spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 124
نشاطات طائفية
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
الشيخ الفاضل (ر) طباعة ارسال لصديق
بقلم الدكتور سامي نسيب مكارم
الشيخ ابو هلال محمد المعروف بالشيخ الفاضل علم من أعلام الدين والتقوى عند الدروز. ولد عام 987 ه 1579 م. في قرية صغيرة في السفح الغربي من جبل الشيخ تدعى السفيرة. وقضى معظم حياته في قرية كوكبة ابي عرب وتوفي ليلة الجمعة 22 شعبان 1050 ه (7 كانون أول 1640 م) في قرية عين عطا. وهذه القرى واقعة فيما بين حاصبيا وراشيا من وادي التيم في لبنان. وما يزال ضريحه قائما على تل مرتفعة قليلا قرب عين عطا يزوره الدروز من جميع الأنحاء ويتبركون به .
لا يعرف عن الشيخ محمد أبي هلال شيء إلا من خلال أقوال لبعض رجال الدين الدروز مأخوذ من خلال ترجمة حياته التي كبتها تلميذه ورفيقه الشيخ ابو علي عبد الملك ابن الحاج يوسف الحلبي تحت عنوان "آداب الشيخ الفاضل" والشيخ ابو علي عبد الملك بقي في خدمة الشيخ عشر سنوات خبره خلالها واطلع على وقائعه اطلاعا وافرا فكان كتابه "آداب الشيخ الفاضل" المصدر الوحيد عن هذا العالم الديّن الورع.
نشأن أبو هلال محمد يتيما فقيرا وقد تخلف له عن أهله بعض الماعز فأخذ يرعاها. واصطنع له لوحا مطبقا وصار إذا رآه احد من أهل المعرفة سأله أن يعلّمه شيئا من القراءة والكتابة مبتدئا بالحروف الأبجدية. وأخذ يترقى من حال إلى حال حتى وصل به المقام إلى الشيخ ابي عبادة محمد زاكي من بلدة راشيا. فانتقل إليه هو  ووالدته وأخذ يحرث له أرضه ويربي له القز ويأخذ حصته من ذلك. وكان الشيخ أبو عبادة يعلم الشاب ويربيه على ما نشأ عليه من الخير والصلاح. ولم يكن عمل الشاب يشغله طول السنة بل كان له من الوقت ما يكفي لكي يكف عن العبادة والدرس والتحصيل.
ورأى الشيخ ابو عبادة من الشاب رغبة في العلم وحبا للدين وميلا إلى العبادة والزهد بالدنيا. فتوسم غيه الخير وزاد في محبته وأكرمه على صغر سنه. فإذا هو يخجل أن يخاطبه باسمه لما كان يفرضه الشاب من احترام وتقدير ولما كان عليه من التقوى والورع. فقال له الشيخ يوما: ".... إن قلنا لك يا محمد نرى ذلك كثيرا عليك إذن نقول لك ... يا أبا هلال". ذلك ان الشاب لم يكن آنذاك ليستحق أن يلقب بالشيخ لما كان عليه من صغر السن.
وبلغ الشاب من الجد والاجتهاد مبلغا جعله لا يدع فرصة تفوته دون ان يفيد منها غلى ابعد حد.
يحكى أنه حفظ قسما من القرآن الكريم وهو يقوم بأعمال الحراثة حيث كان يثبت المصحف على عود الحراث أمام ناظريه ويأخذ يحفظ الآيات وهو يحرث.
وكان يشغل وقت فراغه بالعبادة والصلاة والدرس، ولا يدع ولو قسطا من الراحة قليلا.
يحكى أنه بينما كان في خدمة الشيخ ابي عبادة كان إذا اجتمع الناس في المساء للتلاوة لا يلبث أن يغلب عليه النعاس فلا يشاركهم كثيرا، حتى ان الناس لاحظوا ذلك. ولفتوا نظر الشيخ أن يعرف السبب في استسلام ابي هلال للنوم. بهذه السهولة وفي أول الليل فكلف رجلا بمراقبته عن كثب فلما انفض المجلس ذات ليلة قام ابو هلال وصعد إلى الجبل، وأحياء ليلة بالعبادة والتجهد. كل ذلك والرجل يراقبه دون ان يدعه يراه حتى إذا ما طلع الصبح عاد الرجل إلى الشيخ ابي عبادة وأخبره بما رأى.
فعلم الشيخ أن ابا هلال لا يغلب عليه النعاس أول الليل إلا لأنه يجيء ليله متعبدا في الجبال. ويعود ابو هلال ويتهيأ للقيام بعمل يوميه. فيحضر أدوات الحراثة ويستعد للذهاب إلى عمله. ويعلم الشيخ ابا عبادة بذلك قائلا ... أنا ذاهب للحرث أيها الشيخ. فيجيبه الشيخ ابو عبادة بقوله: بل أنت الشيخ ايها الشيخ الفاضل.
ثم ما لبث الشيخ ابو عبادة ان توفي غريقا في نهر الليطاني فحزن عليه الشيخ الفاضل وبقي بعد موته على عادته في العبادة والزهد والسوح في الجبال ورافقه على ذلك رجلان أحدهما يدعى الشيخ ابو جابر والآخر يدعى الشيخ الصافي وتبعاه في جميع أعماله وصحباه  في مقامه وترحاله وفي طريقته في الزهد والانفراد في الجبال.
