spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 121
من أمجاد الجبل الأشم: سلطان باشا والتنك
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
الدور القيادي للدروز في لبنان طباعة ارسال لصديق
بقلم الأستاذ حسين بركات
فصل من كتاب بعنوان "الدور القيادي للموحدين الدروز في لبنان" تأليف الأستاذ حسن صالح بركات، بيروت ، 1986.


Image

وفي ختام هذا العرض التاريخي للمراحل الني مر بها دور الدروز القيادي ، يمكننا أن نستخلص الحقائق التالية:
1-    إن الدروز ينتسبون جميعا إلى أعرق القبائل العربية كلخم وتنوخ وتغلب وعزام. وكل ما كتبه بعض المؤرخين ، سواء عن قصد أم عن غير قصد (عن أن الدروز هم من سلالة جنود الكونت الفرنسي دوركس، الذي وصل إلى جبال لبنان خلال الحملات الصليبية، وبأن فخر الدين الثاني هو الحفيد الممتاز للسيد جوردفري، قائد الجيوش الصليبية، أو كما أكد الانجليز في رواياتهم التاريخية ، بأن الدروز هم أحفاد الملك الانجليزي الذائع الصيت ريتشارد قلب الأسد) هو تشويه وتزوير للأصل العربي للدروز، وقد الغربيون من ورائه استمالة الدروز إليهم، في وقت كان هؤلاء يشكّلون قوة عسكرية رئيسية في الجبل، وهناك إثباتات كثيرة تؤكد أصالتهم العربية وعراقة دمهم وهم يعتزون بعروبتهم حتى أنهم غيروا اسم جبل الدروز إلى اسم جبل العرب، إمعانا في عروبتهم.
2-    فبالرغم من اختلاف الكتابات حول زمن وطريقة مجيئهم إلى الجبل (سواء كان ذلك مع القائد بومبي سنة 64 ق.م. أو قبل الفتح العربي أو مع الفتح الإسلامي، كما ذكر الأشرفاني أو في عهد الخلافة العباسية) تؤكد هذه الكتابات بأن الهدف الوحيد من مجيئهم كان الاستيطان وغعمار حبال وسواحل لبنان الغربية، وتركيز الوجود العربي فيها، وثم حمايتها من الهجمات البيزنطية من جهة البحر، وهجمات المردة الموالين لهم من ناحية الشمال.
3-    إن الدروز وعلى مر التاريخ بقوا أوفياء لهذا الدور العربي المناط بهم (سواء كان قبل دعوة التوحيد الدرزية، أو بعدها) وحاربوا كل أجنبي سوّلت له نفسه دخول مناطق تواجدهم، وحتى لو كانوا صليبيين، حدث ذلك في وقت زادت فيه الفرقة السياسية للمسلمين والعرب. وانفرد الدروز في قتالهم.
4-    إن فكرة الكيان اللبناني العربي المستقل ذاتيا (والقائم على التسامح والمحبة والعدل والمساواة والحاضن جموع أبنائه دون أي تمييز طائفي ، والطامح في التعاون مع العرب ، للاستفادة من منجزاتهم العلمية والعمرانية وبطلب عونهم إذا دعت الحاجة ضد الأخطار الخارجية المحدقة بهذا الكيان) هي وليدة الأمير فخر الدين المعني الكبير.
5-    تعتبر شخصية فخر الدين الثاني مثالا للحاكم الوطني اللبناني فهو الذي شجّع انتقال الموارنة من الشمال والكاثوليك من سوريا إلى الأمارة الدرزية، وضمن لهم العيش الحر الكريم، وأقام لهم الكنائس والأديرة وحفظ لهم الحق بإقامة شعائرهم الدينية، وتسامح مع الإرساليات الأجنبية بشكل عام، ومع الآباء الكبوشيين بشكل خاص، حيث قدّم لهم الأراضي فبنوا الأديرة والمعاهد، وكذلك بعث التلاميذ إلى روما ليتعلموا اللغات الأجنبية والعلوم العالية وثم يعودون إلى لبنان فينشرون ما تعلموه.
6-    إن الكراهية الحزبية، والتي سادت مع الأسف في صفوف الدروز، كانت إحدى العوامل الهامة التي ساعدت على انتقال زعامة الأمارة الدرزية إلى الشهابيين السُنّة، وفي ظل إمارة هؤلاء نمت وبتحريض منهم هذه الكراهية حتى وصلت إلى حد القتال بينهم فكان ذلك مؤشّرا لإضعافهم وتقلص دورهم، وهجرة بعضهم إلى خارج الإمارة ثم تبع ذلك إضعاف دورهم القيادي.
