spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 71
شهداء قرية جولس
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 152
العدد 151
العدد 150
العدد 149
العدد 148


 
شبابنا والمتغيرات (بين عنفوان الحكم وصيحة الإحباط) طباعة ارسال لصديق
بقلم الأستاذ : سلمان فراج
نعيش، والحمد لله، عصرا ويفاجئنا باستمرار بالمزيد من الظواهر والمظاهر المستجدة، ونحن نلهث وراءها فلا ندرك جديدها حتى نهب متعثرين لنتدارك ما استجد.
تتغير قريتنا شكلا ومضمونا بتسارع لا يكاد يلقي أمامنا بأشكاله المتلاحقة حتى نتذمر ونصيح : أننا مبطئون! تتكشف مظاهر الحضارة في أذهاننا فنشكو: أننا جاهلون تتهاوى مسلمات وضعية متوارثة عديدة وتخلفها المكتسبات العملية والمنجزات التحصيلية للأفراد فنقول: مجتمعنا رجعي متخلف.
كثيرة هي مظاهر التطور والتجديد في قرانا الدرزية في البلاد، سواء على الصعيد المادي أو على الصعيد الخلقي والذهني، ومع ذلك نحن غير مقتنعين بما حصلنا، وغير راضين عن أنفسنا بما كسبنا، ولو أمعنا النظر فيما نحن فيه فإننا لم نستوعب حضاريا من كل ما ذكرت أكثر من القشور وبعض اللباب.
لم أسق هذا الكلام نقدا وتجريحا وإنما إقرارا لظاهرة هذا هو حد بصيرتي بها، ومع أني أراها سليمة من نواحي عدة، أهمها: أن سبيل اللحاق بالعالم الواسع هي عدم الاقتناع بالواقع مهما غلب فيه الجديد على القديم، فأنني متهيب من ظاهرة السطحية ومن البعد الذي يفصل لمعان الظاهر المرجو لمثل هذه الظواهر، والأمور في هذا المجال لا تقاس بعملية المقارنة بين الأمس واليوم وإنما بوضع الحصيلة العامة أمام الحلم.
ورغم أن ما نحلم به ليس واضحا ولا محددا لأحد، حتى ولا لي، وكم شغلت نفسي بمحاولة التخمين والحدس فأعياني القصور، رغم ذلك فالمعادلة بدون تفاصيل سهلة وبديهية ، إذ من منا لا يحلم بقرية مثالية وبقيم مثالية وبسكن مثالي ونجاح مثالي ، وبيئة مثالية وسمعة مثالية ...ألخ؟؟
وطالما أن المثالي هذا معناه اليسر والهناء والشهرة والنجاح والنفوذ ... ألخ فكل منا يقيس الأمور بهذه المقاييس بآلته الخاصة، لأننا نفتقر إلى الآلة الجماعية التي توحد مقاييسنا والحصيلة في الغالب – على هذا النحو – غير مقنعة لأن دعوة السيد المسيح: "على الأرض السلام وفي الناس المسرة" لم تتحقق.
فبما أن الحياة في القرية ما زالت تنقصها أكثر مقومات هذه المتطلبات ، وبما أن نفوسنا تطمح لأكثر مما تحقق ماديا ومعنويا وبما أن لمعان القشور هو الذي يشدنا لعملية التغيير قبل التفاعل مع الجوهر.
وكلنا أن الأصوات العالية والقوالب الكلامية الصارخة في الأقرب إلى آذان الناس وعيونهم عبر وسائل الإعلام الحديثة والقديمة، وطالما أنه في زحمة هذا التسارع العنيف في كل شيء في القدرة والعجز، والتحرر والالتزام، والتفكك والاجتماع، والخلق والجمود، والإبداع والإحباط، والسطحية والعمق، والنزاهة والمداراة... لا يسع المنساق مع التيار إلا ان يمل أو يكل فيضج وهو أضعق ألإيمان، وهو اسهل المتنفسات.
