spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 5
شهداء البيرق أو خنساء القرن العشرين
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 137
العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133


 
الافتقار إلى الروح العلمية طباعة ارسال لصديق
بقلم الشيخ أنور ابو خزام - لبنان

لو اراد "زيوس" كبير الآلهة في الميثولوجيا اليونانية ان يقلد وشاح الشرف الإنساني لشعب من الشعوب لما وجد أفضل من الشعب اليوناني مستحقا لهذا الوشاح. وهذا التكريم ليس منّة! وهبة لهذا الشعب اليوناني الصغير الخلوق بل هو نتيجة نستخلصها من بحوث مئات المفكرين والمدققين في الحضارة الإنسانية. يقول تيودور غومبرز (انجليزي) في كتابه "مفكرو اليونان" لقد كان لشعب صغير ان يخلق مبدأ الرقي، هذا الشعب لم يكن سوى الشعب اليوناني. وإذا استثنينا قوى الطبيعة العمياء فإننا نقدر على القول إن لا شيء يتحرك في هذا الكون إلا وهو ذو أصل يوناني" وعالم الاجتماع الأمريكي بارنس في كتابه "مقدمات في تاريخ الاجتماع" يقول إنه أية أبحاث منظمة عن الظواهر الاجتماعية لم تبدأ إلا مع اليونانيين. وفي تصديره لكتابه "تاريخ الفلسفة اليونانية" يقول يوسف كرم : "غير اننا إذا لاحظنا صيغة القول ومنهج البحث عند الشرقيين لم ندع هذا الضرب من المعرفة والتفكير علما وفلسفة بل دعوناه ما قبل العلم والفلسفة ... فغن علومهم جميعا لم تكن تعدو ملاحظات تجريبية أدت إليها حاجات علمية ... فكأنه كان مكتوبا لليونان أن يعبروا في وقت من الأوقات الهوة الفاصلة بين التجربة والعلم بمعناه  الصحيح. أي معرفة الماهية والعلة بالحد والبرهان..."
ويرد برتراند رسل كأرسطو بدايات التفلسف إلى طاليس. هنالك شبه إجماع لدى الباحثين على أن اليونان مهد العلوم فعلى أيدي اليونانيين تحولت التجاربى البسيطة لأهل الشرق من فراعنة وهنود وبابليين وفينيقيين إلى نظريات علمية تكتسب طابع التجريد والتصميم فكانوا بذلك اول من أرسى قواعد المنهجية العلمية.   وقد يتساءل القارئ الكريم عن سبب هذا الشرف المسبوغ على المنهجية العلمية أو الروح العلمية وقد يكون لهذا التساؤل ما يبرره لذلك نجد ان من الضروري إيضاح القصد ووضع القارئ أمام بعض من "الحقائق" التي أكدها مجرى الزمان منذ بدايات الحضارة الإنسانية وحتى يومنا هذا.
إذا كان العلم حديثا قد حقق قفزة نوعية انتقاله من اعتماد مبدأ "العلة" إل اعتماد مبدأ "السببية" فأنه أيضا قد سدد ضربة قاضية إلى كل بحث يدور حول اليقين المطلق باكتشافه أن الحقيقة الرياضية حقيقة تحليلية ترتهن نتائجها بمقدماتها. هذه الإنجازات العظيمة انقضت كالإعصار المدمر على تأملات بشرية عديدة وقضت قضاء مبرما على القطعية واليقين وأعادت إلى الواجهة مبادئ الترجيح والاحتمال. لقد ضيقت إلى الأبد كل أمل في التوصل إلى "حقيقة نهائية" يفرضها فت\نستريح!
وهكذا بدأت الحقائق المأساوية تطل برأسها من صميم فؤاد الدوغمائية والتفكير المثالي. ولم يعد من مبرر يقوم للمثافيزيقا إلا من خلال العذر الأخلاقي أو  الاجتماعي كما لاحظ بوضوح عمانوئيل كنط أو من خلال الشكوى الإنسانية ومعاناتها وتوقها الغريزي غلى الأمل. وكما توقع فرنسيس بيكون في الماضي فقد حلت الحقيقة الاستقرائية غير المؤكدة مكان الاستنباط والقياس.