7-    يعتبر الصراع الذي عُرف تاريخيا بصراع البشيريْن وانتهى بمقتل الشيخ بشير جنللاط سنة 1240 هجري - 1824م مقدمة لانحسار دور الدروز القيادي، وكذلك مقدمة للفتن الداخلية التي بلغت أقصاها سنة 1860. وخلال هذه الفترة المريرة من تاريخ لبنان اعتبر المسيحيون بشكل عام والموارنة والكاثوليك بشكل خاص هم البادئين في الفتن وهم المسؤولين مع أميرهم بشير الثاني عن إدخال الإمارة في حرب الصراع على النفوذ بين الدول الأجنبية والسلطنة التركية، وكذلك عن بذر النقرفة الطائفية والنعرات المذهبية. ونجتزئ بعضا من الشهادات التي تؤكد ذلك.
-    قال تشرتشل في مذكراته ص 159 :" كانت حالة الموارنة بين الدروز حتى الحركات أحسن مما كان منتظرا في دولة محمدية. وكان الدروز يفضلون الموارنة ويرونهم أكثر نشاطا وذكاء في الزراعة من أبنائهم فاقتنوا الأملاك وعمّروا القرى، واشتركوا مع الدروز في رياضهم حتى أن بعضهم صار أغنى من موارنة الساحل والمدن. ولكن اتصالهم بالفاتيكان وملوك فرنسا الذين أظهروا حمايتهم لهم قد قوّى عزائمهم فتوترت العلاقة بينهم وبين الدروز.
-     أما المطران عبد الله البستاني فقال في كتاب ثورة وفتن في لبنان ص 10 ما يلي :" إن حبنا لفرنسا واستعانتنا بها هما اللذان جلبا علينا هذه المصائب والبلايا.
-    أما أمين الريحاني فأرجع أسباب الحوادث الطائفية إلى مساعدة الموارنة لإبراهيم باشا ضد الدروز. وجاء ذلك في كتاب "النكبات في لبنان" ص 147.
-    وكذلك أكد كمال صليبي في كتابه "تاريخ لبنان الحديث" ص 103 بدء النصارى بالهجوم على الدروز.
-    لقد سجّل المسيحيون خلال أعوام الفتنة ظاهرة خطرة استمروا في الدروج عليها حتى اليوم، وهي الاستعانة بأية قوى خارجية ضد مواطنيهم الدروز في الإمارة ، فاستعانوا بالولاة العثمانيين ثم بالمصريين ثم بالفرنسيين الذين بيّت الدروز لهم كرها شديدا بالرغم من أنه لقرن مضى كان الفرنسيون كما رأينا سابقا معجبين بالدروز، وتواقين لاجتذابهم غليهم من خلال الادّعاء بالقربى الدموية أما الدروز فبالرغم من المكاسب العسكرية التي حققوها خسروا معظم قاداتهم وافتقروا وتشرّد فسم منهم ورحل الكثيرون إلى جبل حوران واضطر بعضهم إلى بيع أملاكه وزاد التدخل الأوروبي الموالي للمسيحيين، وكل هذه العوامل حرمت الدروز من تحقيق مكاسب سياسية، موازية لمكاسبهم العسكرية. عن التعاون المسيحي - الأجنبي (وخاصة الفرنسي) الذي ظهر خلال حوادث 1860 وما قبلها تمادى المسيحيون في استغلاله، لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية ولتكريس امتيازات فئوية طائفية. وإن هذا التعاون وفر لهم خلال الانتداب ممارسة دور قيادي عملوا من خلاله على تقرير جغرافية، ودستور، ونظام الحكم في لبنان، طبقا لأمانيهم ومطامحهم السياسية، بينما الدروز القادة الوحيدون للأمارة التنوخية والمعنية، وإحدى شريكين رئيسيين لقادة الأمارة الشهابية, استغيبوا استغيابا شبه كلي عن الساحة وحشروا في إحصاء 1932 في خانة ملاصقة لخانة الأقليات السكانية في هذا البلد.
-    بالرغم من المرارة التي ذاقها الدروز على يد مواطنيهم المسيحيين المستفيدين من النفوذ الأجنبي وثم التواجد الفرنسي في لبنان، خلال الانتداب (والذي دأبوا خلاله على معاملتهم كأقلية بين اللبنانيين، وإبعادهم عن المشاركة بصنع القرارات المصيرية لهذا البلد، كالميثاق الوطني وغيره، وكذلك سلبهم البقية الباقية من دورهم القيادي) بقوا أوفياء لهذا الوطن، عاملين مع المخلصين من ابنائه، على إقامة صرحه تبعا للروحية السياسية التي تحلوا بها خلال ممارستهم لدورهم القيادي أيام الإمارة المعنية، وتحديدا من خلال شخصية أميرها فخر الدين الثاني.
