spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 134
كلمة العدد: عندما دمعت عينا الشيخ الرصين الوقور
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 149
العدد 148
العدد 147
العدد 146
العدد 145


 
إلى أين سائرون طباعة ارسال لصديق
بقلم الشيخ سامي أمين المصري - الولايات المتحدة
بسم الله الرحمن الرحيم
في تاريخ البشرية الطويل الغامض قد تعلمنا حتى الآن القليل بينما خفي عنا الكثير. وقد حدد الباري عز وجل وبيّن لنا معالم الطريق وما بها من عقبات وما بها من مطبّات. وقد خلق النور والظلام، ووضع قانون البقاء ، وحدد معالم الفن، وحذر الإنسان من مغبتها، وسيّر الوجود وسير العدم وسير الفلك ووضع أربع محاور وهي الخير والشر والإنسان والشيطان (الذي هو الضد) وعندما اشتد الظلام  وعمّ الجاهلية في كافة العقول وتحكّم الشر في النفوس، وتحكم الهوى الجامح في البشرية. إن الباري شفوق رحيم في عباده، فقد أرسل الوحي بالخير ونوّر سريرة سيدنا إبراهيم الخليل وأخرجه من الظلام للنور مناديا في وحدانية الخالق سبحانه وتعالى. واخذ ينادي في إبادة الضلالة ومحو الجهالة ، ويدعو للعمل بالمعروف البعد عن المنكر، وكان نداء عاما وشاملا بدون تمييز ولا تفضيل، فكانت الدعوة توحيد الغاية والسير بأقدام ثابتة على الطريق الصحيح وبدأت صروح الضد تنهار صرحا تلو الآخر. وأخذ النور يغزو الأفئدة حتى أتى سيدنا موسى وسيدنا شعيب عليهما السلام وأخذا في توحيد الباري لا شريك له. وقد لخّصا معالم الطريق لعبادة رب العالمين العشر نقاط؟ فتبخّر الضد بهذه النقاط كافية لتنقية العقول وتبديد ظلامها وجعل البشرية تنعم بسلام دائم فثار "الضد" غضبا دون هوادة، واخذ يصبّ جام غضبه على الإنسان الذي اختار طريق الخير ونبذ طريق الشر. فأخذ الضد يزيّن الرذيلة ويحط من قدر الفضيلة مستخدما الأجساد القذرة والأرواح الزاحفة نحو المواخير والعقول المتحجرة، فكان سلاح الضد قويا تجاه تعاليم سيدنا موسى الرامية إلى تحريم الزواج من الأم والأخت وبنت الأخت وبنت الأخ إلى آخره من المحرمات كي يتم تثقيف النفوس أخلاقيا ويقوم بهذه الثورة المدمرة والتي بموجبها كاد أن يستعيد بعض أعوانه مما حدا بسيدنا موسى أن يتنازل عن بند واحد وهو تحليل الزواج من بنت الأخت وبنت الأخ، فهدأت الثورة على مضض، وأخذ كل منهم يجمع أعوانه ، ذاك في تفشي الرذيلة وذاك بالردع عنها وأخذت الطهارة تتأرجح بين التأييد والرفض.
وبقي هذا الصراع قائما إلى أن أتى سيدنا (عيسى ابن مريم) (ص) الذي أعاد تحريم الزواج حتى من ابنة العم.  
وقد اعتبرها الشقيقة من الدرجة الثانية وأضاف إلى معالم طريق الخير مبدأ التسامح حتى مع الذين لا ضمير لهم. فإذا صفعك على خدك الأيمن فدر له الأيسر ليصفع ثانية عله يصحو ويرتدع. فيبقى هذا التسامح عنده فضيلة فكثرت أعوان الله وتضاءل أعوان الضد وبغم كل ذلك بقيت عبادة الأوثان قائمة إلى أن أتى سيدنا محمد (ص) بالقرآن الكريم وسورة الشمعة بالإيمان ووحدانية الباري ومعها معالم واضحة لطريق الحق والعبادة متمما موضحات لما سبقه من كتب سماوية. وعمّت عبادة الرحمن تارة بالإقناع وتارة بالقوة وأخذت هذه المعالم تتفرع وتتوضح وتتبلور وتتوضح في رسائل فلسفية تدخل العقل وتنوّره وتجعله سيد المخلوقات ومن نوره الشعشعاني جعل الإنسان يرى الباري عز وجل موجود في كل الوجود. وشعر العقل بالمسئولية الكبرى الملقاة على عاتقه، وخاصة عندما تترك له الخيار بين طريق الخير وطريق الشر. فإذا أحسن الخيار يمكنه العبور والنجاة من مزالق هذه الدنيا الفانية إلى دنيا البقاء التي لا يقطنها إلا المتقون الصالحون ويبقون فيها خالدين. وعندما ظهرت هذه الرسائل للوجود وسُميت (الحكمة) لما فيها من فلسفة باطنية وتمحيص نوراني في توحيد الباري والتي لا يعلم مضمونها إلى الحكماء والراسخين بالعلم، فما كان من إبليس اللعين  لى أن ثار هذا الكتاب وهذه الأفكار النيّرة التي بموجبها إذا فسرت تفسيرا صحيحا وعمل بها الإنسان سوف ينجيه الباري من عذاب الدنيا والآخرة. حيث بها توضيح مبين لوحدانية الباري.
