spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 11
كلمة العدد 11: ثقوب مضيئة في العباءة السوداء
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 148
العدد 147
العدد 146
العدد 145
العدد 144


 
عودة إلى عودة الدروز- مسرحية الشاعر الانجليزي براونينغ طباعة ارسال لصديق
بقلم الأستاذ سليم زيدان - عسفيا

أشكر الظروف التي أتاحت إيصال أمانة كانت بعنقي ألا وهي إيصال مضمون مسرحية "عودة الدروز "التي وإن كانت قد كُتبت قبل حوالي القرن والنصف إلا أنها كُتبت عنكم، ولشدة دهشتي، لا زالت تصور بأحداثها وشخصياتها واقع الدروز الذين يحاولون الصمود بوجه الأحداث وتقلب الزمن. وإني وإن اخترتها كموضوع أنهي به دراستي للمرحلة الثانية من دراستي الجامعية فلأنها تنطوي على معنوية عالية وعلى مضمون نحن أشد الحاجة إلى استيعابه وعلى رموز نحن بحاجة لوضعها نصب أعيننا كي نحافظ على الخاص بشخصيتنا. فنحن كالدروز في المسرحية، قسم منا قد انزلق إلى هاوية ضياع الذات، والقسم الآخر يصارع ضد هذا الضياع. وكدروز المسرحية نعيش ظروف قاسية لن ننجح بقهرها إلا بعون إيماننا بموحّدنا الأعظم وبالتضحية في سبيل حريتنا. أما وقد كُتبت هذه المسرحية على يد عظماء الأدب الانجليزي فلنا فخر عظيم وعلينا واجب اتجاهه ألا وهو قراءة المسرحية كلها عند صدورها.  
أشخاص المسرحية
التناقض حقيقة حتمية لإنجاح أي عمل مسرحي، بل ركيزة من ركائزه. وليكون العمل المسرحي ناجعا بإثارة المشاهدين لا بد وأن يسري هذا التناقض بأنسجة المسرحية كلها وبضمنها أشخاص المسرحية. وهكذا استغل براونينغ الانقسام الطبيعي الكائن بالمجتمع الدرزي فاختار شخصياته الدرزية من العقال ومن الجهال، من الإناث ومن الذكور، ثم ذهب ليقارن بين الجماعة وبين الفرد الذي يجد نفسه بصراع مع هذه الجماعة. هذا بوجه عام، أما بوجه خاص، فقد كتبت هذه المسرحية لتدور حول شخصية محورية واحدة تخلق الأحداث وتؤثر عليها وتعكسها لنا. تلك شخصية "جبل" التي كلفها براونينغ بحمل المضمون الأسطوري والفكري والسياسي والاجتماعي للمسرحية من جهة وبخلق الأحداث الدرامية من جهة أخرى، حيث تدور معظم أحداث المسرحية بداخل هذه الشخصية المتكافئة.
أما عن أشخاص المسرحية الأخرى فهم حسب أهميتهم بالمسرحية البطلة "أنيل" المحور العاطفي للمسرحية وأخوها "خليل" الذي يمثل الدروز العقال، ثم "لويز" وهو فارس وهب نفسه لخدمة الكنيسة مدى الحياة وصديق "لجبل" ثم المأمور الطاغية الذي ذات اسمه الشخصي تحت لقبه اللاخلقي وهو حاكم الجزيرة الآثم، ثم السفير السقف وهو داهية ماكر يعمل لإبقاء الدروز تحت نير الكنيسة، ثم "معاني" وهي أم "أنيل وخليل" والدروز العقال والجهال والجنود الأوروبيين.
المكان والزمان
ليس لهذين العنصرين أهمية كبيرة في المسرحية، ومع ذلك فكون الأحداث تدور على جزيرة موهومة قريبة من شواطئ ايطاليا خلق دافعا قويا ورغبة عارمة لدى الدروز بالتحرر من هذا المنفى بالعودة من هذه الغربة إلى وطنهم لبنان. أما ما يوصف من هذه الجزيرة فمثرون مع ألم الدروز للعيش بالغربة وبحب الأوروبيين للاستعمار ولرغد العيش على حساب الآخرين. أما أهمية الجزيرة بالنسبة للدروز فيتلخص بكونه المحفز للرجوع إلى الوطن فحسب.
