spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 98
عطاء النبي شعيب (ع) للإنسانية
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
البيت في القرية الدرزية طباعة ارسال لصديق
بقلم الأستاذ - عطا حلبي
تمهيد
للبيت معان ومفاهيم منوعة طبقا للشعوب والأماكن في الكرة الأرضية وبديهي إن مضمون كلمة "بيت" لا يقتصر على مكان نعيش فيه وإنما يتعدى ذلك إلى الإحساس والقيم الفعاليات والأخلاق وحتى إلى السلوك وغيرها كما أن الرأي عند البنت يختلف عن الشاب عما هي عند المتقدين في السن وكذلك الحال بالنسبة للإناث حيث أن للنساء أكبر الأثر على البيت وفحواه.
البيت هو الرمز المرئي للعائلة المصغرة، وهي الشهادة الناطقة لوجود العائلة عامة والفرد خاصة. حيث أن للعائلة الوقع الأكبر على الحياة الاجتماعية في القرية فإن البيت هو المحور ومركز الاهتمام للمجتمع القروي المبني على قيم دعائمه العادات والتقاليد من الناحية الأولى وعلى تأثير الدين واسمه من الناحية الأخرى. فالبيت القروي على حد سواء حيث تنسج بداخله مبادئ الحياة الاجتماعية الخاصة مع اقتباس لبعض الخصائص والتأثيرات الخارجية. ومن هنا فإن الهدف من هذا المقال هو بحث "البيت" في القرية الدرزية ماهية ومفهوم مع إبراز خصائصه طبقا للمجتمع الدرزي كما ان البحث يشمل التغييرات التي طرأت على البيت الدرزي خاصة ومن ثم على القرية عامة استنادا لبحث ميداني وآخر نظري.

ما هو البيت؟
المعاني والتفسيرات لمضمون كلمة "بيت" متشعبة جدا وغير موحدة وإنما هناك توافق في بعضها استعرضها بإيجاز :
مكان لتربية الأبناء، رمز للعائلة، مكان مكوث وبقاء، مكان نفضي فيه غالبية الوقت، مكان راحة، مكان سلامة النفس والطمأنينة، مكان دافئ، مكان يخصني ، مكان للخصوصية، مكان نعود إليه دائما، مكان استقلال ذاتي، مكان نقوم به بأعمالنا الخاصة.. وغيرها.
في اللغات الغربية خاصة الانجليزية ، الألمانية وغيرها يتعدى معنى البيت مفهومه المألوف وينطبق على القرية او الدولة او العالم بأسره وكل ذلك حتى نهاية القرن الثامن عشر عندما أخذ "البيت" يتقلص ويقتصر على المبنى للعائلة المصغرة.
أما اليوم فإن مفهوم البيت يتعدى المبنى الطبيعي إلى التعريف الشامل بأنه " المجال المفضل لمجموعة من البشر تربطهم صلة قرابة على الغالب - العائلة - والتي تقضي وقتها فيه وهو الذي يعطي الوجود الذاتي والاستقرار والاندفاع لحياة الإنسان.

البيت في المجتمع العربي
مفهوم البيت في المجتمع العربي يختلف عما هو في المجتمع الغربي ويتلاءم مع نوعية الحياة في الشرق الوسط عامة. فالمجتمع العربي في أصله متنقل - بدو ورحل - لم يعط المبنى الطبيعي الثابت كامل الأهمية بل اعتنى بالمفهوم الرمزي للبيت. فمقاييس البيت، أبعاده مواد بنائه وغيره لم تكن ذات أهمية إذ قرنت بالانطباع النفسي والرمزي له وحتى إن التفسير ألولي للبيت في المجتمع العربي فسكان المدن يرون البيت على خلاف سكان القرى وكذلك المر بالنسبة للمتنقلين أو الشبه ثابتين وعامة  يمكن أن نحدد البيت في المجتمع العربي بما يلي:
1-    البيت هو الكرامة على نوعيها بالنسبة للفرد خاصة وللعائلة أو المجتمع الكبر عامة ولهذا فالاحترام والكرامة من أهم دعائم وأركان البيت، إذ أن كل فرد فيه يتأثر للسراء والضراء ويشارك فعليا فيه  والقول فلان من بيت فلان لدلالة قاطعة على ذلك.
2-    البيت هو المرأة من حيث القدسية والإخلاص. ومن هنا فكرامة البيت ناتجة عن كرامة المرأة فيه والمعنى الشامل لذلك هو " الشرف". وغالبا ما يستعاض عن ذكر أسماء النساء بالقول " وأهل بيته" كل هذا بدافع حقيقة كون المرأة هي المربي والمهذب للأبناء.
3-    البيت هو الجنة بتعبيره البيت آخرة لما فيه من طمأنينة روح واستقرار من متاعب الحياة. والمفهوم هذا لا ينطبق مباشرة على المبنى الطبيعي او البيت الكائن بل على الرمزية والمعنى الانطباعي للبيت.
4-    البيت هو النسب: علاقة  الفرد بعائلته، سلوكه، أخلاقه وأفعاله تدور جميعها حول البيت ومن هنا الكنية من بيت فلان تعني الكثير لما ذُكر.
ويليها معان أخرى كالمسجد والقبر وغيره.
ومن هنا نرى ان تأثير الدين من الناحية الأولى والعادات والتقاليد الشرقية من الناحية الأخرى أعطت البيت مضمونا ومفهوما يختلف عما هو في المجتمع الغربي.

