spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 61
الدروز والطوائف الأخرى في البلاد
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131


 
التعددية هي رسالة سيدنا الخضر (ع) طباعة ارسال لصديق
بقلم فضيلة الشيخ أبو حسن موفق طريف
الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل


بسم الله الرحمن الرحيم
يحظى سيدنا الخضر عليه السلام، بقداسة عند كافّة الديانات السماوية، فهو سيدنا الخضر عند المسلمين، ولدى أبناء الطائفة التوحيدية الدرزية، وهو القديس جورج عند الطائفة المسيحية الكاثوليكية، وهو القديس جاورجيوس عند الطائفة المسيحية الأورثودكسية، وهو إلياهو هنافي عند الطائفة اليهودية. وله عند جميع هذه الطوائف أسماء متعددة مختلفة أخرى، وله قصص، وله مواقف، لكنّ الجميع يقدّسه ويحترمه، ويعتبره أحد أهمّ الأنبياء، وأحد الشخصيّات التي لها تأثير واعتبار عند المؤمنين بشكل عام. ولا نعتقد أن هذا الأمر جاء صدفة، وإنما نعتبر أن وراء ذلك حكمة ربّانية، فجميع الديانات السماوية تؤمن بوحدانية الله، سبحانه وتعالى، وتعبد ربّا واحدا وتبجّله وتحترمه، بالرغم من أن لكل دين طريقة خاصة، واسلوبا مغايرا، في التعبير عن هذه القداسة، وعن هذه العبادة. ومن هنا، فلا ضير في أن يكون نبي واحد، مقدسا لدى ديانات مختلفة، وخاصة الديانات السماوية. وهناك أنبياء لهم قداسة في أكثر من ديانة، وكل ولي، وكل رسول، وكل ملاك، يزيد من توحيد الله، ومن هداية الناس إلى الخير، وإلى العمل المستقيم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، يزيد من زخم العبادة والقداسة، ويعود بالخير على المؤمنين.
وهذه التعددية في رسالة سيدنا الخضر عليه السلام، تحتوي في مضمونها، على أهمية كبيرة، وعلى مغزى عظيم، وعلى توجيه واضح، وعلى رسالة بارزة، أن كل من يعبد الله، سبحانه وتعالى،  هو إنسان مؤمن، حتى ولو اختلفت طريقته، فيجب على كافة المؤمنين، أن يكرّسوا كل جهودهم، وكل قدراتهم، وكل طاقاتهم، إلى عمل الخير، وإلى الترفع عن الدنايا، والابتعاد عن الموبقات، وإلى احترام الإنسان كإنسان، مهما كان دينه، ومهما كان إيمانه، طالما هو يحترم نفسه ويحترم غيره.
 ونحن متأكدون، أن الهدف الحقيقي لدى كل ديانة، هو عبادة الله، سبحانه وتعالى، وتنفيذ تعاليمه من أجل كرامة الإنسان على الأرض، ومن اجل أن يعيش الجميع في هدوء، وفي وئام، وفي تعاون، وفي انسجام، حيث أن الله سبحانه وتعالى، وفّر لهم الخيرات والنعم، ومنحهم كل الإمكانيات والقدرات، لأن يكون الإنسان سعيدا راضيا، مقتنعا من جهة في عبادته لله سبحانه وتعالى، ومن جهة أخرى، في معاملته مع أخيه الإنسان.
وقد جاءت الأديان لتنظم العلاقات بين بني البشر، على الأمور الحياتية الدنيوية، فكل الديانات تقدس العلاقة الزوجية، وذلك من أجل تنظيم النزعات والأهواء الداخلية في نفوس الناس، ومن أجل رعاية النشء الجديد، وتربيته، وإعداده للحياة، وتوجيهه في الطريق الصحيح.