إن التخلي عن القطعية والنهائية ليس بالأمر الهين والسهل بل يحتاج إلى شجاعة ابن منها شجاعة المقاتل في ميادين الوغى ! شجاعة تجعله يعترف بتواضع ونبل بأن ما لديه غير مؤكد. وعلى الرغم من مرارة هذه الواقعة وتخييبها للآمال فإن هذا الموقف هو السبيل الوحيد على صعوبته كي ينفتح العقل وبحرية على الحقائق الجديدة أو المستجدة فينمو ويشتد. بدلا من دفن الرؤوس في الرمال وتجاهل واقع القصور وتردي الأوضاع ولا يبقى أسير القوالب السابقة التي اثبت له الزمان بطلانها وبعدها عن الصواب. كم من عمارات مثالية شاهقة تبددت كالدخان لأنها بنايات هوائية شُيدت في الهواء . إذن لا سيادة العقل يجلس راضيا في قفص الأفكار السالفة ولا تطولا خلاق لذهنية لا تجد لها أنفاسا تستنشقها إلا في غبار الماضي وتراكماته. ولا تقدمية لشعوب تعتقد انها امتلكت الحقيقة وسبرت اغوارها بالتمام.
إن تطور العلم منذ أيام اليونانيين القدماء إلى عصرنا هذا مر بحقبات ومراحل كانت كل مرحلة لاحقة تتخطى المرحلة السابقة. لقد كان "التخطي" للقوانين السالفة "وتجاوز" المعتقدات السابقة سمة التطور العلمي المستمر ونظرا لأن المنهجية التجريبية في العلم كانت تنمو باستمرار أصبح مقياس صدق القانون مدى انطباقه على "التجربة" وليس مدى انطباقه على "القاعدة المنطقية" . وهكذا بدأ الفكر التأملي يفقد مواقعه باستمرار أمام جبروت "الحقائق التجربية"وصعلكة "التصورات المثالية". وفي كتابه"نشأة الفلسفة العلمية" يقول هانز رابشنباخ ".... أما من كانت الحقيقة ضالته المنشودة فعليه ألا يستسلم لتحذير الاعتقادات المسلم بها حتى لا تهدأ في نفسه سورة البحث، ذلك لن العلم سيد نفسه، وهو لا يفرق بسلطة تخرج عن حدوده". لقد اصبحت إنجازات المعرفة الفكرية الزاعمة بأنها اكتشفت الحقيقة وآوتها وانتهى عهد التنقيب عن الفكرة المركزية الواحدة التي تبرهن على كل ما عداها مثلما انتهى "الكوجيتو" الديكارتي إلى النتيجة المحزنة إذ اصبح القانون الذي لا شك فيه والفكرة الواضحة المتميزة مجرد مغالطة منطقية!.
غنما يهمنا من هذا السرد المقتضب لبعض نواحي تطور الفكر من التأمل إلى التجريب ومن توسل الأعجوبة إلى محاولة اكتشافها. هو الخروج من التقوقع إلى الانفتاح والخروج من الكهف إلى حيث العالم إلى حي "نحن" و "الآخرين". لا بد من ذلك وإلا أصبح الانعزال مقبرة مفتوحة للأحياء والأموات على وجه سواء.