البيت القروي الدرزي
لقد كتب الكثير عن معنى القرية عامة ووظائفها في الشرق والغرب ويتضح منها أن هناك الكثير من المشترك في نواح عدة أهمها:
•    مصدر الرزق الرئيسي هو الزراعة (حقلية وحيوانية) بجانب تطورات واتجاهات جديدة نحو الخدمات والأعمال الحرة.
•    وقت العمل غير محدد ولذلك تكثر في القرية البطالة المخفية.
•    مستوى العيش منخفض نسبيا.
•    تأثير الدين والعادات قوي
•    المساعدة المتبادلة واضحة في أبناء العائلة.
•    التقسيم الطبقي واضح
•    إدخال التطور والتجديدات للقرية بصعوبات وحواجز نفسية واجتماعية.
•    التقاليد الاجتماعية والعلاقات المتبادلة تتم عن طريق ثقافة " الوجه للوجه" أي كل فرد مراقب.
فالقرية الدرزية كسائر القرى تشمل غالبية النواحي التي ذكرت وخاصة الخمس نقاط الأخيرة أضف إلى ذلك أن الخلفية للبيت الدرزي نستند على ما ذكر عامة وعلى المعطيات الأولية الآتية:
أ‌-    الدين الدرزي مغلق أمام الآخرين وصارم لكل تجديد مع نظمه وقوانينه الاجتماعية المميزة.
ب‌-    الدروز أقلية على مدى التاريخ ومن هنا فقط حافظ الدروز على مراكز وقرى سكنية منعزلة او متقاربة على الانعزال في مناطق يصعب الوصول إليها عامة.
ت‌-    الركيزة الرئيسية للمجتمع الدرزي هي العائلة واتي نشمل جميع الفعاليات الاجتماعية والاقتصادية .
واعتمادا على ذلك فقد يدور البحث هنا على مبنى البيت الطبيعي او المادي من الجهة الأولى وعلى الوظائف التي يقدمها من الجهة الأخرى

ما هو البيت الدرزي
البيت الدرزي هو الخلية
تقسيمه أو وظائفه
البيت النموذجي
بالرغم من الفروق والاختلافات في مظهر البيوت الخارجي ومواد البناء وحتى المقاييس والأبعاد فإن البيت الدرزي النموذجي يحتوي على عناصر ثابتة رئيسية وأخرى ثانوية على الغالب.
العناصر الرئيسية:
1-    غرفة البيت
2-    المضافة
3-    الفناء المركزي

غرفة البيت
 هذا الجزء من البيت مقتصر على أهل البيت خاصة والنساء عامة متسع وقليل النوافذ. تنعدم فيه غالبا الزخرفة او الأثاث الحديث يتواجد عادة هذا الجزء في القسم الداخلي من البيت بمواجهة المدخل الرئيسي بجانب الممر المركزي
الأثاث فيه تقليدي ، منظم ومرتب بمحاذاة الجدران وفراشه ارضي فوقه وسائد ومساند. ومن أهم خصائصه أنه مفعم بالحركة والحياة وفيه يجد أهل البيت الراحة والاستقرار الداخلي والصبغة البارزة فيه هي الجلوس ارضيا، الاسترخاء والسكينة النفسية وعلى الغالب فإن الضيوف من النساء يفضلن هذا الركن من البيت لملاءمته لعادة الجلوس الأرضي السهل والمتبع لديهن.
الترتيب والنظام بداخل غرفة البيت متكامل رغم الحركة الدائمة فيه وكل فرد من أهل البيت يتخذ على الأرجح فيه بقعة او منطقة يأوي إليها بعد رجوعه إلى البيت وتربط بها علاقة نفسية متينة.
أبعاد هذه الغرفة عادة كبيرة متعددة فيها الوظائف العائلية ابتداء من تناول الطعام وانتهاء أحيانا بالنوم وفيه تحاك مبادئ العلاقات الاجتماعية بين أفراد العائلة حيث أن الأب أو الأم يتناوبون ذلك على انفراد أو مشترك (الرجل في العمل والمرأة ربة المنزل) ومن هنا فإن السلوك الداخلي فيه يكون متزن ولائق.   