أما عن الزمان المسرحي فعلى القارئ ان ينتبه على براونينغ لم يكتب لنا مسرحية تاريخية على نمط يوليوس قيصر أو شجرة الدر مثلا ومع ذلك فقد حدد تاريخ هذه المسرحية بالقرن الرابع عشر بعد الميلاد أي بعد أربعة قرون من نشر الدعوة التوحيدية وحيث الصبوة لعودة الحاكم كانت لا تزال بذروتها.
ولتجسيد هذا البعد التاريخي الموهوم أوصى الكاتب بالشلباس الدرزي التقليدي كالتاج، والعباءة، والخنجر ألخ... مع ذلك فلا تخلو المسرحية من وشحات منقولة عن تاريخ الدروز هكذا يمكننا مقارنة نشاط "جبل" السياسي في أوروبا للحصول على عون يكفل للدروز عودتهم إلى وطنهم مع نشاط فخر الدين المعني وعلاقاته مع الأوروبيين زد على ذلك ومضات تعيدنا إلى عصر الحاكم بمصر وغيبته.
ملخص أشخاص المسرحية
يمثل برانينغ مرحلة انتقال من المسرح العملي الذي امتاز بالحركة وبالحنكة المركبة والمسرح النفساني. فمسرحيات براونينغ تمتاز بكونها مسرحيات شخصيات مبنية على الصراعات والانفعالات العقلانية والعاطفية الجارية بداخل هذه الشخصيات كما هو الحال بمسرحيتنا هذه.
يجلوا الدروز عن وطنهم لبنان هربا من العثمانيين الذين أجروا مذبحة بشيوخهم واجدين أنفسهم على جزيرة بقرب رودس بالحر الأريحي. ولكن سرعان ما يجد الدروز أنفسهم تحت وطأة حكم كنسي لا أخلاقي ممثلا بالطاغية الذي لا يتردد عن التنكيل بمشايخ الدروز بقصد تحويل الرعاع إلى عبيد مطيعين يسخّرون لتنفيذ مآربه مقابل أطماعهم.
ولكن الجمرة لا تنطفئ رغم دفنها عميقا بالرماد. "معالي" أم خليل وأنيل تفلح بتخبئة أولادها وتربيتهم على روح المذهب الحاكمي وبنفس الوقت تساعد "جبل" بمخططه وتعده بتزويجه ابنتها عندما يعود.
أما جبل فهو شاب بمرحلة النضوج رأى قتل ذويه أمام عينيه وذاق من الموت لطمة خنجر كادت تقتله تاركة علامة تذكره دوما بواجبه إزاء قومه وتضرم بقلبه نار الانتقام باستمرار. يغيب عن الجزيرة وبفكره الدروز ومستقبلهم وعروسه "أنيل" الجميلة. بأوروبا يتعرف على دوق بريطاني ويدعي أمامه انه من أصل أوروبي ومن عائلة "درو" فيحيك بخياله الخصب القصص المحببة لدى هؤلاء ويصادف ابن الدوق "لويز" الذي يستعد بهذه الأثناء لامتحان الفروسية المعروف آنذاك بوهب الفارس نفسه للكنيسة. فيتمكن جبل بغيبته هذه من تجنيد المساعدة من فينيسيا التي توافق على نقل الدروز من الجزيرة إلى لبنان مقابل إخلاء الجزيرة لحكمهم.
يعلم جبل ان مهمته ستفشل إذ لم يحرك عواطف الدروز وضمائرهم الغافلة فيستغل إيمانهم بعودة الحاكم على هيئة بشرية لإنقاذهم من محنتهم فينتحل هذه الشخصية ويشيع هذا النبأ بين الدروز مستعينا "بخليل" الذي يمثل الدروز المؤمنين بالجزيرة.
يقوم خليل بدور حمزة بن علي فينشر البشرى ويضرم نار الثورة بصدر عدد من الدروز رغم استهتار بعضهم بمهمته ورغم اتهام بعضهم إياه بابتغاء الجائزة من وراء ذلك
يخطط جبل مع خليل ولمعرفة أنيل لقتل طاغية الجزيرة انتقاما لدماء الأبرياء.