ونعود إلى اليونان لقد شعر العرب في القرون الولى للإسلام بحاجتهم إلى هذا التراث اليوناني الضخم من الميتافيزيقا والمنطق والجدل والرياضيات والهندسة والطبيعيات وغيرها.... فنشطت حركة الترجمة وأدى وادي اتفاعل بين التراثيْن إلى بروز الفلسفة العربية وعلم الكلام وأصول الفقه ... وغيرها ويمكن القول بشيء من المرونة إن جميع القوالب التي تناولت الإسلاميات هي قوالب يونانية الأصل.العقل اليوناني كان وراء هذا التراث الضخم المستجد بعد هذا التفاعل بين الإسلام واليونان. ومع كل ذلك وجدنا العلم يتطور فيما بعد على أيدي الأوروبيين بينما انحصر عند العرب في حدود ضيقة ولم يكتب له أي تقدم ذي بال إذا استثنينا بعض "النتف" التي نفتش منها اليوم تفتيشا مجهريا جتى نلتقي بها وندافع عن أنفسنا وأكثرها قد ضاع فلماذا؟
إنها العلة ذاتها التي كرست اهتمام المشرقيين   قبل الحضارة اليونانية وبعدها بالحلول النجاتية. إنها البحث المستحيل عن "الأكسير" عقلنا لم يهتم بمحاولة استكشاف قوانين الطبيعة وفهمها بموضوعية وبالتالي التمهيد للسيطرة عليها بقدر ما اهتم بردها إلى "العلة". القوانين الفيزيائية والبيولوجية لا تتعلق عندنا "بالضرورة" ولا تدرس على أساس "الصدفة والتكرار" وغيرها . إنها ببساطة كلية نتاج "إرادة فوقية عالمة" أشبه ما تكون بالإرادة البشرية. وما على الإنسان سوى استرضائها – هذه الإرادة – كما يسترضي الولاة والحكام. فيصبح – والحالة هذه – تغيير القانون لاحترام "التاريخ والزمان" و "التجربة والغلط". فكل شيء ممكن ولا حد للممكن. أما معضلات التكوين والإبداع وقوانين الطبيعة المعقدة وانسات الرياضيات المبهمة والصعبة وكل ما يدور حولنا من مدهش وعجيب فتفسيره "كاف" و "نون" وكفى الله المؤمنين شر القتال!.
إن مغارة اللصوص في حكاية علي بابا المسدودة بصخرة عظيمة تحتاج "علميا" إلى مهندس وجرار ضخم قوته مئات من الأحصنة كي يستطيع إزاحتها وقد يستعين بالديناميت لتفجيرها فيفتح باب المغارة. أما "شرقيا" فيكفي أن نكشف "كلمة السر" افتح يا سمسم تنتهي المشكلة وتنزاح الصخرة ويصبح الباب مفتوحا للدخول والحصول على الكنز! وريثما يتم اكتشاف كلمة السر هذه طار الآخر بالطائرة واخترق عباب الجو بالصاروخ ولا زلنا ننتظر "بساط الريح" ووضع المعادلات والقوانين والفرضيات ونحن أتحفنا الدنيا بالمعلقات وقصدان الزجل فأنزلنا فيها السماء ورفعنا فيها الأرض مرارا وتكرارا وشيد المستشفيات وتفنن بعلم الجراحة ونحن اكتشفنا أن نهاية الطب هو الكي!.
وهكذا نرى أيها القارئ الكريم أن المقصود من اعتماد المنهجية العلمية هو الانتقال من التفكير الثاني إلى التفكير الأول ومن انتظار الأعجوبة إلى العمل على تحقيقها من ترك عالم التمثل والتخريف والتعلق بعالم التجربة والتحقق ألم نسمع "بأن التجربة هي أكبر برهان".
ولكن هل هذا الانتقال ميسور المنال ؟ هيهات هيهات! نحن مطوفون بسد من الجهل أمنع ن اسوار طروادة وغيرة  بعضنا على "انتيكاتة" القديمة أفرس من غيرة اللبؤة على أشبالها. وقد يحتج بعض الغيورين بالقول إننا لدينا علماؤنا ولديهم علماؤهم ولدنا علمنا ولديهم علمهم فدهنا نمحص بدقة وإخلاص ما يعنيه هذا الاحتجاج بالضبط.

لكم علماؤكم ولنا علماؤنا:
من هم علماؤنا ؟ الجواب على ذلك لا يحتاج لصعوبة كبرى إذ أن اول ما يفوح من علمائنا رائحة الصرف والنحو.، الاطلاع على قوانين اللغة ومعرفة كان وأخواتها ومتى تكون ناقصة ومتى تكون تامة وأن أن من الأحرف المشبهة بالأفعال ...الخ. هي بداية السلم في الترقي بمعارج العلم وآفاقه، وإلا فكيف نفقه؟ ويزداد التعلم بازدياد المعرفة للبيان والبديع و... الخ فإذا ارتقينا أكثر تشعبت المعرفة إلى قرض الشعر وتركيب التواريخ على القوافي وحساب الجمل الصفير والكبير والمقدرة على الاستعارة والصور البلاغية. فإذا أكملنا الطريق يأتي حفظ المجلدات السميكة للسلف عن ظهر قلب. ويتم الارتفاع بهذا الدماغ متقصيا العلم ويتوصل إلى درجة عالية تؤهله لتفسير الخوارق والرجم بالغيب وتوقع المستقبل والتبصير وفك المربوط. وقد يعطي بعض العلماء قوة فاجعل منه أمير المعرفة التنظيرية في جميع الميادين فقوله قاطع ورأيه حجة.   
