spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 43
المرحوم الشيخ قفطان حلبي
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
سيدنا عمّار بن ياسر طباعة ارسال لصديق
بقلم الأستاذ مالك صلالحة
لقد خرج والد عمار (ياسر بن عمار) من بلدة اليمن ليبحث عن أخيه، فوصل به الترحال إلى مدينة مكة المكرمة، وهناك طاب له المقام، فاستوطن فيها محالفا أبا حذيفة من المغيرة ، فقام أبو حذيفة وزوّجه إحدى أمائه (سمية بنت خياط) ، ومن هذا الزواج المبارك رزق الله هذين الأبوين الفاضلين الصحابي الجليل سيدنا "عمار" وقد كان إسلامهم جميعا مبكرا شأن الأبرار الذين هداهم الله.
وكشأن كل الأبرار المبكرين في الإسلام نالوا نصيبهم الأوفى من عذاب قريش وأهواله حيث كان المؤمن من الذين لهم شرف ومنعة في قريش تتولاه قبيلة قريش بالوعيد والتهديد ويشنون عليهم حرب أعصاب حامية، خوفا أو تفاديا لنقمة أقربائهم، أما إذا كان المؤمن من ضعفاء مكة وفقرائها أو عبيدها فقد كانت قريش تصليهم وتذيقهم الأهوال وصنوف العذاب وقد كان آل ياسر من هذا الفريق وقد أوكلت قريش أمر تعذيبهم إلى بني مخزوم، حيث كانوا يخرجونهم جميعا إلى مضاء مكة الملتهبة ويصبون عليهم من حجيم العذاب الوانا وفنونا.
(وقد كان نصيب سمية (والدة عمار) من ذلك العذاب فادحا وهيبا ومن الجدير بالذكر أن سمية الشهيدة وقفت يوم ذاك موقفا يمنح البشرية كلها من أولها على آخرها شوفا لا ينفذ وكرامة لا ينصل بهاؤها).
إن هذه التضحيات النبيلة الهائلة هي الخرسانة التي تهب العقيدة والدين ثباتا لا يزول وخلودا لا يبلى. وهكذا لم يكن هناك بد من أن يكون للإسلام تضحياته وضحاياه) وقد نوّه القرآن الكريم بهذا المعنى في أكثر من آية مذكرا المسلمين بقوله "
" أما حسبتم أن تدخلوا الجنة.. ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ويعلم الصابرون".
و "وما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب"
فعلى هذا المنوال علم القرآن أتباعه وحملته أن جوهر الإيمان هي التضحية... وقد كان لسيدنا عمار والديه الشرف الكبير بأن اختارهم الله ليصوغوا من تضحياتهم وثباتهم وإصرارهم وثيقة عظيمة للإسلام وخلوده.
فقد أصابهم على يد المشركين أيما تعذيب. عذابا لا طاقة للبسر بحمله او تحمله.
وفي إحدى المرات بينما كان الرسول (ص) يزروهم ناداه عمار رذي الله عنه :"يا رسول الله لقد بلغ العذاب كل مبلغ".
فناداه الرسول : " صبرا أبا اليقظان ، صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة".
وقد روى العديد من الأحاديث حول صنوف العذاب وأهواله من تلك التي لاقاها آل ياسر - فقد جاء على لسان عمر بن الحكم (كان عمار يُعذب حتى لا يدري ما يقول). ويقول عمرو بن ميمون :" أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار - فكان رسول الله صلعم يمر بع ويملي يده على رأسه ويقول : يا نار كوني بردا وسلاما على عمار - كما كنت بردا وسلاما على إبراهيم"
ويروى أنه في إحدى المرات تفنن المشركون في عذابه حتى فقد وعيه، وأجبروه أن يذكر آلهتهم بالخير - دون أن يدري، فلما فاق من غيبوبته هاله ما فعل، وندم شر الندم، فضاقت به الدنيا ولولا نزول الآية الكريمة لكان في قتل نفسه من كثير الغم والهمّ. تلك الآية التي طمأنته وزادت من ثبات عزيمته وإصراره وصموده حتى صار مضربا للمثال. تلك الآية التي تقول :
"إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان". وقد أعيى ثبات وصمود عمار جلادين وارتدوا أمام إصراره صاغرين.
