spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 109
أسماء المواقع في عسفيا
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
الشاعر الجبل الملهم: فؤاد الخشن طباعة ارسال لصديق
الأستاذ يوسف عطيلة – بيت جن

مولده وبيئته:
ولد الشاعر سنة 1928، ولد زهرة فواحة متمايلة مع نسائم لبنان، في قرية الشويفات الدرزية، تلك القرية الهادئة الوادعة التي زينت ثلاث روابي لتناجي البحر المديد، والأفق البعيد، من تحت ظلال أغصان الزيتون التي تؤلف حلة دائمة الخضرة لعروس جبال الشوف الشامخة، وأشجار  الصنوبر تميس فوق جبينها وشجر الدفلى ينقشها بزركشة ألوانه. هذه القرية التي لفتها الطبيعة بطل المحبة البيض ورصعتها بسناء الفجر وعطّرتها برياحين الأزهار وغابات الأشجار الباسقة لتكون مناظر أنيقة.
وقد نهل فؤادنا من معين العلم في بلدته حيث تلقى ثقافته الابتدائية والثانوية فيها، ودفعه طموحه وحبه لأداء رسالة سامية لأبناء ريفه وقرر أن يلتحق بدار المعلمين في بيروت ليرجع إلى ريفه مدرّسا ورجلا من رجال التربية المتأدبين. وعمل فيه سبع سنوات بمدرسة مختلطة فيها البنون والبنات.
لقد نما شاعرنا مع طبيعة أرضه المتموجة بألوان البهجة الهائمة، بظلال العطر والندى، مما جعله على صلة معها أشد من صلته بالكائنات البشرية. إذ كان في بداية طلعته يتنقل يافعا بين وادي أبو سمعان ووداي البئر وغابة الصنوبر ومنحدرات الشويفات واستوائها حيث لا تقع العين إلا على اخضرار دائم، ولا يمر أمام بصره ولا يبقى في ذهنه ووجدانه أي لون قاتم. وإذا ما اتصل بالكائنات البشرية فتقتصر صلاته على "قاطفات الكروم" و"جامعات الزيتون" وكلهن من صبايا ريفه يؤلفن من الأزهار طاقات حبه، طاقات ثرثارة متحركة"، ومن الأنغام أنشودة عذبة تذوب مع أنفاسهم لتجري إلى قلب شاعرنا، وقد أصبحت في حياته أنشودة أو تهليلى يرددها في كل زمان وذكرى ممتعة تدور في مخيلته، و"نغما أزليا" يأتي مع الأنسام فيثور في عروقه الحنين ويتحرك في نفسه ألف معنى بدايته حب ونهايته حب.
ومن ينشا ويحيى بجو نسوي كهذا تفض به نشأته إلى رهافة في الحس وتمكنه من وصف تفاصيل الوجدان وانسياب ناعم رقيق مع الحياة وراء الجمال."
إذًا ليس غريبا وهذه نشأته أن يترعرع ويشب شاعرا عاطفيا يمجد الحب ويغنيه في كل ما ينطق به، فحصدنا من حقول أدبه الكتب، "غابة الزيتون" "سوار الياسمين" "أدونيس وعشتروت" وقام بترجمة شعرية من الشعر البلغاري إلى اللغة العربية، ونشر عدة قصائد في مجلة "الآداب" ومجلة :الأدب" اللبنانيتين. وفي الإذاعة اللبنانية حيث فاز بجائزة الإذاعة لأحسن قصيدة، وقد فاز بجائزة "أهل العلم" لأحسن ملحمة شعرية.

