spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 1
القرى الدرزية في الكرمل
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
كلمة العدد: الانتفاضة الكبرى طباعة ارسال لصديق
مرة اخرى تهب الطائفة الدرزية بشبابها وشيوخها لتصد عدوانا جديدا عليها. حدث ذلك أكثر من مرة في القرن العشرين في جبل الدروز في سوريا وحدث ذلك عدة مرات في القرون السابقة في سوريا ولبنان. يشهد التاريخ وتشهد سجلات أعداء الدروز أنه ما من مرة كان فيها الدروز معتدين وكل حرب اشتركوا فيها الدروز كانت بسبب اعتداء عليهم أو مؤامرة حيكت ضدهم فمن طبيعة الدرزي ومن صميم تعاليم دينه أنه لا ينوي الشر لأحد فهو يعيش في فناء داره وفي قريته وجبله حياته الخاصة يعامل جيرانه بالرفق والحسنى ويمد لهم يد المساعدة إن احتاجوا، لكنه لا يهاجم أحدا ولا يطمع في احتلال أو استعباد أو تهجير. هكذا عاش الدروز خلال ألف سنة في معاقلهم دون أن يتعرّضوا لأحد ولكنهم أصبحوا أسودا كواسر حينما حاول غريب الاعتداء عليهم سواء كان ذلك حاكما مستبدا أو مستعمرا غاشما أو اي جماعة من ذوي الأطماع.  وكان النصر في الغالب حليف الدروز رغم قلة عددهم وضعف إمكانياتهم إلا أنهم كانوا دائما أصحاب حق وصاحب الحق لا يُهزم. ففي كل مرة حاربوا فيها كان ذلك دفاعا عن البيت والأرض ومن كانت جذوره راسخة في الأرض من الصعب اقتلاعه منها، وجذور الدروز في لبنان طولها 1200 سنة والشجرة الباسقة يمكن أن تتحمل أحيانا أعشابا متسلقة تتغذى من فضلاتها لكنها لا يمكن أن تسمح لهذه الأعشاب أن تقتلعها وتحل محلها حتى ولو وقفت معها اساطيل العالم بأسره. والدروز هم بناة لبنان وهم أسياده جاءوا إليه قبل 1200 سنة وكان خاليا معمّروه وقاتلوا من أجله البيزنطيين والصليبيين والمغول والمماليك والعثمانيين وغيرهم واندحر المستعمرون وبقوا هم طودا شامخا فسمحوا لأنفسهم أن يستضيفوا غيرهم ليعيش آمنا تحت حمايتهم، يعمل في مزارعهم ويعيش من خيراتهم لكن أن يقوم المستجير على من حماه وآواه وأن يستعين بالأجنبي لكي يطرد صاحب البيت ويحل محله فهذا أمر لا يطاق ولا يمكن أن ينفَّذ.
إن أطماع بعض العناصر المارونية في الدروز غير جديدة وظهرت منذ نهاية القرن الثامن عشر واستطاع الدروز بشكل أو بآخر أن يحافظوا على كيانهم ووجودهم وما حدث في السنتين الأخيرتين هو أن الكتائب استغلوا ظروفا دولية معيّنة وتغيرات جذرية في ميزان القوى في لبنان فكشفوا عن أنيابهم وخططوا لتهجير الدروز من معقلهم في الشوف وعاليه لكي يخلو لهم الجو ويحققوا ما يسمونه "حلم مورنة لبنان" وهبّ الدروز ليمنعوا تنفيذ هذه المؤامرة فهزموا العناصر الكتائبية من كل مكان دخلوا إليه تحت حماية غيرهم وبدأوا يطالبون بحقوقهم الشرعية في الحكم إذ ليس من الطبيعي أن تستأثر قلة من الناس بالحكم لوحدها وأن يهضم حق الأكثرية بما في ذلك الدروز.
لقد حارب الدروز بشجاعة وشرف وحافظوا على طهارة السلاح اي أنهم لم يتعرضوا للنساء والأطفال والعجّز كما فعل غيرهم، حاربوا لوحدهم ضد الكتائب والجيش اللبناني والأسطول الأمريكي ووسائل الإعلام وانتصروا بإذن الله لأنهم آمنوا بقضيتهم ووثقوا بأنفسهم وتوحدوا، فانهزم العدو من أمامهم من موقع إلى آخر يطهر براعته في النساء والشيوخ والأماكن المقدسة ويصرخ أمام العالم مستغيثا إلاّ ان القوى التي حالفته في السابق وهي مخدوعة عرفته على حقيقته فتركته بعد أن ألحق بها اضرارا كبيرة ورطها في الأوحال.
وها هي حرب الشوف على وشك أن تنتهي سياسيا بعد ان انتهت عسكريا وكل ما نأمله هو أن تحقق هذه الحرب التي ذهب ضحيتها عشرات الشهداء، المساواة السياسية في الحكم للدروز ولغيرهم وان ينعم لبنان بجميع طوائفه بالاستقرار والانتعاش والعمران.  
وهنا علينا أن نتوقف عند قضيتين هامتين تتعلقان بالحرب الدائرة في لبنان ولها تأثير كبير على تطورات الحرب ونتائجها القضية الولى هي ترجمة النصر العسكري إلى نصر سياسي، والثانية هي قضية الإعلام الدرزي.
