spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 56
مقام يوسف الصديق في ساجور
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 148
العدد 147
العدد 146
العدد 145
العدد 144


 
التقمص بين الظواهر فوق الطبيعية والديانات الأخرى طباعة ارسال لصديق
بقلم الأستاذ أمين حسين والدكتور اسامة حسين – الرامة
الاعتقاد بديمومة النفس بعد موت الجسد يعني بأن النفس تبقى بعد فناء الجسد الذي كانت به. إن خلود النفس هو أحد ركائز الكنيسة المسيحية لكنه لا يتطابق مع الاعتقاد بالتقمص الذي نعني به دخول النفس في جسد جديد (مرة واحدة أو عدة مرات) بعد خروجها من جسد سابق، وشرط هذا الانتقال هو وفاة الجسد السابق.
ينتشر هذا المعتقد عند الشعوب الشرقية وخاصة في الشرق الأقصى. حسب هذا المعتقد يفترض ان النفس خالدة وأن بإمكانها أن تكون طليقة حتى يمكنها الانتقال من جسد إلى آخر. ولكون الجسد فاٍ كالقميص الذي يغطي البدن دُعي هذا الانتقال "تقمصا".
آمن المصريون القدماء بأن النفس خالدة فأطلقوا عليها اسم "الكا" إن كانت خيّرة انتقلت من جسم بشري فان إلى جسم جديد وعلى هذا يطلق "التناسخ" أما النفس الخاطئة فأنها تُعاقب بانتقالها إلى جسد حيوان أو تفسخ عن بشر، لذلك أطلق على هذا "الفسخ" أما النفس الشريرة فينزل بها اشد عقاب فتُسجن في جماد لترسخ به، وهذا هو "الرسخ". جاء في ورقة بردى أنانا التي يرجع تاريخها إلى سنة 1320 ق.م : "الإنسان يعود ثانية إلى الحياة عدة مرات لكنه لا يذكر حيواته السابقة إلا في الحلم أحيانا، أو كفكرة مرتبطة بحادثة سابقة. ولا يمكنه أن يحدد زمان هذه الحادثة او مكانها لكنه يعلم فحسب أنها حادثة مألوفة عنده . وفي النهاية ستتكشف له كل حيواته المختلفة.
أنكرت الديانة الهندية إمكانية الرسخ وابقوا الفسخ لعقاب النفوس الخاطئة. آمن بالتناسخ من فلاسفة الإغريق كل من فيثاغوروس، سقراط، أفلاطون وأفلوطين. ومن شعرائهم : أوفيد وفيرجيل أما ارسطو فقد هاجم قضية التناسخ أثناء نقده لأفلاطون وفيثاغوروس.
مهما اختلفت الآراء في درزية ابي العلاء المعري فإنه من الواضح أن قسما كبيرا من أسس مذهبه تتطابق مع اسس الدرزية ومنها:
1-    الجسم كالثوب على روحه            ينزع أن يخلق أو ينسخ
2-    وجدنا أتباع الشرع حزما لذي النهى    ومن جرب الأيام لم يذكر النسخا
3-    وقال بأحكام التناسخ معشر        غلوا، فأجازوا في ذاك الرسخا.
بالإضافة إلى إيمانه بالتقمص فإنه أنكر الفسخ والرسخ تماما كالدرزية، التي تؤمن أن العقاب يكون يوم الدين مع ان التقاليد اليهودية التي تبلورت عن التلمود والمدراش لا تؤمن بالتقمص إلا أن الكابالاه تضع للتقمص مكانا بارزا مما سبب نقاشا شديدا واختلافات متباينة في الدين. يقول ج.شوليم: "بإمعان النظر في شخصيات مختلفة من التوراة يمكننا رؤية صفات وأعمال مكملة أو متطابقة عند بعض الشخصيات. وهكذا تكونت سلسلة من الشخصيات أولا كانت قصيرة ثم طالت مع مرور الزمن وأساس هذه السلسلة هو التقمص. فإن قابيل وهابيل يكونان بداية إحدى هذه السلاسل. وحسب اعتقاد كاتبي الكابالاه فإن هابيل الراعي المؤمن لم يتقل بسبب النزاع  على أخته وإنما بسبب رؤيته الوحي الإلهي الذي ظهر عليه بعد تقديمه القربان، مما قد بشوب العلاقة الظاهرة مع الرب لم يحاول هابيل الامتناع عن رؤية ربه بصورة مباشرة لذلك كان على روحه أن تنتقل إلى جسد جديد بشخصية موسى الذي ظهر الوحي عليه مرة ثانية عندما كان يرعى غنمه في أرض مدين، وعندها غطى موسى عينيه بكفيه ليمتنع عن رؤية الوحي مباشرة. وبذلك فإن تجربته السابقة بشخصية هابيل منعت منه الخطأ مرة ثانية وبذلك حافظ على القيود بصلاته مع الرب.