وكان الشيخ الفاضل أول الثلاثة والإمام بينهم وعمل الناس بأوامره وانتهوا بنواهيه وبالغ الشيخ في الزهد والتقشف فكان لا يأكل إلا عندما يشتد به الجوع وإذا أكل فلكي يسد الرمق. وكانت مؤونته طوال السنة مدان من القمح ورطلان من الزيت ورطلان من الدبس. أما في ملبسه فقد حذا حذو الزهاد فكان يلبس الأزرق من الثياب دون غيره على غرار ما كان عليه الغزالي. وما يزال بعض رجال الدين الدروز يلبسون الثياب الزرق اقتداء به. وكان غذا لبس ثوبا جديدا لبسه تحت الثوب العتيق حتى تزول نضارته مبالغة في الزهد والتقشف.
ولك يكن الشيخ الفاضل يقبل صدقة من أحد ولم يكن يقبل هدية ودام على ذلك مدة والناس يقتدون به. غير ان الزمان تغير وعمّ الفقر وكثر المعزون والناس يسيرون على ما رسمه الشيخ فلا يقبلون صدقة ولا يقبلون هدية حتى عسرت الأحوال وضاقت سبل العيش فقدم إلى الشيخ الفاضل جماعة من الأعيان يلتمسون منه ان يقبل هدية فيقتدي به الناس ويستطيع الأغنياء أن يقدموا المعونة للمعوزين وظلوا به حتى قبل قصدهم وأجرى الله الخير على يديه.
ثم التمسوا منه أن يقف نفسه إماما على إخوان الدين ويترأس العمدة الروحية فأبى لكنه وافق أن يعلمهم ويرشدهم ويقضي ما يكون لهم من المصالح الضرورية فعين لهم ميعادا في قرية شويا قرب حاصبيا وآثر أن تكون زيارته مدة الصيف.
وكان يعقد المجالس في الصباح تحت الأشجار . وما تزال هناك سنديانة كانوا يستظلونها والناس إلى اليوم يتبركون بها. أما في المساء فكان الناس يدخلون للعبادة والذكر وكان الشيخ يأبى ان يجلس في صدر المجلس مبالغة في التواضع.
وفي مرحلة متقدمة من حياته توجه إلى دمشق في كلب العلم، فقرأ على شيخ كبير المقام دروسا في الدين والفقه والحديث والتجويد والنحو. وكان يقيم في دمشق في مجلس الطائفة الدرزية في حي باب المصلى وما تزال القرنة التي كان يقيم فيها معروفة. وبعد ان انهى دروسه عاد إلى وطنه وتجرد ثانية للعبادة والعلم كما رجع إلى عادته في الاجتماع بإخوان الدين. وتغير الزمن وقامت في البلاد  اضطرابات فارتحل الشيخ الفاضل إلى عين عطا وكان الأمير فخر الدين المعني الثاني قد ثار على الدولة العثمانية فكلف السلطان والي دمشق احمد باشا الكجك أن يقابله. فجرد هذا حملة ضيقت على أنحاء الجبل وسرت إشاعة أن من مقاصده القبض على الشيخ ابي هلال. وبلغت الإشاعة مسمع الشيخ فالتفت إلى مريديه مبتسما في بعض مجالسه وقال: بلغني عن كجك أحمد أنه قال: للدروز شيخ إن وقع في يدنا لنا فيه كثرة مال. وأنا أوصيكم إن قدر الله ووقعت فحرام على من يخسر علي قرشا أما الروح فهو مقصر عنها وأما الجسم فليفعل فيه ما شاء وخلاصي في ذلك".
ومرض الشيخ الفاضل فلما ثقل مرضه أحضر إخوانه وجماعة من الأعيان وطلب منهم ألا يدفنوه إلا في حقل يحرث حتى لا يعرف له قبر وألح عليهم في ذلك. غير أنهم أعلموه أن الناس لا يرضون بذلك وبعد مراجعة واخذ ورد قبل أن يدفن في تربة البلد على أن يكون قبره كغيره من القبور ثم طلب منهم ألا ينعوه إلى أحد ولا رثيه أحد ببيت شعر. ثم قضى نحبه بعد ان أدار نظره بمن حوله واحدا واحدا مودعا.
للشيخ الفاضل اثر كبير عند الدروز ومقام رفيع فقد جدد ما كان قد اندرس من طريق السلف من نظام السياسة الدينية على سنة السيد الأمير جمال الدين عبد الله التنوخي، كما زاد ذلك بيانا بالشرح والتفسير وأبطل بدعا مذمومة كانت قد تفشّت بين الناس.
كذلك أحيا الشيخ الفاضل سُنّة الزهد والتقشف بين شيوخ الدين. ولفتاواه الكثيرة وحلوله وتوضيحاته اثر عند الدروز كبير. وقد كتب عدة شروح وتفسيرات يتناول أغلبها الناحية الخلقية والناحية السلوكية في المعتقد الدرزي.
وخلاصة القول إن الشيخ الفاضل من اعلام التقوى والدين في الدروز وهو يعد اعظم رجال الدين عندهم بعد السيد المير جمال الدين عبد الله التنوخي.    

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.