لقد كان هم الدروز في جميع الحروب التي خاضوها في التاريخ هو رد العدوان عنهم وإزالة الخطر وإحباط المؤامرات وبعد أن تم لهم ذلك عادوا إلى عزلتهم في قراهم مكتفين بما أنجزوه ولم يفكروا بتحويل نصرهم العسكري إلى تحقيق مكاسب سياسية تعزز مكانتهم وتحسن أوضاعهم وتقوي مجتمعهم وربما قد تمنع اعتداءات جديدة عليهم. انتصر الدروز ايام إبراهيم باشا وفي حوادث الستين وأشعلوا نيران الثورة السورية ضد الفرنسيين وأطاحوا بحكم الدكتاتور أديب الشيشكلي وقدموا آلاف الضحايا والشهداء والخسائر المادية ثمنا لذلك لكنهم تخلوا بعد ذلك عن مطالب سياسية ليس عن ضعف ,غنما عن قناعة وتواضع. إلا أن أبسط قوانين الفيزياء تقول إن الطبيعة لا تتحمل فراغ وكل فراغ لا بد أن يمتلئ بشيء فإذا تخلى الدروز عن موقع أو موقف أو منصب احتله غيرهم وهو عادة لا يكتفي بذلك بل تزيد أطماعه ويحاول أن يلاحق الدروز في عقر دارهم وعندها تبدأ الحكاية من جديد. وقد تطلب هذا الوضع من الدروز ان يقفوا دائما بالمرصاد للدفاع عن معاقلهم ومراكزهم ، لأنها كانت مهددة دائما. واليوم وقد فشلت مؤامرة الكتائب بالتسلط على الشوف وعاليه وقد أعيدت القرى الدرزية التي احتلت غدرا من قِبل الغرباء مثل عبيه وكفر متى وغيرها لا يكفي أن نحافظ على الموجود ونرضى به وإنما على القيادة الدرزية أن تكون شريكة فعّالة في الحكم المركزي في لبنان وأن تأخذ حصتها في المشاريع والميزانيات التي تقدمها الدولة لكافة المواطنين لكي تحسن من أوضاع الدروز في مناطقهم وترفع من مستوى الخدمات عندهم وتعوّضهم عما لحق بهم من اضرار وخراب ودمار في الحرب التي فُرضت عليهم. وهذا ينقلنا إلى القضية الثانية المرتبطة بالحرب وهي قضية الإعلام الدرزي ضعيفا في البداية ولم يفهم الرأي العالي العالمي حقيقته ما يجري على الساحة اللبنانية ولماذا يحارب الدروز.
هكذا فهم الكثيرون أن الدروز يحاربون لأنهم أداة في يد سوريا وهذا غير صحيح وفهموا أن الخلاف ناتج عن صراع طبقي بين قوى اشتراكية وقوى يمينية رأسمالية وهذا غير صحيح أيضا وفهموا أن الدروز لا يقاتلون لوحدهم وهذا كذلك غير صحيح. وقد اتخذ العالم الغربي موقفه نتيجة فهمه الأوضاع بهذا الشكل وفي نفس الوقت قام جهاز الكتائب بعملية تضليل في المنطقة وفي العالم مدعيا الشرعية ومروّجا في العالم أن الدروز يقتلون الشيوخ والأطفال ويغتصبون النساء وينهبون البيوت والمحلات التجارية وهذا بعيد كل البعد عن الحقيقة. وقد انتبه الدروز في النهاية إلى التقصير الإعلامي فاتخذت إجراءات ومبادرات هامة وسريعة لتلافي ذلك منها افتتاح إذاعة صوت الجبل وإصدار النشرات والمجلات وإرسال المبعوثين إلى الأماكن الحساسة ليشرحوا موقف الدروز وقد لاحظنا في الآونة ألخيرة تحسنا ملموسا في الناحية الإعلامية ولكن هذا لا يكفي ومن الواجب أن تكثف الحملات الإعلامية في جميع المجالات لكي يعرف العالم الموقف على حقيقته ولكي تفند أكاذيب الكتائب وأضاليلها وليعرف الجميع من هو صاحب الحق ومن هو المعتدي.
وأخيرا لقد ثبت أن الدروز إذا توحّدوا وتكاتفوا يمكنهم أن يشكّلوا قوة عسكرية وسياسية هامة في المنطقة يمكنها أن تحقق للطائفة الدرزية مكانة مرموقة بين القوى العاملة في هذه الأرجاء. ولا يسعنا إلا أن نحيي الأستاذ وليد جنبلاط والشيخ محمد ابو شقرا وكافة المشايخ والزعماء والقادة العسكريين والشباب المقاتلين وإذا فرحنا فرحة النصر وزهونا بنشوة التحرير والخلاص فلا بد لنا ان نذكر شهداءنا الأبطال الذين ضحّوا بحياتهم لكي تنعم الطائفة بالعزة والكرامة والاستقلال فألف رحمة على الشهداء الأبرار وألف تحية إلى كل بطل في الشوف صغيرا أو كبيرا، رجلا أو امرأة وليتها تكون آخر الحروب والمحن في تاريخ الموحدين الدروز الطويل.
وإلى الأمام

دالية الكرمل – آذار 1984

سميح ناطور  
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.