spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 55
الشيخ ابو حسين يوسف عبد الوهاب
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
الموحدون الدروز في عهد الأمارة التنوخية طباعة ارسال لصديق
بقلم الأستاذ سلمان فلاح

الأمارة التنوخية في لبنان
ينسب المؤرخون التنوخيين غلى مملكة لخم وأحلافها. وقد استقر التنوخيون على الأغلب في منطقة المعرة وأنحاء حلب بعد الفتح الإسلامي لسوريا.
وفي أيام الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور انتقل بعضهم إلى الجبال المطلة على الساحل اللبناني شرقي بيروت تلبية لرغبة الخليفة وذلك لدرء خطر المردة والجراجمة وسفن البيزنطيين من الإغارة على التخوم الإسلامية. وكان ممن لبى هذه الدعوة الأمير أرسلان والأمير منذر بعدة آلاف من رجالهما وعشائرهما ومعهما أولاد إخوتهم الأمير خالد والأمير عبد الله والأمير فوارس
استوطن الأمير منذر حصن سرحمول والأمير أرسلان في سن الفيل. والأمير خالد في طردلا والأمير عبد الله في كفرا والأمير فوارس في عسبية.
 وبعد معارك مع المردة تمكنوا من إحكام سيطرتهم على وسط لبنان، ولم يكد ينتهي القرن الثامن الميلادي حتى أصبح الفرع الأرسلاني صاحب الزعامة خصوصا بعد معركة فاصلة مع المردة سنة 791 م كان النصر فيها حليف الأمير مسعود بن أرسلان، وتمشيا مع سياسته القوية فقد اهتم هارون الرشيد (876 – 809) بتشديد حراسة السواحل وتثبيت حكمه في كل المناطق. فقد اوعز الأمير الثغور الشامية بإطلاق التنبيه في البلاد للرحيل إلى لبنان فتتابعت بذلك هجرة العشائر إلى المناطق لتشد بذلك ازر الارسلانيين ولتنعم بمناطق شبه خالية من السكان. وتذكر المصادر أنه في حوالي سنة 820 م قدم من منطقة حلب الأمير تنوخ جد الأمراء البحتريين ومعه عدة  عشائر – لخلاف دب بينه وبين حاكم حلب – فعمروا قرية عين دارا وتقدم بنو شويزان جدود آل عبد الملك فبنوا قرية عين زحلتا، وبنو الفوارس جدود الأمراء اللمعيين استوطنوا المتن. أما آل عبد الله وآل هلال فاستوطنوا المناطق الجبلي إلى الجنوب الشرقي من بيروت حيث تقع اليوم قرية التينة وكفر – ستن ورمطون وطردلا وعرمون وعين كور وعبيه وسرحمول.
وهكذا فمن الربع الأول للقرن التاسع الميلادي كان هؤلاء الأمراء المسلمون وجماعتهم أصحاب القوة في هذه المنطقة وتمثل ذلك في استعراب أو إسلام السكان المحليين وفي شلهم لقدرة المردة والجراجمة وغزوات البيزنطيين البحرية وفي مساعدة الدولة العباسية في حروبها الداخلية. ففي سنة 815 صدوا إنزالا بيزنطيا على الساحل وأسروا بعض ربابنة السفن كما صدوا هجوما قام به المردة عند نهر بيروت شرقا ففي سنة 931 اشترك الأمير مسعود الأرسلاني حملة عباسية ضد الأقباط في مصر مما جعل الخليفة يوليه على ولاية صيدا ومقاطعة صفد بالإضافة إلى إمارة الغرب. وهكذا أصبح الفرح الأرسلاني في مقدمة أمراء المنطقة وكذلك فعل – الأمير نعمان بن مسعود الأرسلاني – حيث اشترك مع العباسيين ضد إحدى الثورات في سوريا فكوفئ بتولي ولاية بيروت وصيدا وتوابعهما له ولذريته من بعده.
وظل الأمراء الارسلانيون على إخلاصهم للعباسيين حتى حدث الانقلاب  الفاطمي فانضموا للاتجاه التوحيدي وظلوا عليه فيما بعد.