هل حالة العالم عند (الآخر) كهذه الحال .؟ لا اعتقد ذلك فلكي نتعرف على العالم هناك عليم أن تتمهل وأنت نفتش عليه في المختبر بين العقاقير والزجاجات والمواد المختلفة كيماوية وعضوية لئلا تتعرض لحادث خطر. إنه يستعمل آلات عجيبة وغريبة فيكبر أو يصغر الموضوع المدروس آلاف المرات ويعمل بأناة وتؤدة مستندا إلى الاختبارات السابقة والملاحظات اللاحقة، لا يقطع بظاهرة ولا يرتاح إلى قانون ما لم تؤكده التجربة ويثبته التكرار. إنه متواضع للغاية لا يدعي معرفة تجاوز حدود الاختبار ولا حدسا يسبق عليه النتائج وهو يحتاج فيما يحتاج إليه فريق عمل يعاونه وفكره مفتوح دائما على نتائج اختباراته المرتقبة وغير المرتقبة وهو مستعد في طل الظروف للتخلي عن المسلمات السابقة إذا كذبتها حقائق التجارب الجديدة. إنه يعمل كثيرا كي يستطيع القليل . صحيح أنه لا يستطيع أن يقدم لنا حجة مقطوعة حول ابتلاع الحوت للنبي يونس وتبرزه له بعد ثلاثة ايام على شاطئ الجهة حيا من جديد. ولكنه يستطيع أن يقدم حسابا دقيقا يتنبأ به بكسوف الشمس أو بظهور النجم المذنب قبل وقوع ذلك بعشرات السنين. ويستطيع ان يحسن سبل حياتنا بأن يجعل العربة تسير دون ان تجرها الخيول. وأن يطير أحدنا عدة مئات الأميال في الجو دون أن يكون له ريش وأجنحة أو يحصل له كما حصل لعباس بن فرناس ! وإذا كانت الحقيقة عندنا ديمقراطية الطابع بمعنى صحتها تؤكد بقدر ما يجمع عليها علماؤنا فالحقيقة العلمية ليس شأنها هذا الشأن أنها بقدر ما تتكرر في شروط تجريبية معينة بقدر ما تبلغ درجة عالية من الصحة على أنها لا تصل أبدا إلى الدرجة النهائية لأنها حقيقة استقرائية معرضة للنقض أو التصحيح. وقد يجمع العلماء على نظرية علمية بأكثريتهم الساحقة ومع ذلك يطل عالم مفرد بنظرية تهدم نظريتهم وتحيلها أنقاضا فيسفه بذلك آراء السواد العظم من العلماء دون مجاملة أو لياقة. وتاريخ العالم يفيدنا بأن التطور العلمي تم على ايدي الذين نقضوا لا على أيدي الذين أجمعوا . حقيقة علمائنا حقيقة مصيرية وفي حال عدم التصديق بما نكون من الهالكين بينما حقيقة علمائنا هي حقيقة نسبية مرحلية يسهل نفضها لدى اي بادرة جديدة مهفتة . الحقيقة الولى هي نتاج الاسترخاء على الأرائك والتأمل من بين الطنافس والمساند. والحقيقة الثانية هي نتاج التجارب المخبرية المتواصلة بعد درس عميق ومطول في بطون الكتب المختلفة. الحقيقة الأولى مستمدة من كتاب الكتب بينما الحقيقة الثانية مستمدة من الزيادة الجديدة على آلاف الكتب.


