spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 91
أمير البيان شكيب أرسلان في بلادنا
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
العمامة إشارة للدين ورمز للأتقياء الصالحين طباعة ارسال لصديق
بقلم الشيخ لبيب أبو ركن
سم اله الرحمن الرحيم فهو حسبي وثقتي وبه أستعين
حينما وقع نظري على أول عدد من مجلة العمامة وعلى مبناها ومغزاها وأهدافها فألقيناها مجلة قيّمة سلكتم في مواضيعها أحسن المسالك وجعلتم منا وباسمها لسانا كأنه ينطق مبيّنا عن كيان أـرباب هذه الطائفة ماضيا وحاضرا وعلى أن يكون مستقبلا أن شاء الله، منقبا عن تراثهم القديم وإعادة مجدهم الغابر وسالف عهدهم الزاهر ، فجدير بأبناء هذه الطائفة أن يقدّروا لكم جهودكم ويشدوا أزركم في هذا المجال الشاق الذي صممتم أن تخوضوا غماره والذي إن حققتم ما تصبو إليه كان أعجوبة مكللة بالفخر والاعتزاز.
وقد جاءت هذه الفكرة أو مجلة العمامة كأنه شفاء من داء الجهل والضلال وفضل من نور الهداية والإرشاد/ وذلك هو علم الدين المسطّر في صفحات الكتب الدينية السماوية المنزلة على الأنبياء والمرسلين، أعني التوراة والإنجيل والقرآن وغيرها المشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أولئك الأنبياء والمرسلين للهداية والإرشاد في كتبهم الدينية وتطبيقها من حيث المعنى والأصيل، فكانوا يلبسون العمائم على اختلاف أصنافها إشارة إلى التعاليم الدينية التي بها تُدرك الدقائق وتعلم الحقائق، ولقد حذى حذوهم وتزيا بزيهم عبر التاريخ جميع الرجال الصالحين والزاهدين وطالبي العلوم الدينية والروحية / ولن يقبل لنفسه من مسلك هذه المسالك واتّبع هذه السنن إلا ويتوج هامه بهذا الإكليل الغار وأعني به "العمامة". ولقد جاءت بادرتكم هذه مطابقة الاسم على المسمى إذ توّجتم مجلتكم الزاهرة بهذه العمامة التي اختارها كما قلت الأنبياء والمرسلين ورجال الدين الصالحين أشرف المخلوقات الذين أوجدهم وبعثهم الله سبحانه وتعالى لهداية الخلائق ومعرفة عظمة الخالق فكانت العمامة أعظم تاجا اهتدى إليها أولئك الرسل بوحي من الله تعالى، وأعظم رمز للطريق المستقيم، وطريق الخيب والدين ولتكون هي الإشارة الدالة على تمييز المتقين والرمز المبين الذي فيه سعادة المؤمنين.
فإذاكانت الشمس آية من آيات الله تعالى جعل الله نظاما في مسيرها ، فقد جعل الله العمامة آية للمؤمنين يتميزون بها بالتقوى والتوجه إلى الله إذا صحت عقيدتهم وتعمموا بها بمسيرة حميدة وسريرة صادقة كانت لهم الدرع الواقي والمميز نحو الفخر والاعتزاز، وهكذا ما يكون لنا عبرة في كل وقت وزمن.
وعلى سبيل ذلك اذكر بأنه جاءني قبل أسبوع شاب من المتجددين المقبلين على الطاعة والطالبين التقرب لله سبحانه وتعالى وطلب مني إعطاءه شهادة دينية لإعفائه من خدمة الاحتياط في الجيش ، وقال إن الزي الذي أتزيا به الآن بعد إقبالي على الطاعة لا يسمح لي أن أغير هذا الزي وألبس البذلة العسكرية، فأجبته أنت في أول عهدك بالطاعة وفي أول الطريق ولم تقطع بعد المرحلة المتوجبة عليك لاستلامك الدين، ومن رأيي أن تذهب هذه المرة وتخدم في جيش الاحتياط حتى تلحق الدرجة التي يحق لك ان تدخل زمرة السالكين وذلك على سبيل الاختبار والامتحان، فقال أنا فخور بإقبالي على الدين ولن يغيّرني بعد هذا شيء في الدنيا وقد عاهدت نفسي ان لا أرجع عن هذا المسلك أبدا وسأسير به وخاصة بعد أن تذوقت حلاوة ما سمعته من الوعظ والإرشاد من بداية الطريق، فلي الشرف والاعتزاز بأن توجت رأسي بهذه العمامة التي ترمز كليا إلى الدين والتي أصبحت أعتبر نفسي بها إنسانا مؤمنا بالكتب والرسل وقد تغير علي جو الجهل والظلمة بجو النور والهداية، وكأنني خلقت في هذه الدنيا من جديد ، وتبدل في جسمي وجوارحي كل ما رأيته منذ البلوغ إلى يومنا هذا من زخارف وملاهي إلى اتعاظ وهداية وزالت عن عيوني تلك الغشاوة التي طمست بها عيني في الظلمة الحالكة والعميان المهلك بافتتاح آفاق جديدة بنور الطاعة والإيمان وكل ذلك استحوذني واستولى علي بفضل هذه العمامة وأشار إلى رأسه بيده مشيرا إلى العمامة ومقتديا بلابسيها فوجدت نفسي بها إنسانا كاملا كما ذكرت وعقدت النية والعزيمة أن لا أتركها بعد الآن.