فؤاد في المهجر
لقد عنّ على بال شاعرنا – بعد أن مر بظروف خاصة وكباقي شعراء لبنان – عن على باله ان يترك ريفه مهاجرا إلى فنزيلا سنة 1952 م.
وسكن هناك وسط أهله وذويه من ابناء الجالية الدرزية، وأصبح عضوا فعالا في الهيئات الخيرية والجمعيات التنظيمية المختلفة لهم. إن حبه لوطنه وريفه عريق اصيل في شرايينه منذ تفتحت عيناه لنور الحياة. ونظم هناك القصائد التي تعبر اصدق تعبير عن الروح اللبنانية الهائمة بمحاسن بلاده، وعن القلب الشغوف بأرضه وترابه وعن وجدانه الذي يفتت الصخر استنباتا للخيرات. فيا حب الأرض كم تلهم من بدائع! لقد اشتد لصوق التراب الطيب بصدر شاعرنا وزاد حنينه له، وقد تميز هذا الحنين بطابع خاص، تميز بالجمال الريفي الذي قلما توغل في أعماقه الشعراء المهجريون، إذ اكتفوا بالوقوف على شواطئ مهاجرهم مناجين الأوطان بينما عي فؤاد يحر الحنين واشتد اصطحابه، فولد الزفرات والآهات، وترجمها بحروف من جمر الشوق. وكان شعره هناك غيث منهمر من مآقيه التي درّت دموعا ساخنى لتروي شاعريته وتنمّي فيها حبه لوطنه وريفه وأهله وذويه وأحبابه وتلاميذه.
ولا غرابة ان نسمع شاعرنا ينادي ضيعته من وراء البحار بليفة متلألئة بالأمل... امل العودة إليه فصاح يقول في قصبدته "نداء الريف"
ضيعتي، هل أعود من غلابة جد قاسية؟
ويدوي بمسمعي مائجا صوت راعيه؟
وأرى الأفق  حالما والمآسي ساجية؟
والكوانين والشتاء وبيوتا حانية.
هل أراني بمركب مقلة منه رانية؟
عائدا نحو جنة صفوها قد دعانية؟
 حقا أنه نال مآربه وحقق أمله وعاد إلى شويفاته بعد مضي سبع سنين قضاها في أرض المهجر عاد إلى أهله الذين استوحشوا لنايه، فانتعشوا بعودته عام 1960 وشدا بطمأنينة:
عدت للريف يا فتى    ما سلا عنه ثانية
فابعث الأمس وابتدع    عيشة فيها هانية

الحب والطبيعة في شاعريته
"إذا كانت الفلسفة متعة العقل فالشعر متعة القلوب بدون شك"ولا ابالغ إن قلت: إن متعة الشعر أصفى عند قرائه من متعة العقل، وقلوبهم تستفيق من جديد وحتى يتخلون عن عقولهم حين يطالعونه، ويشاركون الشعراء أتم المشاركة في خلجاتهم وفي نفحات إيمانهم. ولكنني لا أدري إن كان يحق لي ان اعمم هذا التعميم ام لا؟ وترددت كثيرا في قول هذه الكلمات، لأن التريث في إصدار الحكم أفضل من الحماس والاندفاع، ولكن، ما يمنعني أن اعبر عن مشاعري الخاصة تعبيرا آنيا كما يعبر هؤلاء الشعراء ... وما هي الحقيقة أهي التي ننعم فيها النظر؟ أن تلك التي نقذفها من قلوبنا قذفا؟
فلعلي متأثر بشاعرنا نفسه وأنا أخط هذه الكلمات. وسأعالج في هذا المجال نقطة واحدة لفتت انباهي وشدتني إلى شعره أكثر من سواها، وهي "الحب والطبيعة في شاعريته" اللذان انصهرا في بوتقة عطفه وحنانه، في فؤاد الفؤاد الشفاف الرقيق، وذلك من خلال دراسة وتحليل روائعه التي لمستها في دواوينه: "غابة الزيتةن" و "سوار الياسمين" ولم أدرِ وانا أتذوق قصائده – فيما إذا كان الشاعر يقصد بقوله الطبيعة أو حبيبته؟ إنه يطالعنا بصور وخيالات وعواطف تخيل إلي أنه يتكلم عن حبيبته. ولكن لا أكاد ان أتابع القراءة حتى أجد نفسي منساقا وراء الصور والخيالات والعواطف التي تجعلني أعتقد أنه في كلامه يعني الطبيعة. وبين هذه المعاشر المتناوبة أحس ان الاثنتين قد اختلطتا في نفس الشاعر، وكأنهما توأمان فيها. وكل منهما يذكره بالثانية.
وإذا كان هذا هو أسلوب الشاعر في الوصف، حيث تسترق الطبيعة صفات من صفات حبيبته وبالعكس، فهو ايضا عواطفه وانفعالاته ، في صباباته ولهفاته ورعشات قلبه وجسده وهي أشبه برعشات الطبيعة وما فيها. وهل الشاعر هو الفرح أم الطبيعة؟ أهو الكئيب أم هي؟ ولا مجال هنا لأطيل في التمييز، لأن ذلك يعقّدني ويضلني لو حاولت الوصول إلى التحديد، وأحسن صنعا ان أتخلص من هذه الصعوبة بقولي: "إن هذه الميزات الشعرية معا تفوح من كلماته وإحساساته وصوره، فالشاعر لا يستهدف من شعره حل مشاكل ولا التزام قضية، إنما يريد قارئه أن يغني بشعره الغزل الوجداني الذي صيغ ببساطة اللفظ ووضوح الفكرة، الزاخر بالصور المتحركة الجميلة في قصائده".
وقد يجد القارئ قصائدا اتباعية النظم بعمود الشعر العربي وقافيته، وبعضها ابتداعي التجديد، غذ نجد تنوّع في الأوزان وتباعد في القوافي وأحيانا خالية منها. ونجد تلاعب في التفاعيل. ونستطيع أن نقرأ شعره على يدي مشاهير الشعراء أمثال : د.محمد مندور، سعيد عقل، عمر أبو ريشة، بدر شاكر السياب، وجورج صيدح. ويجيب القارئ بشعره ما يبدو فيه من سهولة في الكلمات المنغمة والمثقلة بالمعاني، وبالرقة المتأزرة بظلال الألوان، وكل هذه الصبايا تجمل شعره وتحليه لتكون شعرا لفؤاد الخشن وليس إلا.
 لم يجد شاعرنا في مستهل طلوعه إقبالا يثير حماسه، وما لقي من الاخرين ما يشد عزيمته، فساوره الفتور وأحس به فارتد إلى ذاته وبنى منها وطنا ما شعره في قريته، فأوغل في مسامرة النجوم، وتلهى بالخيالات والمعاني والألفاظ والأفكار. وكانت شاعريته انبثاقا عن الجو اللبناني الذي نمت فيه، ايام نشأتها وفي صباها، وأنى اتجهت وكيفما توجّهت.
شعره صادق ريب إلى القلوب، يوقع في النفس الحساسة المتذوقة للجمال الطبيعي بمظاهره البدائية، وهو ليس مأخوذا بزهو الثراء ولا فخامة القصور ولا فخفخة الجاه وشموخ الحسب والنسب، ولا بجعجعة المدينة المادية المصطخبة بالرياء وإنما سحره زهو الريف فاعتز به، بضوئه المنثور على ترابه، وبرعاته الذين يطلقون زفرات شبابتهم الشجية. ويرم بشعره أزهى الصور بأجمل الألوان وأرق النغمات. فيصف الوهاد والبيادر والنواعير والروابي، والأودية المخضرة الضفاف واشجار الصفصاف وصحراء الشويفات المشهورة بأشجار الزيتون والكرمة وأزهار السفوح والتلال.

