spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 125
زيارة مقام سيدنا ابي إبراهيم (ع)
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 137
العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133


 
الدرزية بين المذاهب العقلية طباعة ارسال لصديق
بقلم الأستاذ نزيه خير
نستعمل كلمة الدرزية في هذا المجال لكي لا نوقع  العارف بأمور ومواطن هذه الدعوة في خطأ تاريخي أو منهجي. ذلك لأن فاصلا زمنيا واسعا يفرض علينا اعتبارا أساسيا من وجهة نظر الإيمان الدرزي التوحيدي يفصل بين القرن الحادي عشر وهو القرن الذي يرى به المؤرخون بداية الدعوة الدرزية وبين ما سبق هذا القرن من فترات تاريخية في أماكن وأزمنة مختلفة يرى بها الموحدون الدروز أنهم تواجدوا وعاشوا فيها في مجموعات متفرقة وقد يكون هذا الرأي دعما منطقيا إيمان الدروز بمبدأ (التقمص والتناسخ)، فالحركة الأولى للروح لم تبدأ في القرن الحادي عشر بل هي قائمة منذ بدء الخليقة. وعلى هذا الأساس فإن الدروز يجزمون بحرصهم على معرفتهم وإدراكهم لله سبحانه وتعالى والإيمان بوحدانيته، قبل جميع الأمم والديانات المختلفة التي توصلت إلى هذا الإدراك وإلى هذه الوحدانية.
من هنا تبرز أمامنا – من الوجهة العلمية – أشكال متعددة في استعمال تسميات (مذهب التوحيد) أو الدرزية . وعليه فقد بكون استعمال كلمة الدرزية هو الأصح بالمقارنة مع تاريخ الحركات العقلية، رغم الآراء المختلفة حول صحة هذه التسمية التي قد تكون قد أطلقت عليهم خطأ أو استمرت كذلك بعد ارتداد الداعية الفارسي الأصل نشتكين الدرزي.
وفي حديثتا عن الدعوة الدرزية ومكانتها بين المذاهب والحركات العقلية الأخرى في الإسلام الوسيط يجدر بنا أن نسجل ملاحظتين أساسيتين يتلخص فيهما تاريخ التنازع السياسي والفكري بين الإسلام وتطوره وعلاقة هذا التطور بالصراع على السلطة في الإسلام منذ وفاة النبي محمد ونشوء مؤسسة الخلافة، والعودة بهذا الخلاف إلى بيوت بني عبد الدار وبني عبد مناف في قريش، وإلى السيطرة الاقتصادية على طريق الشام – مكة، وإلى التنازع حول إمامة الكعبة وحجابتها وحتى معركة الخلافة بين معاوية والذي تحول فيما بعد إلى صراع مذهبي بين السنّة والشيعة مما يقودنا إلى توضيح هاتين الملاحظتين:
1-    يعتقد الكثير من المؤرخين أن نشوء معظم الحركات العقلية في الإسلام جاء على خلفية الصراع السياسي وأن استمداد هذه الحركات للفكر العقلي إنما جاء دعما علميا لحركات كانت في ظاهرها حركات فكرية، وأما في جوهرها فقد كانت حركات سياسية تهدف إلى إسقاط النظام القائم، ويشهد على ذلك كثرة هذه الحركات في العصر الأموي كما يظهر ذلك في المرحلة الثانية (العصر العباسي) الذي تمثل في الصراعات بين الفرق وبين مذاهب الخلفاء أنفسهم كما يشهد على ذلك أن معظم الحركات السرية في الإسلام كانت الحركات العقلية.