والتطور الحقيقي لا يحدث وإنما يصنعه الناس صناعة، وكل صناعة تدخل فيها الحرارة والبرودة والعرق والراحة والنجاح والفشل... ولكنها على كل حال عملية محسوبة ومعاناة تخوضها المجتمعات برضى ورغبة.
طالما أن الأمور كذلك فمن الطبيعي إذن أن يرافق هذه العملية – عملية التغيير في حياتنا – ما يوجب الصخب بالنقد الذاتي والعنفوان الذاتي في آن معا.   
ويتجلى هذا الأمر خاصة في مجتمع شبابنا المثقف ضحية هذه التجربة ومرجل هذه المعاناة لأنهم يمارسونها بوعيهم وينشطون لاستيعابها ذهنيا أكثر من غيرهم، فتتصداهم متناقضاتها ويطوح [احلامهم مدها الصاخب على غير ما يحملون من التوازن ما بين التغيير في الشكل والتغيير في المضمون، فيصرخون أو يلومون وتعصرهم الحاجة إلى طلب المادة، ومثقفونا أحوج من غيرهم إليها وهي اشح عندهم من غيرهم لأنهم أبناء قرية ومثقف القرية عموما قلما يجد أكثر من المعاش، ولهذا فأننا لا نرى فيهم إلا عنفوان الحلم تتلوها في الغالب صرخة الإحباط والصمت المغلق بالاحتجاج.
يتهمون شبابنا المثقف بالنرجسية والنرجسية في علم النفس التحليلي مرض نفسي لأعراضه الرئيسية حب الذات او عبادة الذات لدرجة العبادة التي تجعلهم غرباء! أهم من التقوقع المتغالي والرفض الغيري والتباهي الذاتي بما يقربهم من هذه الظاهرة المرضية.
أعتقد أن الاتهام قاس وأنهم بما كسبوا من معارف علمية حضارية في الجامعات ودور العلم يحسون بعجزهم عن أداء دورهم الحضاري على صعيد مجتمعهم الطائفي لأنهم لا يجدون أمامهم من الأطر الاجتماعية أو التنظيمية ما يمكنهم من تحديد حلمهم الجماعي وتفريغ نشاطهم في سبيله، يهاجمهم الإحباط ويغرقون في دوامة المادة وهموم الحياة. ومن يقاوم منهم ليصنع شيئا ولذة الحياة عند أكثر الناس في ان يصنعوا شيئا يصدمه التيار العارم الذي لا حدود له ولا مقاييس، فلا القيادة قيادة ولا الانتظام انتظام ولا الحقيقة ثابتة، وكل شيء آني متغير ، وكل المتغيرات في حينها جامدة صلبة وعنيفة كعنف التيار وكصلابة حماسنا، فيصرخ ثم ينتقد ثم يحقد ثم يبح صوته ونقول نحن إنه نرجسي... إنه...
لم اصل إلى هذا التصوير مدافعا عن كل المظاهر السلبية إلى حد الرفض اليائس والاستهتار المعذب المتعالي لدى بعض شبابنا... ولكني فعلت ذلك لقول إنه طالما ظل شبابنا يفرغون ذواتهم في الهواء دون أن تكون هنالك تنظيمات فاعلة تستنفذ طاقاتهم وتستوعب أحلامهم وتمتصها جميعا لتصب في مسار الحلم الأكبر، حلم الجماعة فإننا سنظل نقول ونقول... ويقولون فينا ما يقولون... ولن يعجبنا فيهم حماسهم وقسوتهم ولم يعجبهم فينا برودنا وانشغالنا .. اقول هذا وأنا أحس أني أفهمهم لأن عهدي بتجربتهم قريب جدا وسيبقى الحلم يشدنا عن معرفة التغيير بقدر ما سيستعبدنا التغيير، وسنبقى نلهث وراءه فلا نكاد ندرك ما وصلنا، حتى نخف لنتدارك ما استجد.
وبئس مجتمع كل همه تدارك الأمور بعد وقوعها.
!


 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2020 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.