spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 94
شخصيات تاريخية.. أبو حسن آغا سعيد حاكم جبل نابلس
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130


 
مفهوم القيادة عند الدروز طباعة ارسال لصديق
بقلم الشيخ وديع تلحوق - لبنان
بعد أن تصدع عهد الدولة المعنية في لبنان ظهر في تاريخ الدولة العثمانية في مطلع القرن الثاني عشر الميلادي إلى أواسط القرن التاسع عشر فترة يسميها بعض المؤرخين فترة "المغامرين الطموحين" لقد جعلوهم مغامرين كي لا يلقوا عليهم صفة البطولة وجعلوهم طموحين كي لا يحرموهم من شيء من الصفات المعنوية، هؤلاء المغامرون الطموحون كانوا سبب تفتت الدولة العثمانية كما كان الأمراء والعمال، الذين أخذ كل واحد منهم يستقل بذاته وبأيالته، سببا في تفتيت الخلافة العربية في بغداد. كان بعض هؤلاء يظهر في أطراف الإمبراطورية العثمانية خارج العالم العربي ولكننا لم نكن نحس له أثرا ولا نقرا له تاريخا. أما من ظهر منهم في وطننا وبين بروعنا فإن تاريخهم حي ماثل للعيان، وهذه مدن بلاد الشام وفلسطين ومصر حافلة بالأسماء الكبيرة من علي بك الكبير إلى أحمد ابو الذهب إلى الشيخ ظاهر العمر إلى أحمد باشا الجزار وحتى محمد علي وابنه إبراهيم باشا. لقد ظهر في كل بقعة في العالم العربي واحد من هؤلاء المغامرين الطموحين.
أما في جبل لبنان فلم يظهر شيء من هذا . ما هو السبب في ذلك يا ترى؟ السبب في ذلك أن السيادة المحلية في جبل لبنان كانت راسخة الأركان لا يستطيع ان يلهو بها مغامر ولا يستطيع أن يعبث بها حاكم وليس من السهل على أحد ان يجعل الحكم لعبة وهواية أو سببا للاستئثار والانتفاع، لقد كان الحكم في جبل لبنان في أيدي الشعب، في أيدي أبناء الجبل كله ولم يكن في يد أمير او في يد أسرة او في يد حاكم فرد.
ويحسن بنا أن نقف قليلا في هذا المقام، لنشير إلى إحدى الصفات المجهولة او المنسية في المجتمع الدرزي الأصيل، هذه الصفة التي لم ينتبه إليها المؤرخون ولم يوضحها البحث بعد.
أن معنى السيادة، والسلطة والحكم في المجتمع الدرزي في جميع أدوار التاريخ لم يكن يعني استئثار فرد مستبد أو أسرة خاصة أو طبقة معينة، بالحكم أو السلطان. هذا بالرغم من أن ظاهر التكوين السياسي والعسكري ينوع خاص ، كما يبدو كما لو كان فرد معين هو المستأثر بمظاهر السيادة أو أم أسرة خاصة او طبقة محدودة هي التي تتمتع بالسلطان وما يتفرغ عنه من حقوق ومزايا.
واقع الحال هو أن السيادة في جميع الأدوار التي مارستها أسرة معينة من الدروز أو أمراء بارزين من القادة والأبطال والأفذاذ فيهم كانت سيادة شعبية بمعناها المطلق. توزع حقوقها ومسؤولياتها على كافة عناصر الشعب وطبقاته في المجتمع الدرزي، فيصيب كل بقدر كفاءته وقدرته/ سيان في ميدان الحرب والنضال او في مجال الإدارة والعمل على بناء المجتمع الأفضل.
ومن المغالطات التي يجب تصحيحها وإيضاح حقيقتها، الزعم القائل بأن تاريخ الدروز القديم هو تاريخ إقطاع وان هذه الطائفة كانت ذات نظام إقطاعي استبدادي وهذا خطأ محض. فالإقطاع - كما نعرفه في أوروبا - كان يملك الحاكم الأرض بمن عليها في حين أن المجتمع الدرزي الأبي النفور الكريم الذي تتغلغل الكرامة في كل فرد من أفراده يأبى أن يعيش في نظام إقطاعي. فما هو النظام الذي كان يعيش فيه الدروز ؟ وما هو النظام الذي كزن تاريخ الدروز ؟ أنه نظام الفرقة العسكرية بما فيها من عبقرية في القياد ومن عبقرية في الانقياد إذا كان أعمى لا يكون نظاما وقد كان الدروز نظام بديع مبني على وحدة القيادة سيان كانت هذه الوحدة بصورة فعلية كما كانت في عهد الأبطال أمثال الأمير فخر الدين أو بصورة اسمية كما كانت في عهد خلفائه من بعده الذين لم يكن لهم شخصية تجعلهم يمارسون صفة القيادة الموحدة بصورة فعلية، بل كانت هذه الطائفة تتخذ منهم رمزا للوحدة والتنظيم.
وكانت له صفة الانقياد، هذا أو الخنوع وهذا هو سر النظام العسكري: القيادة المقدسة في سبيل تحقيق غرض المجموعة العسكرية،أما الطبقات التي كان يقوم عليها النظام الإقطاعي والتي يتصور الذين يجهلون تاريخ الدروز أنها كانت موجودة في مجتمعهم فهذه لم تكن موجودة حتما. وإنما كان هناك تفاوت في درجات القيادة شان النظام العسكري البديع.
 إن هذا النظام العسكري الدقيق جعل من الدروز في جميع أدوار تاريخهم فرقة عسكرية مجندة بكاملها معبأة على أفضل نظم التعبئة مهيأة للدخول في أية معركة كانت في مدى قصير جدا لا يتصوره الطرف الآخر، وهذا ما غرر بالعض في مناسبات شتى - دون تحديد - ان يقتحموا المعركة مع الدروز على اعتبار أن لا قوة لهم تدخل ميدان المعركة. حتى إذا حصل التحدي وتم الاحتكاك، وانبثقت القوى الكامنة في المجتمع الدرزي بما عرفت فيه من باس شديد ونظام راسخ وتعبئة سريعة فذة وسرعان ما ينتقل زمام المبادهة في هذه المعركة - وفي كل معركة - إلى الجانب الآخر فيصبح الفريق الذي بدا التعرض والهجوم مدحورا مشتت القوى لا يملك حتى وسائل الدفاع. وينتقل الفريق الآخر من الدفاع المشرع إلى الهجوم الشامل العنيف الذي يقرر مصير المعركة في أقصر وقت منتظر.
بهذا أصبح واضحا أن يتجنب لبنان في عهد قيام السيادة الدرزية فيه شرور المغامرين الطموحين ، لهذا كان نديهيا أن نرى المغامرين يقتطعون أجزاء الدولة العربية قي زمن الخلافة العباسية وأجزاء الدولة العثمانية في زمن الخلافة العثمانية أجزاء متنافرة يجعلونها نهبا مقدسا بينهم ويتناقلونها من واحد إلى الآخر دون سياسة ودون تخطيط ودون مبرر إلا في جبل لبنان، الذي ضمن له الدروز السيادة الذاتية والأمن والكيان المنيع.
لقد عاش في لبنان في أـمن واستقرار في القرن السابع عشر وحتى منتصف القرن الثامن عشر بينما كان المحيط حوله يعيش في حالة قلق واضطراب وتقلبت الزعامات والإمارات والأسماء خارج لبنان لكن الوضع في لبنان ظل يسير سيرا هادئا طبيعيا في تلك الفترة الحرجة.
مقتطفات من محاضرة ألقيت في بيروت في 2 حزيران عام 1959
 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.