2-    لقد واكبت الفلسفة العقلية تطور الأحداث والخلافات في الإسلام وأصبحت هذه الفلسفة ثابتا لهذا الخلاف، غير أن البذور الفكرية للحركة العقلية في الإسلام ولدت كرد طبيعي في بدايتها على الواقع (النسمي) أو (الأساس النسمي) في البناء الاجتماعي الإسلامي الذي كان يقول بوجود الأرواح أو النسم في المظاهر الطبيعية وأن جميع هذه الظواهر هي من عمل القوى الخالقة التي ليس للإنسان أي سيطرة عليها. وقد يكون الصراع الفكري في الإسلام حول (الخلق والإعجاز في القرآن) امتدادا للفكر النسمي الذي جاءت الحركات العقلية ردا عليه مستعينة بالثقافات والفلسفات المادية الجديدة بعد الفتح الإسلامي من جهة واحدة ومنخرطة في الصراعات السياسية التفاقمة من جهة أخرى، وهكذا نشأت متناقضات فكرية ومذهبية مثل السنة والشيعة، القدرية والجبرية، النسمية والعقلية وغير ذلك.
إزاء هذا التطور التاريخي والمعطيات الموضوعية يتبادر إلى ذهننا السؤال الأساسي المطروح من هذه المعالجة وهو "اين تقف الحركة الدرزية من الحركات العقلية؟
وإجابة على ذلك نقول: غن جميع الحركات العقلية الأخرى المعروفة وأهمها (المعتزلة) كانت تتميز ببعض المظاهر (النسمية) ولذلك فإن الدرزية كانت تتميز ايضا (وما زالت) ببعض المظاهر النسمية والتي تكرست بسبب أمرين هامين كما يقدر ذلك المستشرق المعروف (هاملتون جيب) في دراساته الإسلامية:
1-    المواقف والمعتقدات البدائية التي ظلت حية في الأمة الإسلامية.
2-    تأثير الطرق الصوفية.
إن هذا الأمر لا ينفي بطبيعة الحال صفة (العقلية) عن الحركة الدرزية كما لا ينفيها عن الحركات العقلية الأخرى وعليه فإن الدرزية تعتبر حركة عقلية في جوهر طرحها لمبدأ (التوحيد) الذي أدرك علاقة اللاهوت بالناسوت عن طريق التفسير المادي. أما هذه العلاقة وهذا التفسير فهما من باطنية هذه الدعوة ولذلك يحظر الدخول في أمرها غير أنه باستطاعتنا القول إن المرتبة الأولى في طرح هذه العلاقة وهذا التفسير هي مرتبة العقل.
أما بالنسبة لسلوك هذه الدعوة السياسي فإن الخلفية الفاطمية للدعوة الدرزية تأتي ردا مناقضا لكل مظاهر العصر العباسي في أوج عظمته وانحلاله، وتعتبر وجهات نظرها السياسية ثورية إلى حد بعيد على زمن تميز بالانحلال الخلقي والاجتماعي والاقتصادي وليس غريبا أن نجد علاقة جادة بين البناء النظري والعملي عند الحركة الدرزية وثورات الزنج والقرامطة من فترات سابقة لهذه الدعوة بحيث تعتبر حركات الزنج والقرامطة من أولى الحركات الثورية والعقلية في الإسلام.
إن ابتعاد الحركة الدرزية عن الإسلام التقليدي (الأورثوذكسي) مع مرور الوقت كان بسبب الاتجاه العقلي لهذه الحركة (مع ما فيها من رواسب نسمية) ومعالجتها لمظاهر الفقه والكلام والشريعة علاجا اجتماعيا ثوريا، يقوم على منطق الحياة العملي، وعلى الابتعاد عن مظاهر الطبقية والاستبداد الاجتماعي، ويشهد على ذلك تفسير الأمير السيد التنوخي للأحوال الدرزية تفسيرا ثوريا وعادلا منذ قرون طويلة.
إن هذه الحقائق الأساسية كفيلة أن تضع الحركة الدرزية في مقدمة الحركات العقلية، رغم ان الكثيرين اعتبروها من (الفرق) وهو اعتبارا خاطئ علميا لأن الحركة الدرزية وحركة المعتزلة من قبلها لم تأت كظاهرة للصراع على السلطة فقط، وإنما جاءت ردا على تحولات اجتماعية مظاهر حياتية كانت بحاجة إلى ثورة من الإصلاح الاجتماعي قبل كل شيء.
 


 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.