spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 103
خلوة العدد: خلوة الحارة الشرقية في المغار
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
كلمة العدد 11: ثقوب مضيئة في العباءة السوداء طباعة ارسال لصديق
أن الزائر للمتحف الإسلامي القائم بجانب المسجد الأقصى في القدس يرى في إطار زجاجي صفحة من صفحات البطولة الدرزية الخارقة، لم تأخذ حظها من الشهرة ولم يذكرها حتى الآن أحد ولم تتحول إلى موضوع إلهام للشعراء والكتاب، ألا إنها شهادة دامغة وصفحة ناصعة وحقيقة واقعة تشهد للدروز بأسمى آيات العزة والشهامة والكرامة. هذه المعروضة المتواضعة هي عبارة عن عباءة سوداء كان يرتديها المجاهد الكبير عطوفة سلطان باشا الطرش قائد الثورة السورية الكبرى حين كان يمتطي صهوة جواده ويقف على رأس فرسانه يحارب الاستعمار الفرنسي. والغريب في هذه العباءة أنها مليئة بالثقوب التي تكوّنت نتيجة اختراق الرصاص لها. ومّن يشاهد العباءة يقف مشدوها غير مصدق أن صاحب هذه العباءة والتي اخترقها الرصاص لم يمت في الوغى وإنما مات على فراشه معززا مكرما بعد ان عاش عمرا مديدا. ولا بد أن يتساءل أين ذهبت الرصاصات بعد ان اخترقت العباءة وكيف بقي لابسها حيا يرزق؟ والدرزي المؤمن ليس بحاجة إلى تفسير فهو يعرف أن لكل إنسان ساعة وإن لم تأت هذه الساعة فأنه يبقى على قيد الحياة مهما وقع في خطر. والمعروف عن سلطان الطرش أنه نجا عدة مرات من موت مؤكد أثناء نضاله الطويل لأن ساعته لم تأت. وما يعنينا ليست قضية الموت والحياة فإيماننا قوي أن الأعمار بيد الله، إنما الذي يهمنا هو أن هذه العباءة تمثل من جهة صفحة مشرقة من صفحات المجد والبطولة والشرف وتمثل من جهة أخرى جانبا أليما في حياة الدروز منذ نشأتهم وحتى اليوم. ويتلخص هذا الجانب الأليم في كون الدروز سباقين إلى عمل الخير وإلى الهيجاء وإلى ساحات الجد والعمل وهم الذين يضحّون بأغلى ما عندهم ويقطف غيرهم الثمار ويجني سواهم الشهد والعسل.

ومنذ فجر التاريخ وحتى أيامنا هذه تتراءى أمام أعيننا مشاهد لشخصيات توحيدية قامت بأدوار بطولية إلا أنها بقيت في الظل. وإذا استعرضنا التاريخ نجد أن نبي الله شعيب عليه السلام وقف بجانب سيدنا موسى عليه السلام وقدم له النصح والإرشاد وأن نبي الله محمد عليه الصلاة والسلام كان محاطا بصحابة من الموحدين أمثال سلمان الفارسي وعمار بن ياسر والمقداد بن السود وأبي ذر الغفاري وغيرهم يشهرون سيوفهم في نصرة الإسلام والمسلمين, والمتعمق في تاريخ الموحدين الدروز يستطيع ان يجد شخصيات دينية أخرى ساندت وآزرت وضحّت من أجل رسالة سماوية ودعوة إصلاحية وعملت من وراء الستار.

وإذا انتقلنا من عالم الأنبياء إلى عالم الحكام نلتقي بالأمير الكبير فخر الدين المعني الثاني الذي برز في غياهب القرون الوسطى وفي ظلمات الإمبراطورية العثمانية ومن بين الحكام الذين تخصصوا بسفك الدماء والبطش وإذلال السكان، برز فخر الدين المعني حاكما متنوّرا يبني حكمه على أساس من العدل والحرية والمساواة وقد فتح بلاده لكل طريد وساوى بين جميع أبناء الرعية وفتح أمامهم أبواب الغرب ينهلون منها ووضع الأسس والركائز للبنان الحديث الذي برز فيما بعد كأكثر دولة عربية متقدمة. ولم ترق هذه السياسة التقدمية للسلطان في اسطنبول . وقد حاول بعده الأمير الشيخ بشير جنبلاط أن يستعيد نفوذ الدروز ومركزهم الذي سلبه الشهابيون إلا أن القوى ذاتها جندت كل قدراتها وقضت على الأمير بشير جنبلاط أيضا. وفذ هذه الفترة استفحل النفوذ الاستعماري في لبنان عن طريق الإرساليات الأجنبية التي أيدت العناصر المسيحية ثقافيا واقتصاديا وسياسيا وحصلت عملية طمس لكل ما هو درزي في لبنان فقد حكم الدروز لبنان منذ القرن العاشر حتى أوائل القرن الثالث عشر وكوّنوا فيه حضارة راقية في مختلف نواحي الحياة كانت ذات طابع خاص وتختلف عما كان سائدا في الأجزاء الأخرى من الإمبراطورية العثمانية. والمسافرون الذين زاروا المنطقة في تلك الفترة يتحدثون عن جبل الدروز ويشيدون بالجو المميز الذي ساد المنطقة. ولما ضعف شأن الدروز في لبنان بسبب عوامل داخلية وخارجية مختلفة، حاول من أتى بعدهم أن ينسب كل إنجازات الدروز غليه وأن يبرز أمام العالم وكأنه هو الذي أنقذ لبنان من الجهل والتخلف.