وقد كان رسول الله(صلعم) يحبه حبا عظيما ويباهي أصحابه بإيمانه وهديه حيث كان يقول : إن عمارا مليء إيمانا إلى مشاشته أي على ما تحت عظامه.  وقد تحمّل عمار كل العذاب إلى أن دنت ساعة الخلاص حيث أمر الرسول بالهجرة الأولى على الحبشة ثم الثانية إلى المدينة. ولما استقر المسلمون في المدينة كان لعمار بينهم مكانا عليا، ومما يشهد على ذلك هذه الحادثة:
"في إحدى المرات وقع خلاف عابر بين خالد بن الوليد وبين عمار، فوصل الخبر إلى الرسول وقال لخالد (من عادى عمارا عاداه الله، ومن أبغض عمارا ابغض الله) فلم يكن أمام خالد بن الوليد بطل الإسلام إلا ان يسارع إلى عمار معتذرا إليه وطامعا في صفحه الجميل.
ومن الأحاديث التي رويت عن مدى حب الرسول لعمار أنه كان كلما سمع صوت عمار مقتربا من منزله يقول :" مرحبا بالطيب المطيب ائذنوا له".
وكان يقول :" إن عمار جلدة ما بين عيني وأنفي", ذلك من كثرة حبه له. فإذا أحب رسول الله مسلما إلى هذا الحد فلا بد أن يكون إيمانه وبلاؤه وولاؤه وعظمة نفسه ، واستقامة ضميره زنهجه قد بلغت المدى وانتهى على ذروة الكمال الميسور... وكذا كم كان عمار."
وقد بلغ سيدنا عمار في درجات الهدى واليقين أعلى المراتب، مما جعل الرسول يرفعه بين اصحابه قدوة ومثلا فيقول :
"اقتدوا بالذين من بعدي، ابي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمار". فتعالوا نرى كيف سارت حياة هذا الصحابي الجليل والحواري المخلص والمؤمن الصادق والفدائي الباهر.
فقد شهد عمار مع رسول الله كل الغزوات والمعارك بدءا ببدر وأحد والخندق وتبوك حتى وافت المنية رسول اله حيث تابع مسيرة الجهاد من بعده حاملا لواء الإسلام بكل إيمان وإخلاص، حيث واصل هذا العملاق زحفه مع جيوش المسلمين لملاقاة الفرس والروم وقبل ذلك جيوش الردة "حيث كان دائما وأبدا في الصف الأول جنديا باسلا أمينا، ى تنبو لسيف ضربة ومؤمنا جليلا ورعا لا تأخذه عن الله رغبة"
ولما ولاه عمر بن الخطاب الكوفة ، (لم تزده الولاية إلا تواضعا وورعا وزهدا) ومن بطولاته التي لا تحصى هذه البطولة التي رويت عنه في يوم اليمامة حينما خرج المسلمون لمقابلة مسيلمة الكذاب، إذ كان يوما من أيام عمار المجيدة والكثيرة إذ انطلق هذا العملاق في استبسال عاصف يحصد جيش مسيلمة الكذاب ويهدي إليه المنايا والدمار.
فكان كلما شعر فتورا في المسلمين او تراجعا أرسل بين صفوفهم صياحه المزلزل (يا معشر المسلمين أمن الجنة تفرّون  أنا عمار بن ياسر هلموا إلي" فكانوا ينطلقون إليه كالسهام المقذوفة، حتى تم انتصار المسلمين وتوحدت الصفوف لمواجهة الخطر الأكبر الفرس والروم لاستتمام المسيرة.
