spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 123
حفظ الإخوان وآداب الصحبة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 140
العدد 139
العدد 138
العدد 137
العدد 136


 
زيارة مقام النبي شعيب (ع) عملية اتصال اجتماعي وتضامن إخواني بين الدروز طباعة ارسال لصديق
بقلم الأستاذ تركي عامر - حرفيش


* اعتاد بنو البشر - على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم - زيارة الاماكن , التي يقدسونها , من مقامات الانبياء ... وقبور الصالحين .. ومزارات الاولياء . الى ان اصبحت هذه الزيارة , تقليدا تليدا , ينتقل من السلف الى الخلف , وعرفا قويما , يسير عليه المعتنقون والمتمذهبون , كافة . والزيارة هذه قديمة - قدم الديانات والمذاهب - وهي عبارة عن فريضة اجتماعية , تقضي بودوب قيام المؤمن بالزيارة ,اينما كان مكان اقامته ,من جهة , ومكان المقام , الذي تفرض تفرض عليه زيارته , من جهة اخرى . وكثيرا ما تكون هذه الزيارة بمثابة حجيج , بالنسبة لمقامات ومزارات معينة , لدى بعض الديانات , كاليهمدية والنصرانية والاسلام . وفريضة الحج - عند المسلمين , على الاقل - ليست اجتماعية فحسب , بل هي دينية - جبرية , قبل كل شيء.

*اما الدروز (او -على الاصح - الموحدون ), فلا يحجون . ومحجهم - وجه الله - الفرد الاحد الصمد - عز وجل , وقبلتهم - التقية والتقوى . لا سحجون الى اي مكان ارضوي , لأن مذهبهم التوحيدي الشريف , بعيد - كل البعد - عن فكر وممارسة الطقوس والمراسيم الشكلية , التي توجهها , مناهح " الرأي والقياس " . والحج هذا , شكل من تلك الطقوس والمراسيم , التي ينادي بها " التحيد ", الذي يستند الى احكام العقل والمنطق.

* ولهذا , يكتفي الدروز بزيارة مقامات انبيائهم المعصومين والمكرمين . ومزارات اوليائهم الفاضلين والصالحين .. متبركين بأصحابها , ومصلين في خلواتها , ومقيمين نذورهم في رحابها . يقوم الدرزي بزيارة تلك المقامات الشريفة والمزارات المقدسة , متى يحلو له ذلك . فلا احد او امر يردعه عن زيارة اي مقام او مزار كان , والمكوث فيه كم يشاء من الوقت . ولكن شريطة ان لا يتعدى سلوكه - اثناء وجوده في المقام - حدود الادب والعفة واللياقة محافظة على قدسية المقام وتكريما لشرف صاحبه.

* ومن اجل ان تكون زيارة هذه المقامات الشريفة , عمومية , يشترك فيها جميع ابناء الطائفة التوحيدية - والعقال منهم بخاصة - ضرب الدروز موعدا سنويا لزيارة كل من مقاماتهم  المقدسة . وبهذا تكون الزيارة العمومية السنوية , بمثابة لقاء اخواني شامل .. او اجتماع طائفي عام ... او " مؤتمر" درزي عمومي , يشترك فيه , من يريد ذلك من ابناء الطائفة - عقالا وجهالا , على السواء . وبهذا تكون المنفعة الدينية والفائدة الاجتماعية , عمومتين , تشملان الجميع.
من المعروف ان الدروز في اسرائيل , يزورون مقام النبي شعيب عليه السلام , الكائن بالقرب من قرية "حطين" القديمة. ويزوروز مقام النبي سبلان عليه السلام - بالقرب من قرية  "حرفيش " ويزورون مقام النبي الخضر عليه السلام في قرية " كفر ياسيف" ويزورون مقام اليعفوري - بالقرب من قرية " مسعدة" في الجولان . لكل من هذه المقامات الشريفة الاربعة, موعد سنوي محدد, لزيارته زيارات عمومية - تقليدية.