وفي القرن العشرين تعمل الشخصيات الدرزية من وراء أو بجانب الحكام العرب فهذا رشيد طليع يشكّل أول حكومة أردنية وبعد أن يركّز الحكم يحوّل المنصب إلى غيره، وهذا الأمير مجيد أرسلان يحارب من أجل الاستقلال في بشامون ويتولى الرئاسة غيره، وهذا المرحوم كمال جنبلاط يقود ثورة 1958 ليحقق العدل والمساواة فتتكرر قصة فخر الدين وبشير جنبلاط وهذا الأمير شكيب ارسلان يحمل لواء العروبة والإسلام أمام الرأي العام العالمي فيهضم حقه ويُنسى ذكره. وبالإضافة على هؤلاء نجد عشرات الجنود المجهولين من أبناء الطائفة الرزية يقومون بمهمات عسكرية وسياسية في الدول العربية المختلفة ولا أحد يذكرهم او يعطيهم ما يستحقون من إنصاف.  

وإذا تركنا عالم السياسة وانتقلنا على عالم الأدب نجد الصورة هنا أصعب وأسوا فالأدباء الدروز الذين لمعت لهم أسماء في العالم العربي قلائل جدا ليس لأنه لم يتواجد أدباء دروز جديرون بالشهرة وإنما لأن الأجهزة الإعلامية الفعالة في المنطقة رفعت أسماء غير درزية من الدرجة العاشرة وجعلتها في قمة العطاء الأدبي بينما تجاهلت أسماء درزية ثابتة لها كيانها ووزنها الأدبي الممتاز. ومن يعتقد أننا نبالغ فليفتح المنجد في اللغة والإعلام أو موسوعة الإعلام للزركلي أو أي موسوعة عربية أخرى فإنه يجد أن الأسماء الدرزية المذكورة فيها تُعدّ على أصابع يد واحدة بينما يعلم الجميع ويشهد التاريخ أن عشرات بل مئات الأسماء الدرزية لمعت في سماء المنطقة وساهمت في كل مجالات الحياة على الأقل بنفس القدر الذي ساهمت فيه شخصيات أخرى غير درزية أدرجت أسماؤها.

وإذا أردنا أن نعرف سبب هذا التجاهل نجد أن ثمة عوامل كثيرة عملت مجتمعة لطمس المعالم الدرزية في حياة المنطقة منها ما يتعلق بنا ومنها ما يتعلق بغيرنا إلا أننا تريد هنا أن نتركز في عامل واحد يخصنا نحن بالذات. فإذا طمع الغير في إبراز حسناته وتجاهل حسناتنا نحن فهذا شأنه إما أن نتجاهل نحن أنفسنا فهذا امر لا يطاق . ولكي يحترمنا الباقون يجب أن نحترم في البداية أنفسنا وأن نحترم واحدنا الآخر ولكي نجعل الآخرين يشيرون إلى أحدنا بالبنان وبالتالي نفرض وجود يعضهم على الأقل.

لقد كانت فلسفتنا في الحياة سابقا أن نطلب الستر وألا نبرز او نشتهر وجاءت الحرب الأهلية في لبنان وبرهنت لنا ان هذه السياسة لا تفيدنا بل بالعكس فقد كدنا نخسر أرضنا ومواقفنا بعد ان خسرنا تاريخنا وماضينا. وما يعزّينا الآن هو أن الحرب الأهلية في لبنان كانت عاملا في انتعاش الشخصية الدرزية ورفع هامتنا إلى أعلى فقد اكتشفنا أن العالم حولنا يعتبرنا دروزا مهما حاولنا ان نخفي من معالم هذه الشخصية وإذا كان الأمر كذلك فنحن لها وعلينا أن نعيد كتابة التاريخ لننصف هذه الطائفة التي ضحّت الكثير من أجل العالم الإسلامي والعالم العربي والشرق الأوسط والتي ساهمت في بناء وتطوير هذه المنطقة . وقد جاء هذا الدرس القاسي متأخرا أكثر من مائة سنة فلو تعلمنا هذا الدرس بعد حوادث الستين لكان مركزنا اليوم أقوى وأهم ولكان حقنا معترف به وكانت الثقوب في عباءة سلطان الأطرش أكثر لمعانا ووضوحا وإضاءة..

والله ولي التوفيق
سميح ناطور
 دالية الكرمل - كانون ثاني 1989

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.