وفي هذه الأثناء قُتل عثمان فبويع علي الخلافة فقام معاوية ينازعه الخلافة، غلا أن عمار كان يعرف أن الحق كل الحق بالخلافة هو لعلي. وليس معاوية سوى طامعا في الملك، فوقف على جانب علي يناصره جهارا لعلمه أن علي صاحب الحق الأوحد في الخلافة. وقد فرح بنصرته فرحا عظيما، فرحا لم يفرح مثله ابدا وكيف لا يفرح وكيف لا يزيد إيمانه بنفسه أنه على حق... ما دام رجل الحق العظيم (عمار) قد اخذ مكامة على جواره وهو الرجل الذي قال عنه الرسول صلعم:
" واهتدوا بهدي عمار" و" ومن عادى عمار عادى الله ومن أبغض عمارا أبغض الله" وحين وقع الخطر ونشبت الفتنة كان عمار" يعرف مكانه فوق يوم "صفين" حاملا سيفه وهو ابن 92 لينصر به حقا يؤمن به. حقا يؤمن بوجوب مناصرته حيث أخذ الراية بيده ورفعها فوق الرؤوس عالية خفاقة، وصاح في الناس قائلا :" والذي يبده لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وها أنذا أقاتل به اليوم ، والذي نفسي يبده لو هزمونا حتى يبلغوا سعفات هجر لعلمت أننا على الحق. وأنهم على الباطل". وقد كان لوقع هذه الكلمات في النفوس الأثر الكبير في نفوس أتباع علي حيث آمنوا بصدق كلمات عمار فتبعوه.
وقد كان عمار يجول ويصول في المعركة وهو مؤمن أنه سيكون واحدا من شهدائها. وقد كانت نبوءة الرسول تتراءى أمام عينيه بحروف كبيرة (تقتل عمارا الفئة الباغية) ومن أجل هذا كان صوته يجلجل في أفق المعركة بهذه التغريدة:
" اليم ألقى الأحبة محمدا وصحبه" وقد حاول رجال معاوية تفاديه وتجنبه ما استطاعوا حتى لا تقتلع سيوفهم فيتبين للناس أنهم الفئة الباغية التي قال عنها الرسول صلعم بيد ان شجاعة عمار الذي كان يقاتل وكأنه جيش لوحده، افقدتهم صوابهم فأخذ بعض جنود معاوية يتربصونه حتى غدروا به فقتلوه رحمه الله.
وقد كان حينذاك ابن الثالثة والتسعين يخوض آخر معارك حياته ببسالة شامخة منقطعة النظير ملقنا الحياة قبل رحيله عنها آخر دروسه في الثبات على الحق، تاركا لها آخر مواقفه العظيمة الشريفة المعلمة.
وبقتله عرف الناس من تكون الفئة الباغية، إنها فئة معاوية الأمر الذي جعل أصحاب علي وشيعته يزدادون إيمانا بحق علي بالخلافة.
أما عمار فقد حمله الإمام علي فوق صدره حيث صلى عليه والمسلمون معه ثم دفنه بثيابه.المضمخة بدمه الزكي الطهور، وكيف لا فكل حرير الدنيا وديباجها ما يصلح أن يكون كفنا لشهيد جليلي، وقديس عظيم من طراز عمار. ووقف المسلمون يعجبون ويتساءلون هل مات عمار حقا؟ وهو الذي كان منذ ساعات يغرد بينهم فوق أرض المعركة " اليوم ألقى الأحبة محمدا وصحبه" أكان معهم اليوم على موعد يعرفه وميقات ينتظره حيث قال أحدهم لصاحبه "أتذكر أصيل ذلك اليوم بالمدينة ونحن جالسون مع رسول الله صلعم حيث تهلل وجهه فجأة وقال : "اشتاقت الجنة لعمار" إذن فالجنة كانت مشتاقة لعمار وإذن فقد طال شوقها إليه.
وحين كان تراب قبره يسوى بيد أصحابه فوق جثمانه كانت روحه تعانق مصيرها السعيد هناك في جنات الخلد التي طال شوقها لعمار.



المصادر
1-    رجال حول الرسول - خالد محمد خالد
2-    سلمان الفارسي - محمد جود الفقيه
3-    أبو ذر الغفاري - عبد الحميد جودت السحار
4-    تاريخ الخلفاء - السيوطي جلال الدين
 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.