***
* اما زيارة مقام النبي شعيب عليه السلام - موضوع حديثنا الحاضر - فاعتاد مشايخ الدين الاجلاء , القيام بها في الخامس والعشرين من شهر نيسان, في كل عام. غير ان المقام مفتوح , جميع ايام السنة , يقوم الدروز بزيارته, بصفة فردية او جماعية او اسرية , من جميع القرى. وأصبحت زيارة هذا المقام الشريف ,"عيدا" رسميا للدروز, اعترفت به حكومة اسرائيل - وزارات ودوائر رسمية , ونقابة العمال العامة - لجان ومجالس عمالية . مع ان اطلاق صفة " العيد" على هذه الزيارة المباركة , يغير من معناها ودلالتها. وكان من المفضل ان تقتصر على هذه المناسبة السعيدة كلمة " زيارة" فقط , حفاظا على التراث الماضوي الكريم , الذي سار عليه الاقدمون . وهذا العيد شيء - والزيارة شيء اخر, ثمة اختلاف جوهري بينهما.

* لسنا بصدد التعرض لتاريخ المقام الشريف او وصف بنائه ورحابه المقدسة , انما سنحاول استبيان كون زيارته العمومية السنوية ,    عبارة عن عملية " اتصال اجتماعي" و " تضامن اخواني" بين الدروز . ان زيارة هذا المقام الشريف , هي " الزيارة العمومية التقليدية " الكبرى لدى الدروز. هذا لأن النبي شعيب عليه السلام - هو نبي الانبياء, الذين بقدسهم الموحدون . وهذا المقام بعيدا - جغرافيا - عن جميع مراكز تجمع الدروز, غير انه قريب جدا - بل كائن في قلوب الموحدين وعقولهم ونفوسهم , يأتون الى زيارته المباركة اينما كانوا ووجدوا.
****

* تقتصر هذه الزيارة العمومية - التقليدية السنوية, على التبرك بصاحب هذا المقام الشريف - النبي المختار, سيدنا شعيب عليه السلام فيدخل الزائرون مقصورة الضريح الطاهر , يلثمونه, متلمسين صفاء نوره الشعشعاني . ويعقدون الجلسات والسهرات الدينية العامرة بقصد العبادة والصلاة والوعظ والارشاد. هذا من الناحية الدينية - التعبدية . اما من الناحية الاجتماعية , فان تجمع الدروز الزائرين - من مختلف اماكن سكناهم في مكان واحد , وبعد طول انقطاع,يشكل هذا لقاءا عاما او اجتماعيا عموميا, يعمل على استمرارية الاتصال بين ابناء الطائفة, وعى تواصل الاحتكاك الاجتماعي فيما بينهم . وهذا الاتصال وذلك تلاحتكاك يولدان التبادل الفكري والثقافي , بين الدروز - افرادا وجماعات - على اختلاف اقاليمهم. وبكلمات اخرى - تتمخض الزيارة العمومية عن عملية متبادلة من " التثلقف" فيما بين الزائرين . وينبثق عن هذا  "التثاقف" المتبادل , وضعية التضامن الاخواني بين ابناء هذه الدوحة المعروفية الشامخة.

* يتعرف - في هذه الزيارة - الدرزي الى اخيه الدرزي , الذي لا تسمح ظروف عيشه وعمله بالتعرف اليه في مناسبات اخرى, غير مناسبة هذه الزيارة المباركة. فبالاضافة الى التبرك بزيارة المقام الشريف, يتعرف الدرزي على اخوان له في الدين , يستفسر عن معارفه من اقرباء واصدقاء , طال فراقهم. وهذا ايضا من شأنه تكثيف الاتصال الاجتماعي وتصعيد التضامن الاخواني فيما بين الدروز, ايمنا كانوا.
* وخلال سهرات وجلسات واجتماعات الزائرين , تطرح المسائل والقضايا المختلفة - دينيا وطائفيا واجتماعيا - على كبار شيوخ الدين الاجلاء, التماسا لبركاتهم النافعة وارائهم المصيبة في حل تلك المسائل والقضايا , التي من شأنها الوصول الى حلول سليمة لها , سير امور المجتمع في المسار الصحيح . وبهذا يتعرف الزائرون الى الحياة الدينية والطائفية والاجتماعية عند بعضهم البعض. وكذا , يسمعون عن الاماكن والمؤسسات الدينية والاجتماعية والمشروعات والجمعيات الحيوية والخيرية , عند بعضهم البعض. ومجرد التعرف الى هذه تنتقل افكار ومخططات هذه المشاريع من مكان الى مكان ومن ناحية الى ناحية . فيتبنى البعض هذه الافكار والمخططات , وسرعان ما تتحول الى اعمال وتنفيذات على ارض الواقع الدرزي. وهذا من شأنه التقدم والنهوض بأوضاعه الراهنة.