بين العلم والمعتقد
وكيف السبيل إلى اعتناق المنهجية العلمية المتطلبة للدرس الدائب المستمر والتحصيل العلمي المعمق والإطلاع الشامل على حقل الاختصاص ؟ والشائع بيننا أن التناقض كبير بين العلم والمعتقد كأنهما فرسين يسير كل منهما في اتجاه معاكس للآخر ؟ هل نستطيع ركوب الفرسين في آن معا ؟
قبل البدء بالإجابة على السؤال لا بد من أن نتفق بكل تجرد على أن القول بالتناقض الكبير بين العلم والمعتقد بروج له من قبل اشخاص هم في احسن الحالات أشباه أميين فيما يتعلق بالعلم. رأي في العلم رأي توهمي هو نتيجة لتخيلات شخصية تُستمد من ملاحظات خارجية لهذا العالم الذي يضج بالتغيير والتطور ويحفل بكل جديد وغريب عما سبق وألفوه. هناك نوع من اللا ألفة بين مبتكرات الحضارة العصرية وبين الفكر المسمر للكون حول الرفض مستغنيا عن النسبية العامة والهندسة الفضائية التي توجع رؤوس المثقفين دون جدوى!   إن الذين يقرعون باب دماغ هذا الفكر محاولين إيقاظه "من سباته الدوغماطيقي" هم جماعة من الطفيليين المزعجين الذين يشغلون الناس بما لا نفع فيه. والناس كما يقول مثل قديم "أعداء ما جهلوا" فلا بمكن قياسا عن ذلك أن تكون نظرة الأمي إلى العلم نظرة إيجابية. ومن ناحية اخرى لا يمكن الاعتماد او الركون غلى نظريات اللا متعلم غلى العلم لأن "فاقد الشيء لا يعطيه"!
يجب إذن والحالة هذه ان يستمد الرأي من الذين نهلوا من ينابيع المعرفة الصافية وغاصوا في بطون الكتب وأحيوا الليالي في الاستزادة والاستفادة من عقول اصحاب العقول. من طلبوا العلم في سبيل الحقيقة دون تعصب لفكرة او تحزب لرأي مسبق بل كان دأبهم البصيرة المستنيرة المتجردة عن الهوى. لقد عشقوا الحقيقة فشغلتهم عما سواها فإذا استندنا لدعم رأينا على هؤلاء نكون قد قدمنا لم ايها القارئ العزيز رأيا يدافع عنه بكل ثقة واقتناع.
لقد وعى المعلم القائد الشهيد كمال جنبلاط هذه الحقيقة فافرد لها فيما افرد محاضرات قيّمة جدا تشير بوضح غلى التوافق بين العلم والمعتقد، وهذه المحاضرة من منشورات الجامعة اللبنانية  - كلية الآداب والعلوم الإنسانية وعنوانها"المشاركة بين العلم بالحديث والحكمة القديمة في النظر، الإنسان والعالم" وقد اشار غلى وجود قواسم مشتركة بين العلم في اوج اكتشافاته وبين الفكر "في مستوى الاختبار النفسي او العقلي ... الذي انبثق منه الدين أو التفكير الديني ..." ص 4 – لقد عرض المعلم الشهيد غلى آراء وأقوال مجموعة كبيرة من اساطين العلم وأساطين الدين والصوفية وخلص غلى النتيجة القائلة بأن لا تناقض بين العلم والمعتقد "... وليس من الغريب ان تقع هذه المشاركة ويحصل هذا التوافق في النهاية، وخاصة عندما يتطور العلم ويوشك ان يقترب من تحقيق غاياته. لأننا كثيرا ما ننسى ان فكر الإنسان هو جزء لا يتجزأ من جوهر هيولي هذه المادة التي تبدّت لنا بتكوينها اللطيف في مجرى استقصائنا. فالحياة تُرفع لطاقة المادة في الإنسان تعلو وتستشف لتدرك ذاتها بذاتها بواسطة وعيه الذي هو نور عقله ..." المرجع نفسه ص 55.
إن قراءة هذه الحاضرة المؤرخة عام 1968 تضعنا أمام ركائز متينة نستند غليها لنؤكد أن الحقيقة الدينية والحقيقة العلمية في أرفع تجلياتها هي واحدة وإن كان النظر إليها ينطلق من منطلقيْن مختلفين. لقد آن الأوان لننفض عن فكرنا تراكمات السنين الغابرة وظلماتها وأن نفتح عيوننا وقلوبنا على الإنجازات الإنسانية الجديدة وان نحاول بإيجابية تفهم ما يدور حولنا وبيننا، وأن نسعى غلى المشاركة في عملية بناء المستقبل العلمي بدلا من التلهي بالتفرج على العلم والتمتع باختراعاته ثم مناصبته العداء.    

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.