المضافة أو الديوان
موقعه بالقرب من المدخل الرئيسي وسهل الوصول إليه، كثير النوافذ مرتب ومنظم في جوانبه الأربع وأهميته من حيث التسمية أيضا هو استقبال الضيوف فيها عادة "الغرباء" او ذوي المراكز الاجتماعية عامة.
أما الأثاث فيه فإنه منظم على شكل قوامها المقاعد المنجدة والمفروشات الحديثة وهي امتداد "للديوان" الخشبي المفروش التقليدي أو حتى إلى الديوان " الصلب القديم. وعلى خلاف غرفة البيت فإن في المضافة تكثر الزخارف والصور أو بأعمال يدوية محلية كالأطباق وغيرها. ومن أهم أركان المضافة التقليدية هو الركن الخاص بتحضير القهوة عامة " والمرأة" خاصة إلا إن هذا الركن أخذ بالتلاشي من البيوت الحديثة والرمز منه متواجد فقط أحيانا.
في هذا الجزء يتم الاستضافة على كامل النظم السلوكية المألوفة واتساعه كاف لاستيعاب عدد كبير من الزائرين في أي ساعة وفي كل حين. أما كثرة النوافذ واتساعها فأنه تزيد من التهوية والضوء التي تعطي الراحة والهدوء أما السلوك فيه فهو أكثر تقيدا حين يجلس البالغون من العمر في الوسط وصدر المضافة وعلى الجانبين الصغر سنا على التوالي اللهم باستثناء الحالات التي فيها الضيف رفيع المركز وصغير السن فيفسح له المجال للصدارة.
أما المضيف فغالبا ما يجلس بالقرب من المدخل ليقوم بمراسيم الضيافة والاستقبال وحتى أن الحديث والمداولة فيه تكون - رسمية - مقيدة ولها قوانينها ويمكن القول أن المجتمع القروي المصغر على كامل صيغته ينطبق في المضافة

المطبخ الشامل
يقل وضوح المطبخ في البيت الدرزي إذ أنه متداخل في غرفة كثيرة الوظائف تتم فيها فعاليات عدة كالطبخ او الغسيل او الأكل وغيرها. وفي هذا الجزء من البيت يقضي الفرد في العائلة أكبر وقته خلال اليوم والحركة فيه شبه مستمرة.
أما من حيث الأثاث فيه فإنه بسيط وتقليدي خال من التعقيد وملائم لمتطلبات الفعاليات التي تتم فيه فعلى سبيل المثال يتم الأكل غالبا بالجلوس على الأرض ليكن المتسع الأكبر لجميع أفراد البيت ولسهولة تناول الغذاء في هذا الموضع.
أهمية المطبخ الشامل هي بالفعاليات الداخلية الحيوية كالغذاء وتحضير اللوازم وحتى الغسل أحيانا. وندر ما دخل الضيوف لهذا الجزء من البيت ومنه استنبط القول " صاحبة البيت" او "ربة البيت" ويمكن القول إن الكثير من القيم يكتسبها أبناء البيت في هذا الجزء كالآداب والاحترام.
الفناء الداخلي
في جميع بيوت القرية الدرزية متواجد فناء داخلي يستغل قسم منه للجلوس من قبل أفراد العائلة أو حتى استقبال ضيوف مألوفين من الأقرباء والأصدقاء. وكأنه ركن خاص وشخصي يجد أبناء العائلة فيه الراحة بعد العمل أو الأكل وما إلى ذلك. والأثاث فيه متنقل غير ثابت خال عادة من المقاعد ليسهل نقل الفراش منه وإليه يوميا تقريبا ويكثر استعمال هذا الجزء في ساعات الفراغ فيالغالب.
بالإضافة على العناصر الرئيسية التي ذكرت فإن هناك عناصر ثانوية متواجدة في قسم منها او أجمعها في البيت الدرزي نقتصر هنا على ذكرها فقط:
1-    غرفة النوم.
2-    السدة أو المخزن.
3-    المراحيض والحمام.
4-    الحاكورة.

البيت الدرزي والتأثير الخارجي
البيت الدرزي القروي واقع تحت تأثير متواصل لتجديدات وتطورات أما في الكيفية او في كمية الأثاث التي فيه. ومن هنا فإن الصراع بين الاستحداث والتطور في البيت يؤدي غالبا إلى تغيير معين شكليا وليس مضمونا وظيفي والأكثر إلى الصحة هو تغيير كمي وليس كيفي للبيت
الخلاصة
ما زال البيت الدرزي النموذجي متواجدا في القرية. وهو واقع تحت تأثيرين متناقضين الأول العادات والتقاليد والتراث والدين الخاص والمميز . والثاني خارجي حديث ومتطور وقابل للتغيير. فالبيت ذاته غير مرن لكل جديد ومراحل التغيير في وظائفه وليس في أجزائه بطيئة جدا وغير ملموسة ومن هنا فإن رغم كل التجديد الذي طرأ على البيت فإن التجديد كان على الغالب في "الكمية" و النوعية" وليس في الكيفية او الوظيفية للبيت. الغرفة المتسعة الشاملة "غرفة البيت" بقيت الجزء الأهم من البيت إذ أنه يمثل محور الحياة في البيت الدرزية.
أما الإحساس بالنسبة للبيت فهي قوية جدا ومنتقل من الأب للابن وإلى الحفيد على مر الأجيال ومن هنا نرى قلة المهاجرين القرويين عند الدروز على المدينة خاصة او على الخارج عامة . والسؤال المطروح هنا هل تغيير البيت الدرزي في المستقبل سيؤدي إلى تغيير في المجتمع الدرزي؟
والإجابة على ذلك يتطلب بحثا خاصا لاكتمال هذا البحث.

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.