* يلتقي الدروز - بغض النظر عن اختلاف انتماءاتهم العائلية والاقليمية والسياسية - يلتقون في رحاب مقام شريف , ينسيهم هذا تباين انتماءاتهم , ويصهرهم في بوتقة طائفية - اخوانية - اجتماعية متماسكة واحدة , ويطهر من نزعاتهم الارضوية وشهواتهم الدنيوية فيتعانق الزائرون بعضهم مع بعض , ودموع الفرح باللقاء , تنهمر من الاحداق, معبرة بصدق عن تلك الوحدة الاخوانية والرابطة الاجتماعية التي تجمع فيما بينهم , متذكرين فريضة حفظ الاخوان وعاملين بموجبها. تلك الفريضة الاجتماعية - التضامنية , التي يسير الموحدون على هديها ونهجها السليمين . وهذه تسعة قرون حاولت نظريات التنظيم الاجتماعي الحديثة في التوصل الى مناهج " التعاون " و" الاشتراكية " وغيرها من المسالك التنظيمية , من اجل التضامن الاجتماعي بين بني اليشر , غير ان " فريضة حفظ الاخوان " أبلغ من جميع نظريات " الاشتراكية والتعاون " و " الامن القومي " التي ابدعها الفكر الاجتماعي في العصر الحاضر.

* واتصال الدروز الاجتماعي هذا - في الزيارة - من شأنه التأكيد على تلك الفريضة التضامنية - التعاضدية , وتثبيت اواصر العلاقة المتينة فيما بينهم . وبهذا , تكون الزيارة , مسرحا لتطبيق الفكر التوحيدي الشريف , ومنطلقا للعمل بموجب مقتضيات مسلكه العرفاني القويم . ومن هنا تشكل الزيارة حلقة من حلقات نظام التربية التوحيدية الرشيدة.

* كثيرا ما يصطحب الشيوخ الزائرون اولادهم الصغار الى تلك الزيارة المباركة . وهذا مما يعمل على ان يذوق الصغار - في قلوبهم - عقائد وقيم الدين التوحيدي الشريف , وطرائق ومعايير المسلك الاجتماعي الصحيح . وهكذا , يذوق الصغار انماط ثقافة مجتمع الدروز الدينية - الطائفية - الاجتماعية التقليدية , في نفوسهم , كي تصبح هذه مغروسة في اعماق ذواتهم , يسيرون ويسلكون بموجبها . ويتعرف هؤلاء الصغار الى تراث طائفتهم السلفي , واداب اسلافهم الحياتية , فيشبون في ظل التربية التوحيدية الشريفة .......وينشأون في مناخ اجتماعي قويم , سليم , صالح.

* تغطي وقائع الزيارة المباركة , وسائل الاتصال الصحافية والاذاعية والتلفزيونية, فتصل مطالب المشايخ الى الدوائر الرسمية في الحكومة , بالاضافة الى ذلك , وقبل هذا , وسائل الاتصال هذه عبارة عن نظام اعلامي - تثقيفي , يتعرف عن طريقه , الشباب والاطفال , الى ذلك التراث الدرزي التليد , بمجرد سماعهم عن وقائع تلك الزيارة .

* قلما يشارك الشباب الجهال شيوخهم العقال في هذه المناسبة ظنا من الشباب ان الزيارة مقصورة على الصلاة فحسب . لا ايها الشباب . تعالوا لنذهب ونشارك مشايخنا الافاضل في هذه الزيارة المباركة لمقام سيدنا شعيب عليه السلام . تعالوا نتعرف الى مشايخنا الاجلاء , تعالوا  نشاركهم اجتماعهم العمومي هذا تعالوا الى تراثنا وادابنا . هكذا , ننعم - نحن الشباب - بامكانية التعارف بعضنا  ببعض , ونتحد في اتصالنا الاجتماعي هذا في مصهر اخواني - تضامني واحد , ونسمع عن مشاكل مجتمعنا ومطالبه ونشارك في حل هذه وتلبية تلك.

* وهكذا - اخي القاريء - ان زيارة مقام النبي شعيب عليه السلام , هي بالفعل عبارة عن عملية سليمة , تحدث في مراحلها , مسارات الاتصال الاجتماعي والتضامن الاخواني بين الدروز, اينما كانوا . وكلنا امل ام يتمكن دروز لبنان من مشاركة اخوانهم دروز اسرائيل وهضبة الجولان , في الزيارة العمومية للمقام الشريف , هذه السنة . وجعلها الله زيارة مباركة مقبولة للجميع . والله من وراء القصد.










 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.