"لويز" لا يعلم بالخطة وهو بهذه الأثناء ينشغل بإقناع رؤساء الكنيسة باستبدال الطاغية به ويحضر إلى الجزيرة لإتمام مهمته ويحاول عن طريق صداقته "بجبل" كسب الدروز لصفه تنهيدا لتسلمه مقاليد الحكم على الجزيرة. لا تخلو مهمته من مصادمة كلامية عنيفة بينه وبين الطاغية الذي يحزم حقائبه مكرها ومغتاظا على استبداله فيتهكم على خليفته دون هوادة.
عملية التبديل لا تتم إلا بقدوم أحد الأساقفة ليمثل الكنيسة وليتم الإجراءات التي تحفظ استمرار حكم الكنيسة على الجزيرة. وفي هذه الأثناء تتصاعد أحداث المسرحية.
باتي "جبل" لتنفيذ حكمه بالطاغية يكشف الستار بالقبو، يرفع خنجره ليطعن الطاغية ليرى خلف الستار " أنيل" وقد لطخت يداها وخنجرها بالدم فيعلم أنها سبقته إلى إعدام الطاغية. وبهذه اللحظات يرتفع صوت خليل" والأبواق تعلن وصول أسطول فينيسيا في الأفق.
عندئذ تهب ثورة عارمة في الدروز ويفر جنود الكنيسة وعددهم عشرون نفرا مستنجدين بلويز وملحين عليه استغلال صداقته مع جبل لكسب الحماية لنفسه ولهم من سخط الدروز لكونه سيدهم المطاع فيرفض وتتحول كل صداقته لجبل إلى غضب يهم على أثره لطعن جبل ولكن قبل ان يطعنه جسمانيا يريد طعنه معنويا فيخبره ان ثمة إنسان من قومه وشى به للكنيسة وفضح امره فيكون لهذا الخبر وقع صعب على نفسه فيأبى أن يؤمن لما قاله لويز ولكن سرعان ما يجتمع القوم وتقرب ذروة المسرحية عندما يقوم الأسقف العجوز الماكر بتجربة لزعزعة ثقة جبل بنفسه واعزله عن الدروز فيتحداه بإظهار قوته الإلهية أمام قومه مؤكدا له إن فعل سيصبح هو نفسه درزيا. عندها أيضا ولتدعيم أقواله يحضر جنوده الواشي فتكون تلك "أنيل" أمام هذه الطعنات يقف جبل بصمود حتى النهاية ليرى بأم عينيه الدروز ذاهبين اتجاه المركب المنتظرة بالمرفأ. أما أنيل فبعد أن قاصصته على خدعها وعلى انتحاله شخصية الحاكم يطعن نفسه لتكفر عن وشايتها. أما جبل وقد أنجز وعده لشعبه يرى أنه هو السبب بموت حبيبته وأن لا طعم لحياته الشخصية من بعدها. يوصي خليل على الدروز ويطعن نفسه فوق أنيل. ثم ينهض مسنودا على يد خليل ولويز ليسير بضع خطوات باتجاه المرفأ ويلفظ أنفساه الأخيرة وهو يقول:
" إلى لبنان يا دروز! إلى لبنان".
والمسرحية تنطوي على قصة حب ليست أقل إثارة من الحبكة الشاملة تدور أحداث هذه القصة حول البطلة أنيل التي تجسد بجمالها الدرزي المعروف. تعد أنيل نفسها ألا تتزوج إلا بمن يحرر قومها من الطغيان. يعرف ذلك جبل ولويز فيتنافسا للفوز بها. أما جبل فيحبها حبا جامحا يبغى منه الثمر. وأما لويز فيحبها حب الفارس المحروم من الزواج لكونه متزوجا للكنيسة. وأنيل تحل الله بجبل وتحب الحاكم ويلاحقها الشعور أنها قاصرة عن إرضائه فتفعل كل ما بوسعها لتنال رضاه فتحلّق بحبها عن الواقع وتجنح إلى التسامي والخيال اللامتناهي إلى سرعان ما تهوي كالطائر المصاب عندما يعترف لها جبل عن حقيقة انتحاله. كيف يمكنها الانتقال الآن من حب إله إلى حب بشري مثلها.
هنا يأتي انفعالها العاصف والمتقلب تكرهه وتدعوه للاعتراف ببهتانه أمام الدروز تارة ثم يمتلئ صدرها فخرا به تارة أخرى، لأجله قتلت ولقصاصه وشت به وبحبه قضت. ليبقى الدروز أحرارا يتوج رأسهم " خليل" بظهره وعمامته وسيفه.

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.