spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 99
حدث تاريخي: دويلة جبل الدروز
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
كلمة العدد: ما بين تآكل الدود، والإيمان بالخلود طباعة ارسال لصديق
ذُكر عن شيخين تقيين من هضبة الجولان، المرحومين: العابد الزاهد، الشيخ أبو احمد سعيد الصفدي، انه قام بزيارة للمرحوم الشيخ أبو حسين محمود فخر الدين، الذي كان مشهورا، بتقشفه وزهده، ومعروفا بضعف جسمه ونحالته، ولم يكن ذلك يخفى على من نظر اليه ببصره وبصيرته، فهو المجد المجاهد، والمتقشف العابد. امسك المرحوم الشيخ أبو احمد سعيد بييد الشيخ أبي حسين، ونظر اليه طويلا، وقال له: "يا خيي كول، مش عم تاكل، شو خليت للدود !! ".
هذه اللغة التي يتكلم بها المشايخ الأجاويد الأتقياء، هي جوهر ولب الدين والأخلاق، وعزة النفس، والإيمان العميق، الذي يتميز به التوحيد الدرزي على مر العصور. وقد عاش آباؤنا وأجدادنا، على البساطة، وعلى التواضع، وعانوا من شظف العيش، ومن قلة الموارد، لكنهم كانوا سعداء بما كان لديهم من كنوز فكرية وتوحيدية، وكان كل واحد منهم، يشعر بالعظمة والأنفة والكبر، لأنه يملك مفاتيح العلوم، وله إطلاع على العقائد الراسخة، والمكنونات الثمينة، وجواهر الفكر، ودرر الأسرار، ومنابع الحياة، والدليل الواضح إلى دروب الخير، وإلى عمل كل ما هو مستقيم ونافع، لكل فرد وللمجتمع بأسره.  وبقدر ما كان كل شيخ من مشايخ الطائفة الأفاضل، خلال ألف سنة، يملك من منزلة عالية، ومن مرتبة روحانية سامية، كان يتمتع، بتواضع وبمعرفة يقينية، أن الحياة، ما هي إلا سرداب قصير، يربط بين فترتين، وأن الروح خالدة، وأن الجسم مصيره إلى التراب، فكان كل شيخ من هؤلاء، يعمل لصيانة جوهر الحياة، ولا يكترث بالقشور وبالأمور البراقة، التي يتراكض حولها غالبية الناس، ويستميتون من أجل الحصول عليها، ويدخلون في منازعات وفي حروب وفي مشاكل، من أجل الحصول على أمور عابرة زائلة، لا قيمة لها، بينما يشعر الأجاويد الأتقياء، بأمور أخرى، لأنهم يملكون المكنونات والجواهر الحقيقية بمعرفتهم.
ونحن كمجتمع، لسنا بحاجة لأن يكون كل فرد منا، يتمتع بهذه الخصال، كي نشعر أننا مجتمع راقٍ سليم. فغاية كل دين هي أن يصل أكبر عدد من المؤمنين، إلى التقيد بتعاليمه وأصوله، لكن ذلك لم ولن  يتحقق أبدا على مر التاريخ. وكل مجتمع متدين، وكل دين، يطمح أن يكون بداخله أساطين الديانة والعبادة، والسلوك القويم، والعمل المشرّف، ورموز الهداية، والسلوك الرصين المبجل. ونحن ما زلنا نردد المقولة التوحيدية الرائعة، التي تذكر، أن جزيرة كاملة تعمر بوجود شخصية دينية مرموقة فيها، تعتبر منارا وهداية وحماية للجميع.  