فاستاء الضد واستعان مع كافة أعوانه وشنّها حربا عشواء على كل من آمن في هذه الرسائل وكانت حربا على مراحل وقد سميت محن لضراوتها . وكان أشدها ضراوة "محنة أنطاكية " وقد قيل يومها أن القابض على دينه كالقابض على الجمر الملتهب. وكانت هذه المحنة آخر المحن وبها انتهى التكبل بالأقمصة وحل مكانها التشويق للرذيلة وترك الفضيلة . وكان امتحان ليس فيه تكافؤ فأفكار الموحدين مشوشة والرادعين قلة وكذلك العلماء والفقهاء وقد قيل العلم الناقص أشد خطورة من الجهل. وقد حكم الضد الترغيب والرذيلة حتى كاد بأن لا يفلت من شباكها إلا المتقون الراسخون بالإيمان.
وها نحن الآن في ساحة الصراع التي يعلو عجاجها لدرجة يكاد يفقدنا قوة البصر والصراع واقع الآن بين العقل والنفس الذي زيّن لها الضد طريق الغواية الملتوية. وحبّبها بالغرور ومشتقاته وبالفجور وأعوانه ووضع العقل بين  اختيار صعب: بين الخير المؤدي للراحة في جنات النعيم وبين الشر المؤدي للهاوية في جهنم وبئس المصير ويبقى فيها خالدا مع الكافرين. وفي وسط هذه المهاترات والحيرة والقلق نسمع هاتف من وراء الغيب يناجي الضمائر قائلا : يا أيها الموحد قد حملناك الأمانة فقبلتها وبصمت على قبولها وبلغناك مائة وإحدى عشرة رسالة أرسلناها إليك لتسمو بها وتبقى بين يديك سلاحا قويا تدافع بها عن نفسك حتى تبلغ أربك فتركتها وتنكرت لها وأصبحت أعول بدون سلاح. بينما إخوان الشر متربصون بم في كل مكان موصودون عليك طريق الخلاص. وقد أبعدت عند الرفيق الأمين والنور الكاشف وأنت أمامك مطبات عديدة. وأن الباري يحصي عليك حركاتك وسكناتك وأقوالك وأفعالك.
 فاذكر يا أخي الموحد بان الباري قد قال " من يعمل مثقال ذرة خيرا يرى ومن يعمل مثقال ذرة شرا يرى" وأن الساعة آتية لا ريب فيها ولا معقب عليها وتكون النهاية: الجنة للمتقين وجهنم مثوى المتكبرين الفاسقين. فلا تنسى يا أخي بأن الباري عز وجل قد حدد طريق الهداية ونوّر عقولنا لنبتعد عن طريق الغواية. لماذا نهوي طريق الضلالة وننزلق فيها تحو الفجور ونغفل عن نداء الباري ونتعامى عن طريق العفة ونتبع شهواتنا وننزلق في الطريق الملتوية ونصم آذاننا عن سماع (رأس الحكمة مخافة الله)؟ فهل نضحي بالقيم الناجية والرابط الشريفة لأجل مراضاة نزوات جسدية زائلة ونحمل أنفسنا أخطاء فادحة متناسين عبرة التاريخ وما أصاب (صدوم وعامورة) متناسين مواعظ تكرم بها مشايخنا الأتقياء  وكل هدفهم خدمة الإنسانية مرددين أقوال الله (الخلق كلهم عبد الله وأحبهم إليه أكرمهم إلى عياله" فلا تنسى أخي الموحد بأن ذاتية الإنسان إذا قامت على الغش وشيدت دعائمها على الخداع وزينت جدرانها بألوان المادة الخادعة. فلا بد لها من التردي والانهيار. وقد سئل أحد المشايخ الأتقياء عن الحلال والحرام قائلين بأنهما متساويان : فالحلال يذهب والحرام يذهب : أجاب الشيخ : نعم الكل يذهب ولكن الحرام يذهب بأهله. فالبنيان الذي قوامه تقوى الله وصدق اللسان وحفظ الإخوان يبقى أبدا الدهر ويدخل التراث وتتناقله الأجيال فيبقى سؤال:
هل ينتصر الشر على الخير لا سمح الله؟ هل تنتصر الرذيلة على الفضيلة وتتقهقر  البشرية عائدة نحو الجاهلية. هل يغضب الباري ويرمي البشرية في طوفان ثاني ليطهر الأرض من رجس الإنسان وكفره؟ اللهم استغفرك إن إيماني راسخ بأن الساعة آتية لا ريب فيها. وكل ما أتيت به ما كانت إلا افكار ظنية ليس قطعية. إن الباري وحده الحاوي مفاتيح الغيب وما أتيت به مجرد تذكير وتخمين وتنبيه من الآتي. فإنني اعتبر نفسي مقصر من الخوض والكتابة عن مذهب التوحيد، مذهب جل جلاله الخالق ذات النور الشعشعاني الذي تكاتفوا حساد معتنقيه وشنوها حربا طاحنة لعدم تمكنهم من الدخول في حرمه الشريف حيث محذور إلا لمن اسلم روحه وولده أامواله وكل ما يملك لمولانا الباري عز وجل ذكره. طائعا مختارا وقلبه عامر في صدق اللسان وحفظ الإخوان.

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.