طاقة من خمائل شعره
من وصف عرزاله
عرزالنا معلق يموج في العبق
صنوبرات المنحنى تضمه وتشفق
أغصانها ميادة من فوقه تعتنق
مراوح من مخمل تظلله وتخفق
ومن قصيدته في شعاب الريف
(بعد ان عاد من المهجر)
هل نست السفوح يا قلبي وهل        غربت عنك ثريات الدوالي
وصبايانا الرشيقات الخطى        كيف يحملن الأغاني في السلال
ها هنا تغفو شويفاتي            بين زهر منشر الفجر طيوبه
وهنا يا قلب نغفو عندما            تنتهي دقاتك الثكلى الرتيبة
تحت زيتونة سفح هادئ سوف        تبكينا بدمعات خضيبة
من "سنديانة الخلوة"
نموذج التجديد في رثاء غير الأحباء)
قطعت وكنت قباب ينام عليها الضباب    قطعت وكنت اخضرارا وظلا
وكنت على التل أحلى            جناح وأزهى وشاح


من قصيدة "فم"
وردة ذاك أن فم        أم من النار برعم
وإذا ضم خلته        زر ورد يكمم
ثغرك الحلو برعم        يستحي حين يلثم
جرحته مع الضحى    بالصبابات أنسم
وله الغيم قد هفا        وهمت منه أنجم
وبه البدر ذاهلا        راح في الليل يحلم
أطهميه فعندنا        كرز الصيف يطعم
وامنحيه فليس في        قبلة الحب مأثم
ومن قصيدة كآبة
لم رحت الآن ابكي        مثلما تبكي الطبيعة
لم اشتاق إلى هذه النجوم الشاحبات    أبها لون حياتي
لم ارتاح إلى إطلالة الغيم الشفيف         
لظلام الليل ، للصمت المخيف
        لأغاني المطر
        لانسكاب العبر
لذبول الورد أو موت الفراش
        للتلاشي
غير أن الآن في نفسي شتاء
        وبأعماقي بكاء


عزيزي اقارئ
تراني قد أسهبت، وعذري    وقد امتدت بي النفس، لأن حياة فؤادنا جديرة بالدراسة والتفهم والتعمق بها اكثر مما استطعت أن أفعله، وقد قصر النقاد والكُتاب في جلاء إنتاجاته ومحاسنها ومراميها وما وفوها حقها. وعذري إن أطنبت في الحديث حيث شعرت بوشائج قربى عاطفية ومعنوية.
 

 

 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.