spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 120
مشروع التوعية التوحيدية في مقام النبي شعيب عليه السلام
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130
العدد 129


 
شهداء البيرق أو خنساء القرن العشرين طباعة ارسال لصديق
عن الضحى
كانت معركة "المسيفرة" من أشد المعارك التي عرفتها الثورة السورية الكبرى عام 1925، وهي ثالث معركة من حيث الترتيب الزمني بعد الكفر والمزرعة. ولهذه المعركة صدى خاص في نفوس بني معروف تشوبه غصة الألم بالنظر لما تكبدوه من الخسائر الفادحة في المراحل الأولى منها، إذ بلغ عدد الضحايا فيها ما لم يبلغه في اية معركة أخرى.
لكن بفضل بطولة بني معروف وتصميمهم على انتزاع النصر بأي ثمن وما أظهره من فنون الاستبسال والحنكة تحولت الخسائر المادية والأرواح إلى مكاسب معنوية رائعة وانقلبت الكارثة إلى انتصار حاسم مجيد. كان له الثر الفعال في إطالة أمد الثورة الكبرى ونقل ميادين الصراع فيها إلى خارج حدود جبل الدروز، حتى النهاية بعدما تأكدت قوات العدو أثر هذه المعركة أن ذلك الجبل الأشم أمنع من عقاب الجو.
ولعل من اروع مشاهد البطولة التي تجلت في هذه المعركة قصة بيرق تخضب بدم الشهداء يجعل من ذلك الدم الزكي قربانا للنصر الكبير.
بعد ان فوجئ الهجوم الدرزي الأول على المسيفرة بما فوجئ به من الكوارث الجسام التي لم تكن بالحسبان وانتشر النبأ في القرى المجاورة على السفوح القريبة من الجبل، والتي تطل على ميدان المعركة من قريب أو بعيد نسبيا، ظهر تصميم بني معروف على مواصلة المعركة حتى النهاية واكتساب النصر مهما كان الثمن غاليا.
ودب "الفزيع" في قرى قضاء السويداء كلها وانتخى الأبطال للنجدة والثأر من كل مكان، وكانت التعبئة الدرزية التي تعد من المعجزات العسكرية ، هذه التعبئة التي تتم بأسرع مما يتصور العدو مهما كانت خبرته ودرايته وخرجت البيارق من كل قرية وصلت إليها صرخة الثأر، تخفق زاهية فوق جموع الأبطال الميامين، الذين يتسابقون إلى ساحات البطولة والاستشهاد مازجين الفرحين...وبين تلك البيارق كان بيرق رساس وهي القرية التي تقع في موقع وسط بين السويداء وعرى والقريا. وقد كان في عهده بيت من آل حمزة فيه أربعة اشقاء كرسوا نفوسهم للارتقاء إلى مستوى المسئولية الكبرى الملقاة على عاتقهم ألا وهي صيانة هذا البيرق والاحتفاظ به عاليا خفاقا حتى في أحلك الأوقات وأحرج الساعات. يشاركهم في هذا الشعور بهذه المسئولة والدان طاعنان كان كل اعتزاز لديهما في هذه الحياة رؤية بيرق البلدة يتقدم جموع المجاهدين وتحته أولادهما الأربعة.
وتدفقت جموع   بني معروف على المسيفرة في وضح النهار والمعركة محتدمة الأوار ونيران العدو تزداد تأججا واضطرابا.
وكان على المجاهدين الأشاوس أن يسيروا في سهل مكشوف لا مجال للاتقاء والتستر فيه في حين كان العدو معتصما داخل البلدة داخل الخنادق أو وراء المتاريس، ناهيك بما لديه من الأسلحة الحديثة الفتاكة التي تزيد موقفه قوة ومنعة. ولكن هذه الاعتبارات لم تكن لتثني أبطال الدروز عن انتزاع النصر من جوف البراكين وليس من فوهتها فقط.