ظهرت في القرآن بعض الايات التي تشير إلى انتقال النفس من جسم إلى آخر وبذلك تحافظ على خلودها:
1-    كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم غليه ترجعون. (سورة البقرة ، آية 28. الموت هنا ورد قبل الحياة مرتين)
2-    والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير. (سورة فاطر ، آية 11. اي أن الله نفخ روحه في الإنسان الأول بعد أن خلقه من تراب ومنه انتقلت الروح إلى الأجيال اللاحقة).
3-    قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون. (يونس آية 34)
4-    منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (طه. آية 55)
5-    الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم غليه ترجعون (روم . أية 11)
6-    قالوا ربنا أتمنا مرتين، وأحيينا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل (غافر. آية 11)
فمن الشرائع من فهم الايات السابقة أن القرآن دعى للتقمص والبعض الآخر أنكر هذا واعتقد ان لا حياة بعد الموت إلا الخلود في الجنة او النار.
آمن بعض المسلمين بالفسخ اعتمادا على بعض الآيات القرآنية:
1-    وكلما أراد أن يخرجوا منها أُعيدوا فيها (السجدة 20)
2-    لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم قم رددناه اسفل السافلين(التين 4 -5)
الإيمان بالتناسخ غريب عن العالم الغربي فحسب اعتقادهم تفنى النفس بفناء الجسد وبذلك يستحيل وجود التقمص. يحاول غابسر تفسير سبب رفض الغرب لمعتقد التقمص :"إن الإنسان الغربي ذو تفكير منطقي ومنهجي ويرفض أن يكون عبدا للقدر الأعمى كما يرفض العالم على علاته وإنما يحاول السيطرة عليه بمساعدة الفلسفة والعلم اللذين كان مهدهما في اليونان. هذا التمرد يفسر لنا عدم إيمانه بالتقمص وكفره بإحياء الموتى. فالإنسان الذي يستطيع الخروج من دائرة القدر يتنازل عن إيمانه بالقمص. إن الفكر المستقيم يؤدي إلى طريق واضحة وهدف جلي الذي يناسب هذا الفكر، أما الإنسان الشرقي فإن فكره أسير دائرة مغلقة". ولكن مع تفجر الثورة العلمية الحديثة وفي بداية القرن ودخول فكرة الروحانيات حتى إلى كتابات أعظم علماء العصر، اصبح واضحا ان ادعاء غابسر خاطئ من اساسه فالإيمان بالتقمص لا يعني الاستسلام إلى القدر ولا يدل على تفكير عقيم وإنما هو الركيزة الأساسية التي تمنع عبثية الحياة وترشد النظرة النافضة إلى ما وراء المادة التي نشعرها بحواسنا.
قام البروفيسور ج ستيفنسون مدير قسم الأمراض النفسية في جامعة فرجينيا في الولايات المتحدة ببحث عن التقمص نشره في مجلة "الجمعية الأمريكية لبحث الظواهر فوق الطبيعية". ضم هذا البحث عدة بلدان في آسيا الشرقية الهند وتركيا. بقول ستيفنسون "كل مخلوق بشري مكون من جسم مادي ومن الفساى(مصطلح في علوم ما وراء الظواهر الطبيعة  أو الخارقة كقراءة الأفكار ، التنبؤ بالمستقبل، تحريك الأشياء عن بعد، رؤية الأشياء خلف حاجز غير شفاف والرحلة الروحية . (دخل هذا المصطلح أيضا غلى العلوم الفيزيائية) بعد موت الجسم المادي، فإن بإمكان الفساى أن تستمر في حياتها المستقلة لوقت معين. وبعد هذه الفترة فإن بإمكان الفساى أن تتصل بجسم جديد، على الأغلب في فترة تطور الجنين، من هذا يتضح  أن صفات وخصال معينة من الفساى قد تؤثر على شخصية المخلوق الجديد، على صفاته الرحانية وعلى تصرفاته وجسمه". بقول ستيفنسون إن بعض الشهادات كانت متطابقة ودون علاقة بين الأشخاص الذين استجوبوا في هذا البحث، لكن هذا لا يثبت بشكل قاطع وجود التقمص لأن التطابق قد يكون نتيجة قراءة افكار الباحث ووصولها غلى الشخص المسجوب. ومن جهة اخرى كتب ستيفنسون عن حوادث استطاع فيها اشخاص معرفة أماكن بعيدة وغريبة عنهم بالإضافة إلى اشخاص من نفس الأماكن. بعد ان فتش ستيفنسون عن اسباب مختلفة ليفسر مثل هذه الظواهر بقيت لديه 28 حادثة التي تثبت وجود التقمص. أغلبية هذه الحوادث كانت من الهند وبورما ستة من إيطاليا وثلاثة من الولايات المتحدة. عالية القصص كانت عن أطفال.