فعندما سمعت منه ذلك وتأكدت تصميمه على الطاعة وإقباله الكلي للوصول إلى غايته المنشودة، فما كان علي إلا أن أنزل عند رغبته وأجبته إلى طلبه وزودته بكتاب لإعفائه من الخدمة العسكرية الاحتياط داعيا له بالتوفيق والهداية والعناية من الله بتحقيق أمانيه إذا صحت منه العقيدة وصدق فيه العزم وصفت بقلبه النية وتمنيت لجميع شبابنا ان يحذوا حذوه ويقبلوا على الهداية والتمسك بدينهم الهادي القويم، والله سبحانه يضل ويهدي وهو العليم الخبير.
إذاً فعلى من يتعمم بالعمامة أن يقوم بواجبها وواجب قدسيتها ، كما عليه شروط يجب أن يتقيد بها، منها أن يكون قلبه متجها على الله وحده متضرعا وداعيا غير غافل فإن الله سبحانه وتعالى لا يجيب دعوة من غفل قلبه وتوجه لغير الله ولكنه يستجيب إلى دعوة الداعي إذا دعاه بقلب سليم وأيمان حقيقي، وأم يكون مطيعا لله فيما أمر ومجتنبا ما نهى عنه ومما نهى عنه من أكل الحرام والاغتصاب،... وعلى من يتعمم العمامة أن لا يملّ من الدعاء ولا ينقطع عنه مهما طال وتأخر لقول النبي (ص) فإذا دعوت فاسأل الله كثيرا، وعلى من يتعمم العمامة أن يكون صادق اللسان حافظا للإخوان بعيدا عن الشعوذة وزخاريف الشيطان، ولا يؤمن بالسحرة ولا بعبادة الأصنام والأوثان وأن يؤمن بالقضاء المحتوم والقدر المعلوم وأن بحلول الساعة التي هي "القيامة" وهي آتية لا ريب فيها، وعلى من تعمم العمامة ان يرد حياض الدين ويملأ قلبه من كنوزه وذخائره ودرره وجواهره.
فكل من بغوص في أعماق الذين ويبحث عن جوهره ومعانيه ودقائق مبانيه لا بد أن يظفر ببعض ما يريد ما دام الإخلاص رائده والحياد في البحث قائده والوصول إلى حقائقه بغيته ومطلبه وذلك هو هدى الله يهدي به من يشاء من عباده.
فالدين الحقيقي هو السبب الموصل إلى الله تعالى وهو الوسيلة التي أن مسك بها عبد موفق كان منتهي أمره إلى جنة الخلود وهو الذي إن تمسك به جماعة متفرقة تتحد أو متباعدة فتتقارب أو متعادية فتتحابب أو جاهلة او مظلومة فتنتصر أو جماعة هالكة فتنجو او شقية فتسعد في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى :
"واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فآلف بين قلوبكم فأصبحتم بنعماه إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون".
فمن تمسك بالدين بالإخلاص واليقين كان شفاه لقلبه من الكفر والإلحاد، شفاء للأفكار من الأمراض والشبهات وهو شفاء الصدور من الحقد والحسد والبغضاء.
وما أكثر أمراض القلوب وما اشد إساءتها للناس، وما أخطر أمراض العقول وضررها في الناس، إنها سبب الشرك والإلحاد وسوء الظن برب العالمين.