وفيما كان ابناء رساس يزحفون بين الحمم الملتهبة من كل ناحية ولواؤهم مرتفع خفاق إذا بالبطل الأول من ابناء حمزة يخر صريعا وهو ممسك بالبيرق لا يفارقه رغم مفارقة روحه لجسده فيتقدم أخوه الثاني لا ليتفقد جراح شقيقه الشهيد بل ليرفع العلم المفدى عاليا في سماء المجد والكبرياء، مهما كلف الأمر وما هي إلا مسيرة قصيرة حتى يناله ما نال اخاه الأول من المصير المحتوم.
فجاء دور الشقيق الثالث الذي لم يتردد عن أداء رسالة الفداء والبطولة وقبل أن يبلغ رفاقه المجاهدين خطوط العدو يخر صريعا ليسلم الأمانة الغالية إلى الأخ الرابع الذي شهد مصرع اخوته الثلاثة أمام عينيه فلم يزده ذلك إلا حماسة واندفاعا.
وبين متاريس العدو وقد اصبح السلاح البيض سيد الموقف يخطف القدر آخر بطل من أولاد حمزة إذ الأخ الرابع وقد تمنطق بالبيرق وشده إلى وسطه عهدا بينهما أن لا يفارق أحدهما الآخر وكانت كفة المعركة قد تحولت تحولا تاما فارتفع بيرق رساس على جثث شهدائه الأبرار وخرست نار العدو الباغية بصورة نهائية.
لكن قصة البطولة هذه لم تتم فصولها عند هذا الحد. لقد كان والد هؤلاء الشهداء الأربعة بين جموع المشاهدين في هذا الزحف الجبار، قاد زامله له وحملها قري الماء يسقي بها المجاهدين في ساعة الجلجلة. مساهمة بواجب الجهاد واستئناسا بالسير إلى جانب أولاده الأبطال.
وعندما  خمدت نيران العدو وراح كل يتفقد شهداءه ذهب ابناء رساس يفتشون عن وال الشهداء الأربعة فلم يجدوه بين من خرجوا من هذه المحنة سالمين لكنهم وجدوه بين ضحايا المعركة متخنا بالجراح رغم شيخوخته حيث مزقت جسده الرقيق شظايا قذيفة جوية لكنه ما يزال يتمسك برمق من الحياة فنقله قومه بقدر ما يستطيعون من العناية والرفق وكلهم مشفق عليه لا يدري ماذا يتمنى له....؟ السلامة مع هول فجيعته باولاده الأربعة ....؟ أن الاستشهاد للتلاقي معهم في جنات الخلد...؟
وقبيل غروب الشمس وصل ابناء رساس البطال إلى بلدتهم فرحين بالنصر لكن فرحهم هذا تشوبه غضة الخسارة بالعدد الكبير من نخبة شباب البلدة الذين كانوا ثمنا لذلك النصر. وخرجت نساء البلدة يستقبلن القادمين ويتفرسن الوجوه عن بعد لتعرف كل واحدة منهم ولدها أو زوجها او أخاها. وكانت بينهم أم الشهداء الأربعة من آل حمزة وربة البيت الذي خرج منه البيرق خفاقا مزهوا.
وكان البطال العائدون يعرفون مصاب هذه المرأة المؤمنة فأخذوها بحسن العبارة ولين الكلام حتى دخلوا معها منزلها الذي خرج منه البيرق.
وهناك في ذلك المنزل لم يعد أحد من شبابه الأشاوس في حين دخل الوالد العجوز محمولا على الأكف بين الموت والحياة.
ولما رأت الأم عظم المصاب تجلدت قدر المستطاع تستقبل أنباء استشهاد أبنائها الأربعة بالبشاشة والتهليل لكنها سرعان ما تداعت منهوكة القوى إلى جانب زوجها وتصادف وجود طبيب بين المجاهدين في القرية آنذاك وأسرع لعله بقدم المساعدة للعجوزين لكنه ما أن وقف أمامهما حتى رآهما قد فارقا هذه الحياة الدنيا وبسمة الرضى والاطمئنان بادية على وجوههما...
هذه قصة الشهداء الأربعة وكلهم اشقاء من اب وأم وهذه خنساء القرن العشرين تقدم أربع فلذات من كبدها في معركة واحدة قربانا للنصر.
إن الطبيب الذي كان شاهد عيان لهذه الحادثة التي قلما يذكر مثلها التاريخ فهو الدكتور عبد الرحمن شهبندر الذي سجلها في مذكراته الخاصة عن الثورة.  

 


 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.