسلطان مصطفى بن محمد عن انقطاع ذرية المراء المعنيين وانتخاب الأمير بشير الشهابي عوض المعنيين لما بينه وبينهم من القرابة. وأعرض اليمنيون أنهم لا يقبلون الأمير بشير واليا. ثم عزل مصطفى باشا وتولى مكانة أرسلان باشا المطرجي فخضر له أمر من السلطان مصطفى جوابا عما كان قد اعرض عنه مصطفى باشا مضمونه أن الأمير حيدر الشهابي يكون واليا بعد المراء المعنيين ويضع يده على متروكاتهم لأنه احق بالإرث لكونه ابن بنت الأمير أحمد المعني وكان صدور هذا الأمر بواسطة الأمير حسين ابن الأمير فخر الدين المعني الباقي من سلالة المعنيين في اسلامبول.
يستدل من هذه الرواية ان موقف الباب العالي هذه جاء نتيجة استشارة الأمير حسين المعني ابن الأمير فخر الدين المعني الثاني الذي كان مقيما في الآستانة والذي طلب ان يكون حق الوراثة للأمير حيدر الشهابي ابن بنت المير أحمد المعني. وهنا لا بد من التساؤل عن سبب تبني الباب العالي لرأي الأمير حسين هذا وهل كان المير حسين يخطط لتولي الحكم في هذه المرحلة؟ ربما كان الأمير المعني يفكر في ذلك لمن انقطاعه الطويل عن وطنه منذ سنة 1635 م جعله كما يظهر يتردد في المطالبة بهذا الحق. أما تبني الباب العالي لرأي الأمير حسين المعني فهو يؤكد ان السلطات العثمانية لم تكن لتعطي الحق المطلق في اختيار الأمير الحاكم على إمارة بلاد الدروز لرعاياها بل كان تدخلها يقيد ذلك الاختيار.
وكثيرا ما كان يتخذ ذلك التدخل شكل خلق منافس للأمير الحاكم على السلطة كي تستمر هيمنة الولاة العثمانيين على الأمراء المحليين.
ولكن صغر سن الأمير حيدر من جهة وطموح بشير الأول لتولي السلطة من جهة ثانية جعل الأخير يعمل على تثبيت حقه في الحكم فالتمس من أرسلان باشا والي صيدا بان يعرض للسلطنية ان الأمير حيدر لم يبلغ سن الرشد      وأن الأمير بشيرا مؤهل للنيابة عنه. وقد ارسل الباب العالي فرمانا تكرس هذا الحل وفيه "أن تأمير حيدر ابن الأمير موسى الشهابي يكون هو الوالي على المقاطعات التي كانت في يد ابن معن ويضع يده على متروكاتهم وعقاراتهم لنه هو الاحق بالوراثة لكونه ابن ابنة الأمير احمد المعني وان الأمير بشيرا الذي اختاره اهل البلاد يكون واليا بالوكالة عن الأمير حيدر إذ كان صغيرا غلى ان يبلغ رشده. وإذا بلغ رشده يتسلم هو الولايات والإقطاعات وما يتبعها من العقارات بنفسه من غير معارض".
لقد أقر الباب العالي من خلال هذا الفرمان مبدأ انتقال الحكم من المعنيين إلى الشهابيي. ولا يبدو أنه كان للباب العالي اي اعتراض على ذلك طالما ان الحكم الجديد سيؤمن للخزينة الموارد الضرائبية على تلك المقاطعات بانتظام وسيبقى في الوقت ذاته مواليا للسلطان. لقد ظل الباب العالي في الوقت ذاته يمسك بزمام الأمور طالما أن السلطة في الإمارة كانت موزعة بين الوصي وولي العهد – اي بين بشير الأول وحيدر الشهابي - . ولا شك أن هذا الحل الوسط كان من شانه ان يحظى برضى المقاطعجيين ايضا طالما ان الحاكم الجديد لن يتمكن من الحد من سلطتهم التقليدية.
يبد ان اختيار الحزب القيسي للأمير بشير كان على الأرجح بسبب بروز الخير خلال الحرب الأهلية بين القيسيين واليمنيين كأقوى حليف للأمير احمد المعني. وقد رأينا انه خف لنجدة القيسيين اثناء اقتتالهم مع اليمنيين. ثم ان الأمير بشيرا هذا كان من ابرز زعماء الحزب القيسي وهو الحزب الذي اظهر تفوقه على الحزب اليمني في أكثر من مناسبة عن طريق القوة وتمكن بالتالي ان يبقى في الحكم لمدة اطول.
وهكذا انتقل الحكم في إمارة بلاد الدروز من الأمراء المعنيين غلى ألأمراء الشهابيين إثر تولي بشير الأول السلطة كوصي على الأمير حيدر ريثما يبلغ هذا الأخير سن الرشد.
 
 


 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.