ورغم أن سوريا خضعت للحكم الطولوني من سنة 877 – 905 م حين قضى عليها العباسيون، فقد عرف هؤلاء الأمراء كيف يحافظون على استقلالهم الداخلي ويتحاشون الصراعات المستمرة في بلاد الشام ايام الطوليونين وبعدهم اثناء هجمات القرامطة على البلاد الشامية. ولم تمنعهم هذه التقلبات من دورهم الأساسي في الحفاظ على مواقفهم أمام التحديات البيزنطية وأعمال المردة إخلاصا للدولة العباسية ودفاعا عن أنفسهم ولعل نظرتهم الواقعية للحفاظ على الأرض التي يعمرونها جعلهم يتخطون المنازعات المستمرة حولهم في بلاد الشام ولم يتحيزوا إلى احد الفرقاء وساعدهم على هذا المهج بعدهم عن مركز الأحداث وكذلك المهمة الرئيسية التي يطلعون بها حماية الشاطئ اللبناني من ناحية البحر بشكل خاص


التنوخيون والصليبيون
عند انتشار دعوة التوحيد انضم إليها الأمراء التنوخيون وأحلافهم في الغرب وذلك الأمراء الجنادلة أمراء وادي التيم الذي امتدت سلطتهم حتى الشوف الشرقي وكانت قلعة نيحا تابعة لهم.
ولما زالت دولة بغداد من بلاد الشام فقد أخلص الأمراء الدروز في هذه المنطقة للفاطميين. ولدى ضعف سلطان الفاطميين في سوريا انقسموا إلى قسمين فقد ظل الجنادلة على إخلاصهم للفاطميين بينما انحاز البحتريون إلى مملكة الأتابكة في مشق التي تحملت أعباء الوقوف في وجه الصليبيين. لم يتعارض طريق الحملة الصليبية الأولى سنة 1099 أحد بل وقف البحتريون في حيرة إزاء تقاعس الفاطميين وفي السنة القادمة اتفقوا مع حاكم دمشق السلجوقي على مقاومة الحملة الصليبية وحاولوا عرقلة تقدمها عند نهر الكلب دون نجاح فقد تقدم الملك بلدوان جنوبا إلى القدس ثم حاول الأمير التنوخي عضد الدولة مرة أخرى أن يوقف حملة صليبية أخرى بقيادة ريموند دي تولز عند نهر الكلب فلم يستطع لقلة عدد رجاله بالمقارنة مع الصليبيين ولكنه تحصن في بيروت وتمكن من حمايتها مما أعجب الحاكم السلجوقي في دمشق وأضاف إلى ولايته في بيروت والغرب إمارة صيدا فوضع عليها حاكما من أقاربه.
 وفي سنة  1110 تمكن الصليبيون من احتلال بيروت بعد حصار من البر والبحر في أعقاب وصول الإمدادات لهم من الشمال والجنوب والتي داهمت قرى الغرب ودمرتها وقتلت سكانها وأسرت الكثيرين وقُتل عضد ادولة نفسه في هذه المعركة وتقدمت القوات الصليبية جنوبا فسقطت صيدا بلا مقاومة مقابل فدية كبيرة من المال وصدف في هذه الفترة قدوم الأمراء المعنيين الذين شدوا ازر التنوخيين وقووا مركزهم العسكري لشن الغارات على معاقل الصليبيين. وكان حاكم المنطقة مجد الدولة من آل عبد الله التنوخي وسقط الأمير مجد في إحدى وقائعه في برج البراجنة سنة 1337، فخلفه الأمير بحتر بن عضد الدولة وعلى الرغم من أن بلاد الشام وأتابكة الزنكيين من سنة 1127 – 1154 فقد تمكن الدروز من مضايقة الصليبيين وفي سنة 1151 استطاع الأمير بحتر الملقب بابي العشائر من الانتصار على أمير الفرنجة غي دوبربت في موقعه عين التينة جنوب بيروت مما رفع من مركزه في عيني حاكم دمشق الذي شد من ازره وكان قد منع الصليبيين سنة 1147 من التقدم باتجاه دمشق.