 وكل الديانات تنظم أملاك الإنسان، وما يجنيه في حياته، وتساعده على أن يكسب قوت يومه بعرق جبينه. ولا مانع لدى أي ديانة، أن تكون لدى الإنسان طموحات وآمال وبرامج أن يتقدم في حياته، وأن يترقى، وأن يحصل على المزيد، بشرط ألاّ يكون في ذلك استغلال للآخرين، أو إجحاف بحقهم، أو مسّ بما كتبه الله لهم.
 وكل الديانات تدعو إلى تقديم الصدقة، وإلى مساعدة الفقير، وإلى العطف على الضعيف، وإلى العمل على نشر الخير والفضيلة بين بني البشر، في كل مكان يتواجدون فيه.
 ومن البديهي أنه لا توجد هناك أي ديانة تدعو إلى التطرف، وإلى المغالاة، وإلى القتل والتنكيل من أجل حب الله، أو من أجل التعصّب لدين معيّن، أو لمذهب أو لمسلك على حساب مسلك آخر، أو دين مغاير. فلا الله سبحانه وتعالى، يقبل ولا أي نبي من أنبيائه ورسله الكثيرون، يوافق أن يُستغل اسمه، لملاحقة الآخرين، والتنكيل بهم ومطاردتهم.
من هنا نجد أن التعددية التي يرمز إليها سيدنا الخضر عليه السلام، هي شهادة واضحة، وهي برهان ساطع، كيف يجب أن تكون المعاملة بين البشر، وكيف نادى الله سبحانه وتعالى، بأن يعيش كل إنسان في منزلته، وفي مكانه، محترما، وأن يحترم غيره، وأن يحافظ على حياة الآخرين، وأن يكون المؤمنُ للمؤمنِ صديقا، حتى وإن اختلفت الصلوات والطقوس الخارجية، إلا أن الإيمان، هو أمر روحاني داخلي، منبثق من القلب والوجدان، ويمكن التعبير عنه ببساطة، حيث أن الله سبحانه وتعالى يعلم ما بالسرائر عند جميع خلقه.
ونحن نحتفل بزيارة سيدنا الخضر عليه السلام كل سنة، في مقامه الشريف، المتواجد في قرية كفر ياسيف، هذه القرية التي تشهد منذ عشرات السنين، أنها بلد واحد، يعيش بوئام وباحترام، بالرغم من وجود كافة أبناء الطوائف فيه. لكنّ الأخوة والتعاون والأهداف المشتركة، تسود هذه القرية، وتشكّل قدوة ونموذجا للقرى والتجمعات الأخرى في إسرائيل، وفي العالم، كيف يمكن أن يسود التفاهم والتعاون بين الجميع.
ونحن نشهد كل سنة، بتقدير وتبجيل واحترام مشاركة اخواننا، المسلمين والمسيحيين واليهود لنا في احتفالاتنا بالزيارة لسيدنا الخضر عليه السلام، وفي عيد النبي شعيب عليه السلام، وفي مناسبات أخرى، كما أنه يشرّفنا دائما أن نشارك نحن، إخواننا أبناء الطوائف الأخرى في أعيادهم، كل ذلك على هدى تعاليم وتوجيهات سيدنا الخضر عليه السلام، الذي نزداد سنة بعد سنة تقديسا وتبجيلا له.
ومن مقام سيدنا الخضر عليه السلام في كفر ياسيف، أتوجّه بالتحيات والمباركات لجميع أبناء الطائفة الدرزية في كل مكان، وكذلك إلى جميع أبناء الطوائف والديانات الأخرى، وخاصة إلى أهالي قرية كفر ياسيف الكرام، وفي مقدمتهم السيد عوني توما، رئيس المجلس المحلي، على مواقفه وأعماله اتجاه أبناء الطائفة في الزيارة وفي الأيام العادية،  مبتهلا إلى الله سبحانه وتعالى، ان يحلّ السلام في كافة أطراف الكرة الأرضية، وأن يسود التفاهم والتعاون بين جميع أبناء البشر.
زيارة مقبولة للجميع وأدامكم الله وأبقاكم بالخير والنعم والمسرات. 
 
 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.