في نهاية بحثه يلخص ستيفنسون النتائج بحذر شديد، ولكن بشجاعة. فهو يقول: "إن جميع القصص والشهادات التي جُمعت في بحثي لا تثبت بشكل قاطع ونهائي وجود التقمص ولكنها تبرز القيام ببحث شامل لمثل هذه الظاهرة وعدم الأخذ بالرفض الأوروبي لمثل هذا المعتقد. إن فخص المزيد من الحوادث عن حيوات سابقة، قد يثبت الأسس للاعتقاد بالتقمص وهذا يؤدي إلى نتيجة واضحة بأن النفس خالدة اكثر من اي إثبات آخر".
يجب التمييز بين التقمص والرحلة الروحية، الأول يعني موت الجسد وخروج الروح منه ودخولها إلى جسم جديد، أما بالرحلة الروحية نقصد خروج النفس كلها أو جزء منها من جسم فالإنسان الحي ثم عودتها فيما بعد إليه وعندها هي قادرة على وصف هذا الخروج أو هذه الرحلة الروحية. الإيمان بالرحلة الروحية يفتقر الإطلاق حسب هذا الإيمان فإن النفس مرتبطة بجسم الإنسان بواسطة حبل فضي دقيق وغير منظور (حسب اعتقاد الأوكو لتسطيون)، وبإمكانها الخروج منه في رحلة وعند عودتها تسكن ثانية نفس الجسم لتحدثه عن رحلتها بالكلام أو بالصورة. هناك عدة إشارات إلى أناس كان بإمكانهم التنقل إلى أماكن بعيدة بواسطة الروح، بينما جسدهم باق في مكانه. بعضهم يقوم برحلته بمحض إرادته وبوعيه الكامل والبعض الآخر تحت إرادته وبوعيه الكامل، والبعض الآخر تحت تأثير تنويم مغناطيسي عميق، أو في حلقة تحضير الأرواح. تعتبر الرحلة الروحية عند الشعوب البدائية ليست بالشيء الغريب، يكتب بوتشانو في كتابه "ظواهر فوق طبيعية عند الشعوب البدائية" القصة التاليى:
"قص مبشر أنه حضر رحلة روحية لرئيس قبيلة كان عليه أن يشترك في اجتماع لرؤساء القبائل في مكان يبعد أربعة أيام سفر وقد اراد هذا المبشر فحص صدق رئيس القبيلة فطلب منه أثناء تطواف روحه في رحلتها أن يمر على قرية تبعد ثلاثة أيام، وأن يطلب هناك من أحد الأشخاص أن يحضر بندقية المبشر التي نسيها عنده، فوعده رئيس القبيلة في نوم عميق بينما المبشر يراقبه كل الوقت. بعد أن نهض رئيس القبيلة أعلن أنه اشترك في اجتماع ناجح وأخبر الشخص المعين بما طلبه منه المبشر. بعد مضي ثلاثة ايام وصل ذاك الشخص مع بندقية المبشر،و قال إنه تسلم الخبر قبل ثلاثة ايام في نفس الوقت الذي قام به رئيس القبيلة برحلته الروحية وأضاف أنه لم ير من اخبره بطلب المبشر ولكنه سمع صوته عندما سمع الشخص صوت رئيس القبيلة خارج الخيمة تعرف عليه دون أن يراه وبذلك فإن الرحلة الروحية ليست بروحية فقط إذ بإمكانها أن تؤثر على إنسان آخر. هذا يثبت أن بإمكان الروح الخروج من الجسم والانتقال في فضاء هذا الكون دون ان يحدها زمان أو مكان. لذلك فليس بغريب أن تتمكن النفس من ترك جسم ذاوٍ وتنتقل إلى جسم جديد. بالإضافة إلى ذلك فإن بإمكان الروح أن تكون في مكانين مختلفين في نفس الوقت دون ان تكون منقسمة على ذاتها. وبذلك فإن الزمن والمكان والعدد بلا أهمية، عندما تكون الروح هي العامل المتحرك خارج نطاق الجسم.



مصادر
1-    التوراة ، الكابالاه
2-    القرآن الكريم
3-    ج ستيفنسون : مجلة "الجمعية الأمريكية لبحث الظواهر فوق الطبيعية".    
4-    أضواء على مسلك التوحيد : د. سامي مكارم ، دار صادر 1966.





 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.