ولما سقط الحكم الأتابكي في دمشق في يد الزنكيين انضم الأمير كرامة بن بحتر إليهم فوسع الملك العادل رقعة إمارته وقطع له معاشا ليتمكن من تجهيز حامية لا تقل عن أربيعين فارسا للدفاع فتحصن الأمير كرامة في سرحمول ومنها راح بشن الغارات على بيروت الصليبية وهنا تجدر الإشارة إلى أن الأمير شرف الدولة علي ابن بحتر كان ميالا لأتابكة دمشق بعكس أخيه فلما نجح الجناح الزنكي لم يفقد البحتريون مركزهم. إلا أن ملك بيروت الصليبي استطاع من استدراج ثلاثة من ابناء الأمير كرامة – بعد وفاته – إلى بيروت فغدر بهم وقتلهم ثم هاجم سرحمول وهدمها. ولم ينجح من ابناء كرامة إلا الأمير حجى الذي لم يحضر إلى بيروت لصغر سنه وكان ذلك سنة 1174 إذ تولى عمه الأمير شرف الدولة على الحكم بعد ان حسن علاقته مع حاكم دمشق الزنكي الجديد.


الإمارة في عهد الأيوبي
ولما احتل صلاح الدين الأيوبي دمشق سنة 1187 وتقدم لاحتلال بيرةت لاقاه الأمير حجى بن كرامة إلى خلدة جنوب بيروت واشترك معه في احتلال المدينة من الصليبيين فعينه بدل عمه حاكما على الغرب إلا أن مدينة بيروت نفسها ظلت تحت ظل حاكم من قبل صلاح الدين.
ويظهر أن الأمير شرف الدولة على هذا لم يرض بتنحيته عن الحكم فأسس السلالة الأرسلانية أما حلفاء الأمير حجى فسمّوا بالبحتريين.
ادى نجاح صلاح الدين إلى حملة صليبية جديدة بقيادة ركاردوس قلب الأسد ملك انجلترا الذي احتل عكا ولكنه عجز عن احتلال القدس فوافق على عقد هدنة مع الأيوبيين مدة ثلاث سنوات.
توفي صلاح الدين بعد سنة من الاتفاق فخلفه أبناؤه على الحكم مما جعل الفرنجة يشغلون هذا الصراع للاستعادة معظم الساحل السوري بما في ذلك صيدا وبيروت التي لم يدافع حاكمها الأيوبي عنها أبدا. وراح الصليبيون يضايقون الدروز خصوصا بعد أن راحوا يعاهدون بعض الحكام الأيوبيين ضد البعض الآخر وكان عليهم أحيانا ان يطلبوا من أحد هؤلاء الحكام الأيوبيين التوسط لدى الصليبيين كما حدث حين طلب الأمير جمال الدين حجى من الملك العزيز عماد الدين عثمان الملك الأيوبي في مصر.  
وقد وقف الأمراء البحتريون على الحياد من هذا الصراع الأيوبي فكسبوا ثقتهم لأن كلا منهم كان بحاجة للدروز إزاء مطامعه في السيطرة على دمشق. إلا أن ضعف الدولة الأيوبية ادى إلى توزيع القيادة البحترية بين عدد من الأمراء. وما أن قام الحكم المملوكي في مصر سنة 1250 حتى عاد الصراع بين المماليك في مصر وبين الملك الأيوبي في الشام وعندما حاول كل من حاكمي دمشق ومصر اكتساب ود الدروز مال الأمير جمال الدين حجى الثاني إلى الحاكم المملوكي الذي أقطعه بعض مناطق الغرب بينما مال ألمير سعد الدين خضر إلى الحاكم الأيوبي الذي أقطعه مناطق في الشوف ووادي التيم وإقليم الخروب.
فسيّر الملك الأيوبي حملة على أمراء الغرب فلاقاه الدروز قرب قرية عيثات سنة 1255 وانتصروا عليها وهكذا تجاوز الدروز خطر انقسامهم بين القوى المتصارعة على السلطة.