والعمامة متمثلة بالأخلاق الرضية من تعمم بها بالتقوى والنية الصافية فقد كرّمها وكرم نفسه بها وكرم لابسيها من الغابرين والأحياء ، ففيها تمثيل الصدق والأمانة والحياء وحفظ حقوق الآخرين والعدل والإحسان والكرم وحسن المعاشرة للأهل والناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  ولا ريب أن البضاعة الرابحة بين الناس هي الأخلاق لذا يصادق الإنسان بها الغريب ويترك القريب الشاذ، يصافح البعيد ويهجر الأهل حيث قال الله تعالى:
(يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصالحين - خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) والأخلاق في العالم ليست أعرافا قانونية ولا عادات موروثة ولا تقاليد منقولة ولا منافع ولا معاملات بالمثل إنها مثل العبادات والمعاملات مرتبطة بالعقيدة برباط وثيق موصولة بالإيمان بسبب متين وعليه فإن المؤمن حين يصدق يصدق لأن الله تعالى أمر بالصدق لا لأن الصدق نافع وحين يؤدي الأمانة يؤديها لأن الله أمر بذلك لا خوفا من الفضيحة والعقوبة العاجلة ولا حرصا على حسن السمعة بين الناس، وهو حين يبتعد عن الفواحش والمنكرات لا يبتعد عنها خوفا من الناس أو خشية على مصلحته، وإنما خوفا من رب العالمين الذي لا تخفى عنه خافية لا في الأرض ولا في السماء يعلم السر كما يعلم العلانية على حد سواء.
ومما لا ريب فيه أن نهضة الشباب الدرزي الدينية في العهد الأخير التي كادت قبلا أن تنسى وتضمحل جاءت بوحي من الله سبحانه وتعالى دالة على اختبار الفكرة الدينية الروحية في قلوبهم، والتفاني في حب العقيدة الدرزية فحققت كثيرا من الآمال الجسام غي الآباء والعائلات والأماني في قلوب المؤمنين.
وإنني بصورة خاصة لمغتبط لهذه اليقظة الدينية الجديدة في نفوس الشباب التي أنزلها الله فيهم وفي هذه الروح الطيبة التي أوجدها الشباب في عقولهم الزكية.
ولا سبيل لأمة في بلوغها ذرى امجد وبقائها في هذه الحياة بالاحترام والتقدير والإكرام إلا إذا توفرت في أفرادها من شيوخ وشباب عناصر الإيمان وعوامل الدين بالتقوى والإخلاص والحكمة والأخلاق، وعلى الشباب الطائع واجب مقدس نحو هذه المبادئ الذي أرجو أم يقوموا به بفضل هذا الشعور، وكل ما أطلبه إليهم استعمال الحكمة والنظام الديني ، لأم النظام خير مساعد لهم في أهدافهم، وأن يكون تحمسهم لهذه المبادي والعقائد بهدوء  وعملهم فيه وإقبالهم عليه بالتروي، وغننا بدورنا هذا نعطف على هذه الفئة وغيرها من الشباب المقبل ونمد لهم يد المساعدة لأننا أصبحنا نعبق عليهن أكبر الآمال.
وصفوة القول أن للعمامة التأثير الأعظم في الهيبة والوقار والاحتشام والمبادرة للدين ولهذا التأثير الأكبر في التواضع والأخلاق والعادات، وما من أمة غيرت أخلاقها وبدّلت عاداتها إلا وطرأ عليها الانحلال وأصبحت عرضة لنوازل الدهر.



الشيخ لبيب أبو ركن
من مواليد قرية عسفيا 1916 أنهى المدرسة الابتدائية حتى الصف الرابع ليتلقى علومه الدينية واللغوية على يد معلم خاص من لبنان، أشغل مناصب ووظائف عديدة، في فترة الانتداب البريطاني أقام ونظم جماعات من المحاربين والمدافعين عن القرى الدرزية ضد عصابات الثوار، أسس جمعية إعانة الفقير الدرزي بالاشتراك مع الدكتور حمزة والدكتور يوسف يحيى والحاكم البريطاني ورصدت أموال الجمعية لبيت اليتيم الدرزي في لبنان.
كان أول رئيس للمجلس في عسفيا منذ تأسيسه سنة 1951 وحتى سنة 1959 حيث انتخب عضو في حيث انتخب عضوا في الكنيست الرابعة. سنة 1962 عُين قاضي مذهب للطائفة الدرزية ونظم أعمال المحكمة الدينية الدرزية في مراحلها الأولى وأقام ونظم المحكمة الدينية الدرزية في هضبة الجولان بعد سنة 1967. وفي سنة 1980 انتخب عضوا في محكمة الاستئناف الدرزية وهي الهيئة العليا للطائفة الدرزية في إسرائيل.
كان رئيسا للجان عمالية عديدة حيث تأسست جمعيات ونقابات زراعية وتجارية للاستهلاك والإنتاج والتسويق مثل صندوق العمال والفلاحين واتحاد المراقبة للجمعيات التعاونية.
أقام بيت الشعب في عسفيا على اسم ابنه المرحوم بركات الذي توفي في حادث طرق وعمره 20 عاما.  
 


 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.