-    ولقد أكد زعمائهم خلال فترة الاستقلال هذه الروحية في أكثر من مناسبة، فصرّح الأمير مجيد ارسلان في حملته الانتخابية في صيف 1942 أن الهدف الأسمى الذي ينشده الدروز هو أن يعيش الدرزي مع إخوانه اللبنانيين المسيحي منهم والشيعي والسني في صفاء ووئام، وتخفق قلوبهم بحب وطن واحد هو لبنان.
-    أما كمال جنبلاط لم يكتف بالقول وإنما عمل خلال حياته السياسية كلها (سواء أكان من خلال ميثاق حزبه التقدمي الاشتراكي أو من خلال خطبه وكتبه وكذلك من خلال نهجه في السياسة اللبنانية) لإقامة لبنان العلماني المتجرد عن الطائفية وامتيازاتها، واعتبره هو ذا لبنان الوحيد القادر على البقاء.
-    وكذلك دأب سماحة الشيخ محمد ابو شقرا شيخ عقل الطائفة سواء قبل أحداث الجبل أو خلالها أو بعدها على الإلحاح بالمطالبة بتحقيق العدل والمساواة وعدم أفضلية الطوائف اللبنانية الواحدة على الأخرى لأنها كلها لبنانية.
-    أما الشهادات غير الدرزية فهي كثيرة ايضا تؤكد جميعها على وفاء الدروز للبنان وأهمية دورهم ولا يتمكن أي فريق من إنكار هذا الدور. ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر قول د. عمر فروخ حيث قال :" لا يستطيع أحد أن ينكر أن التاريخ على الشاطئ الشرقي من المتوسط في القرنين السابع عشر والثامن عشر كان يدور في لبنان وأن تاريخ لبنان في ذينك القرنين كان تاريخ الدروز. ثم أن  الدروز لم يتركوا مسرح التاريخ لا في القرن التاسع عشر ولا في القرن العشرين.
-    وكذلك كتب فاضل سعيد عقل في جريدة البيرق مقالا نوّه به بدور بني معروف فر إنقاذ لبنان عام 1958. وكذلك كرر المقال على أهمية وفاء الدروز كضمانة لاستمرار الاستقلال.
-    إذا كان عهد الاستقلال شهد بدء استعادة الدروز لدورهم القيادي (فبكل تواضع، وإذا جاز لنا إبداء الرأي) فتُعتبر إطلالة كمال جنبلاط على مسرح السياسة اللبنانية في مطلع هذا العهد، نقطة البدء بالنسبة لهذه الاستعادة، فشخصيته بحد ذاتها (مما جمعت من انتماء درزي وحس وطني وفكر تقدمي عروبي) تعتبر تحولا تاريخيا في عمر الدروز ودورهم التاريخي. فكان كمال جنبلاط قائدا لبنانيا وعربيا فذا أعطى الدروز الكثير من العزة السياسية والمعنوية في تاريخهم المعاصر ومعمل من خلال مؤلفاته على تفسير نصوص الحكمة الشريفة وإظهار الجوانب الروحانية التي تتضمنها وعرّف بالدروز في كل محافله وانبرى مدافعا عنهم في وجه المتجنين على إسلاميتهم وعروبتهم ووطنيتهم وحقيقة معتقداتهم. ولم ينحصر دور كمال جنبلاط ضمن الإطار الدرزي واللبناني فقط، بل تجاوز ذلك من خلال نضاله السياسي الواعي إلى نصرة القومية العربية وتأييد الثورات التحررية والمشاريع الوحداوية العربية، ودعم الحق العربي في فلسطين، لذلك أصبح في عداد القادة العرب التاريخيين وكذلك من خلال ميثاق حزبه (الحزب التقدمي الاشتراكي) الذي صاغه بنفسه وأعلن تأسيسه في الأول من أيار 1949 آمن بالاشتراكية ونشط لصياغة أيديولوجيا لها، تتلاءم مع أماني وتطلعات بلدان العالم الثالث فلذلك كانت له صلات واسعة ووثيقة مع الأحزاب الاشتراكية العالمية ومع حركات التحرر العالمية. وإن هذا الدور استُكمل في ظل زعامة نجله وليد جنبلاط الذي دأب منذ توليه القيادة بعد استشهاد والده في 16 آذار 1977 على جمع شمل أبناء طائفته الدروز ورص صفوفهم وتقوية البنية العسكرية لحزبه وتمتين علاقاته مع القوى الوطنية اللبنانية وتعزيز صداقته العربية والدولية وكأنه مدرك بأن حرب الجبل قادمة... وأن الانتصارات التي تحققت خلال معارك تلك الحرب كرّسته زعيما درزيا قياديا وشخصية وطنية وعربية فذة. وبالتالي مساهمته بالتربع على كل طاولة مفاوضات تناقش جذور الأزمة اللبنانية وتعالجها وتحاول وضع مسودة للبنان الغد مهما كان حجم الجالسين على هذه الطاولة أيا كان زمانها ومكانها وجنسية المتحلقين حولها أما بالنسبة لمعارك الجبل المنتصرة تحديدا فيمكننا أن نستنتج بعض هذه النتائج:

-    أ- إن إصرار القوات اللبنانية والمارونية السياسية على قهر الجبل دليل واضح على أهميته وأهمية ما اضطلع به أبناؤه الدروز، من دور وطني وعربي خلال التاريخ عامة وخلال الأزمة اللبنانية خاصة.