الدروز بين الصليبيين والأيوبيين والمغول والمماليك
رأينا كيف انحاز الأمير سعد الدين إلى الأيوبيين في دمشق وأخوه جمال الدين حجى الثاني إلى جانب المماليك ليتجنبوا خطر انحيازهم جميعا إلى جانب واحد قد ر يكون استمراره مضمونا. وعندما احتل هولاكو بغداد سنة 1258 وتوجه نحو سوريا وجد الدروز أنفسهم بين اربع قوى هي الصليبيين والأيوبيين والمغول والمماليك فقرروا الانحياز بحذر إلى جانب القوتين المسلمتين فانضم الأمير سعد الدولة إلى الأيوبيين ولحقه متأخرا الأمير جمال الدين فصادف وصوله دمشق عند دخول المغول لها فأعلن انضمامه إلى صفوفهم ولكنه اشار على الأمير زين الدين صالح بن علي بن بحتر بطل معركة عيثات بالانضمام للمماليك القادمين من الجنوب بقيادة بيبرس ففعل واشترك معهم في موقعة عين جالوت سنة 1260 وابلى فيها بلاء حسنا وكانت نتيجتها انتصار المماليك وسيطرتهم على داخل سوريا فلم يتعرضوا للدروز بأذى وكلفوهم بمراقبة الصليبيين في بيروت وصيدا.
إلا أن بيبرس ما فتئ أن استدعى الأمراء الثلاثة سعد الدين وجمال الدين وزين الدين إلى مصر واستولى بعض الأمراء المماليك على إقطاعياتهم فثار الدروز وقتلوا أحد هؤلاء الأمراء فقاصصهم الحكم الجديد بحملة على بلادهم. وظل الأمراء الثلاثة محتجزين في مصر حتى سنة 1279 حين افرج عنهم السلطان بركة خان ابن بيبرس خوفا من غضب الدروز على حكمه الجديد خصوصا وأن قربهم من مواقع الصليبيين قد يشكل خطرا على حكمه في سوريا.
وامتاز حكم السلطان قلاوون 1279 – 1290 بالنهج المركزي فجرد أمراء الجبال من إقطاعياتهم وتوزيعها على حلقة طرابلس مقابل حمايتهم لها بعد ان استرجعها من الصليبيين وبعده تابع ابنه الملك اشرف خليل جهده ضد الصليبيين حتى طردهم من المدن الساحلية جميعا سنة 1291 فوقف الدروز إلى جانبه فأعاد لهم إقطاعياتهم التي فقدوها بينما وقف الشيعة في كسروان موقفا معاديا  من جيوش المماليك  فعاقبهم باحتلال بلادهم وشاركه الدروز في حملته على كسروان لكن المماليك ما لبثوا أن قاموا لمسح جديد للأراضي (الروك) فجردوهم من أراضيهم ووزعوا عليهم إقطاعيات جديدة لكن الأمير البحتري ناصر الدين حين استطاع إقناع نائب  السلطة في دمشق عن استثناء الدروز من هذا التوزيع الجديد للأراضي. واشتركت العشائر التركمانية التي استقدمها المماليك إلى منطقة الغرب في التدابير العسكرية التي اتخذها المماليك للدفاع عن بيروت وصيدا بحوالي تسعين فارسا على حسابهم.
وكان التركمان يقنعون المماليك بأخذ مقاطعات الدروز مقابل التفرد بحماية الساحل وتجنيد ألف مقاتل لاحتلال قبرص لولا تدارك الأمور لدى القاضي علاء الدين بن فضل الله العمري كانت سر الدولة.


المماليك البرجية
ايد الدروز نائب دمشق بتأييد السلطان برقوق الذي استولى على السلطة في مصر بمساعدة المماليك على عكس ما فعله التركمان ومماليك طرابلس الذين حاولوا أكثر من مرة السيطرة على إقطاعياتهم. واشتركوا معه في احتلال دمشق ثم في الاقتصاص من أعدائهم التركمان الذين اعتدوا على قراهم أثناء حصار دمشق ووصل حكم الأمير عز الدين صدقة البحتري من حدود طرابلس إلى صفد وقام الدروز وحدهم بصد هجمات الفرنجة على بيروت وصيدا في اكثر من موقعة كما ساهموا في حرب المماليك ضد تيمورلنك سنة 1400 وفي حملتهم على قبرص سنة 1425.
أدى هذا الاستقرار إلى نهضة عامة في القرى الدرزية وفي هذه الفترة ظهر الأمير السيد جمال الدين عبد الله التنوخي (1417 – 1479) وتلامذته والمؤرخان صالح بن يحيى التنوخي وابن سباط.
وظل البحتريون يقودون دفة الأمور بمساعدة أعوانهم من العشائر الدرزية حتى بداية الحكم العثماني حيث تحول ميزان القوى في إمارة البلاد لآل معن.  

 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.