والمطلع على تاريخ الطائفة التوحيدية الدرزية خلال ألف سنة، يعلم أن هذه الطائفة، كانت وما زالت زاخرة بأعلام توحيدية بارزة، في كل فترة من فترات وجودها، وفي كل منطقة من الأماكن التي يعيش فيها الموحدون الدروز. وكانت هذه الشخصيات التوحيدية المتألقة، هي المرجع، وهي المنار ،وهي الموجِّه والهادي إلى استمرارية التوحيد في القلوب. والمجتمع التوحيدي الدرزي، المبني على الواقع، أن عددا لا بأس به من أفراده، هو غير متدين، لكن التوحيد كامن في قلوب الجميع، يمتاز بالمقارنة مع بقية المجتمعات الدينية الأخرى، أن حرارة التوحيد، وأن الغيرة على الدين، وعلى الأخلاق، وعلى التمسك بأهداب الفضائل التوحيدية، هي أمر واضح ومفروغ منه، وليس عليه أي خلاف أو جدال. فالشاب الدرزي غير المتدين، يشعر بالفخر والاعتزاز ،بانتمائه التوحيدي، وهو أحيانا لا يفقه شيئا من علوم التوحيد. لكن تربيته البيئية، وجذوره وأصوله، والأجواء التي يعيش فيها، هي التي تجعله يشعر أنه مقيم في خيمة التوحيد، وأن هذه الخيمة هي التي تكسبه الحصانة والمناعة كي يستمر في حياته، وفي طريقه، وفي مسيرته التوحيدية، حتى ولو لم يصل في يوم من الأيام إلى مشارف التدين الحقيقي. وهذا الأمر، هو الذي جعلنا نتغلب في مسيرتنا الطويلة، خلال ألف سنة، على كل التعديات الخارجية، وعلى كل الخلافات الداخلية، وعلى كل المؤامرات والأحقاد والدسائس التي فرضها علينا، من عشنا ونعيش بجوارهم، وهم ليسوا منا، ولا يعجبهم تماسكنا ووحدتنا وتكاتفنا المستمر.
ولا شك أن وجود مشايخ أفاضل، وأولياء صالحين، ومقامات قدسية مباركة في ربوعنا، هي أكبر محفِّز، لأن نظل متماسكين مثبتين بوحدتنا وبأصولنا وبجذورنا التاريخية، وأكبر دليل على عراقة انتمائنا التوحيدي،  هو أن المئات والآلاف من أبنائنا إذا اضطرتهم الظروف ان يتركوا بلادهم، وأن يهاجروا من أوطانهم، وان يعيشوا في بلاد الغربة، وبين أناس يختلفون عنهم في اللغة والعادات والدين، لكن غالبيتهم، وبعونه تغالى، تمكنوا خلال عشرات السنين، أن يحافظوا على انتمائهم واصولهم، وأن يتمسكوا بماضيهم وبجذورهم، فاندمجوا في المجتمع الجديد الذي أتوا إليه، لكنهم ظلوا محافظين على جمرة التوحيد في عقولهم، وفي بيوتهم، وفي أسرهم. ونلاحظ أن أبناء التوحيد في كل  دولة ودولة، يكوّنون جمعية توحيدية، ويصرّون على الاجتماع واللقاء والدراسة والبحث والتواصل مع التجمعات التوحيدية الكبيرة، وأهم من كل ذلك، يعقدون المؤتمرات، كي يتم اللقاء بين أبنائهم وبناتهم، من أجل ان تظل الاستمرارية التوحيدية نقية طاهرة، وأن يخيّم على بيوتهم الجو التقليدي النقي، الذي حملوه معهم من قراهم ومن بيوتهم، وأن تظل عمامة آبائهم واجدادهم، والنقاب الأبيض الناصع الذي توّج رؤوس أمهاتهم وجداتهم، هو الشعار، وهو العلم، وهو الراية، وهو البوصلة، التي تنقلهم دائما، حتى في أصعب الظروف والتقلبات، إلى شاطئ التوحيد الأمين.
واليوم، ونحن نحتفل بالزيارة السنوية لمقام سيدنا الخضر عليه السلام في كفر ياسيف، نشعر بالقوة وبالعظمة التوحيدية، أننا على وشك أن نقطع مرحلة صعبة من حياتنا، وأننا قريبون أن نتجاوز محنة كبيرة واجهتنا، وأن نصل إلى بر الأمان، وأن نستمر في طريقنا التوحيدي الأصيل، في ظل شخصية وسيرة ومسيرة، سيدنا الخضر عليه السلام، الذي تعلمنا أنه خالد باق لا يموت...

وكل عام وانتم بخير

والله ولي التوفيق.

سميح ناطور

كانون اول
 2016
 

 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.