-    ب -  إن الانتصارات التي حققها الدروز أذهلت العالم وأعادت إليهم اهتمام الدول الكبرى المعنية بالأحداث اللبنانية، ولربما اقتنعت هذه الدول بأن الدروز هم إحدى الطوائف الرئيسية الأصيلة في هذا البلد.
-    ج - ثبت بأن النعرة الجنبلاطية - اليزبكية التي حاولوا إذكاء نارها خلال الوجود الإسرائيلي في الجبل هي طريقة قديمة مع الزمن، ومنذ ما يزيد على المائة سنة، لم يشهد الدروز صراعا عسكريا داخليا مرتكزا على أساها، بل العكس هو أن هذه الأحداث الأخيرة زادت من لحمة الدروز والتفافهم حول زعامتهم السياسية والدينية.  
-    د - إن الانتصارات العسكرية التي أحرزت استكملت استعادة الدروز بحيث بات واضحا ، لا يمكن لأي فريق أن يتجاهل هذا الدور، وخاصة في مجال المشاركة في صنع لبنان الغد. وبرز ذلك واضحا من خلال مشاركة الأستاذ وليد جنبلاط الفعالة، في مؤتمرات الحوار الوطني في جنيف، ولوزان وكذلك من خلال المشاركة كطرف من ثلاثة صاغوا ووقعوا الاتفاق الثلاثي في دمشق.
-    ذ - أثبت الدروز ( وكما في كل الأحداث التاريخية السابقة) بأن أصالتهم العربية وكرامتهم الوطنية وحبهم لوطنهم وتعلقهم بأرضهم والحفاظ على عرضهم وعنفوانهم وعزة أنفسهم وصيانة مذهبهم وخلواتهم وحق ممارسة شعائرهم الدينية الإسلامية والحصول على حقوقهم المواطنية والوطنية هي ثوابت كصخر الجبل الأشم، لا يمكن لأحد أن يلمسها او يهدد كيانها أو يتجاوزها أو يحاول تجاهلها وأن طموحاتهم السياسية لا تغدو أكثر من الحلم بوطن لبناني ديمقراطي (يتساوى فيه كافة مواطنيه من حيث الحقوق والواجبات، وترفع حواجز الامتيازات) مستقل كامل الاستقلال السياسي والاقتصادي عربي (من حيث الثقافة والحضارة والسياسة والموقف) يطمأنون داخله بأن المسلمات الآنفة الذكر هي مصانة ومحفوظة وفي مأمن من غدر الغادرين مع مجريات الزمن.
وختاما كم أتمنى بأن تكون قد توصّلنا (من خلال هذا البحث المسهب) إلى تقديم صورة صحيحة عن الدروز، وحقيقة الدور الذي مارسوه خلال فترات من تاريخهم وأنه نتيجة لمعارك الجبل المنتصرة استكملوا دورهم القيادي الرائد على الساحة اللبنانية والذ1ي سبق لأسلافهم الموحدين أن قاموا به. وكذلك بالمناسبة أتوسل لله ككل معروفي بأن يمد الله بعونه قادة هذه الانتصارات واستثمارها في مكاسب سياسية ودستورية، تعيد إلينا بعضا من حقوقنا التي سحبتها الامتيازات من أمامنا. وكذلك أتوسل لله بأن يبعد عن هذه الطائفة شر أي لعبة دولية، كالتي حدثت 1860 والتي حرمت الدروز من أية مكاسب سياسية توازي مكاسبهم العسكرية على الأرض.

والله ولي التوفيق
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.