spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 132
التعددية هي رسالة سيدنا الخضر (ع)
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130
العدد 129


 
نبي الله، الخضر عليه السلام طباعة ارسال لصديق
اعداد الشيخ رياض م. حمزة



مولد سيدنا الخضر وعصره:
إختلفت الآراء في الأديان حول مَن يكون سيدنا الخضر، عليه السلام، وفي أي العصور كانت رسالته، وبدوري، أحاول تسليط الضوء على بعض جوانب سيرته، ومِن الله التوفيق.
•    تعود التوراة بسيدنا الخضر (ع) (الياهو هنبي – ايليا) الى ما قبل عهد سيدنا موسى (ع)، فهو حَسَبُها بيليا بن مالكان بن فالغ بن غابر بن شالخ بن أرْفَشَخْذ بن سام أبن سيدنا نوح (ع). جاء هذا في العهد الجديد كذلك، وحمل هناك أكثر من اسم، أهمها مار الياس ومار جرجس، وجوارجيوس وغيرها، دون الاشارة بها الى انها الخضر نفسه، مع ربطها وارتباطها بأسمائه في العهد القديم.
•    يعود القرآن به الى عصر سيدنا موسى (ع)، وتواجده مع بني اسرائيل في سيناء، بعد خروجهم مِن مصر – كما سنرى لاحِقاَ، وقد ورد ذكره ولقاءهُ سيدنا موسى (ع)، في سورة الكهف مِن القرآن الكريم (الرجُل الصالح).
•    ودين التوحيد الى يعود به (ع) الى ما جاء في القرآن وقبل.
مكان ولادته: لم يُذكر مكان مُحدد لولادته (ع) وغالب الظن انه مدينة اللد أو اورشليم القُدس.
هويتهُ: كما أسلفتُ، هنالك أكثر مِن رأي حول مَن يكون الخضر عليه (ع)، نورد ادناه بعض هذه الآراء:
ا– بيليا بن مالكان – حسب التوراة، ونسبه كما جاء أعلاه.
ب – يحيى بن زكريا، كاهن وملك اورشليم القدس، والرجُل الصالح ويوحنا المعمدان وايليا النبي وغيرها (حسب العقيدة التوحيدية).
ج – الياهو (إيليَّا) النبي – المعروف كمَن عَرّج الى السماء من على ضفاف نهر الأردن، حسب التوراة، بعد أن عمَّد – مسح – السيد يسوع وتلميذهُ اليشع، عليهما السلام.
د – ويعتقد الموحدون كذلك، أنه مار الياس، مار جرجس / جوارجيوس ويوحنا المعمدان وغيرهم مِن رفاق وتلامذة السيد المسيح عليه السلام.
د – أبو العباس، الخضر والرجُل الصالح – في الاسلام. وله في الاسكندرية مسجد ضخم بداخله ضريح مَهيبٌ فخم.
ه – الخضر، ابو ابراهيم ويحيا، والأسماء أعلاه – لدى ابناء التوحيد الدروز.
مِن هنا نرى أن شخصية الخضر عليه السلام، هي شخصية موجودة ومتعارف بها في جميع الأديان، تحت اسماء مُختلفة مُتعددة، احيانا، ومتقاربة احياناً أخرى.

 مهمتهُ:
لقد أُرْسِل الخضر(ع) يدعو الناس الى عبادة الله، سبحانه، بغض النظر عن كيفية النظر اليه – نبياً كان أم رسولاً أم رجلاً صالِحاً. ومن أهم ما ذكره القرآن الكريم عنهُ لقاءهُ بالنبي موسى (ع) في منطقة مَجْمَع البحرين بطرف الجزيرة العربية،إذ جاء في سورة الكهف بالقرآن الكريم: {فَوَجَدَا (موسى ومعاونه يهوشع، عليهما السلام) عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}. والقصة تقول: لما التقى النبي موسى (ع) بسيدنا الخضر(ع) قـال له: هل تأذن أيها العبد الصالح أن تفيض عليّ بعلمك، على أن أتبعك وألتزم أمرك ونهيك ؟ وكان الخضر(ع) قد أُلْهِم أنّ موسى (ع) لا يصبر على السكوت إذا رأى ما يكره، فقال الخضر(ع)، لموسى(ع): إنك لن تستطيع معي صبرا، ولو أنك صحبتني سترى ظواهر عجيبة وأموراً غريبة. فقال موسى (ع) وكان حريصًا على العلم توّاقًا إلى المعرفة: {سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً}. فقال الخضر (ع): "إن صحبتني أأخذ عليك عهدًا وشرطًا أن لا تسألني عن شيء حتى ينقضي الشرط وتنتهي الرحلة، وإني بعدها سأبيّن لك ما قد تتساءل عنه وأشفي ما بصدرك. ويقول ربّ العزّة في محكم التنْزيل: {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا} (سيدنا الخضر (ع). أي أنهما وبعد أن سارا قليلاً على الشاطئ لاحت لهما سفينة فاقتربت من الشاطئ فركباها، وبينما هما في السفينة فوجئ موسى (ع)، بأنّ الخضر (ع)، أخذ لوحين من خشب السفينة فخلعهما، فقال موسى (ع): {قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً}. فذكّره الخضر (ع)، بالشرط والعهد فتذكّر موسى (ع) وقال: لا تؤاخذني بما بدر عني ولا اعود اليها ثانية. وبينما هما على السفينة إذ جاء عصفور فوقف على حرفها فغمس منقاره في الماء، فقال الخضر (ع)، لموسى (ع): "ما عِلْمِي وعِلْمَكَ في جنب علم الله إلا كما نقر هذا العصفور من البحر"، وهذا معناه أننا لا نعلم من معلومات الله إلا القدر الذي أعطانا، والقدر الذي أعطانا بالنسبة لِما لم يُعطنا، كما هو ما أصاب منقار العصفور في الماء حين غمسه في البحر. ولَمّا مرت السفينة بعد حين بدون أن يغرق أحد، مرّر الخضر (ع) يده على مكان اللوحين المكسورين، فعادا كما كانا بإذن الله. ولما غادرا السفينة تابعا المسير فوجدا غِلمانًا وفتيانًا يلعبون فأخذ الخضر (ع) واحدًا منهم كان كافرًا لصًا قاطعًا للطريق، وكان يُفسد (يُخَرِّبُ) ويقسم لأبويه أنه ما فعل، فأخذه الخضر(ع) إلى بعيد أضجعه وقتله كما أخبر الله عزّ وجلّ في سورة الكهف: {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ (موسى (ع) أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً}، {قَالَ (الخضر (ع) أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً}، فتذكر موسى (ع)، وعده، وعاد ووعد بعدم الرجوع الى السؤال ثانية.
أكمل موسى والخضر(ع)، طريقهما وانطلقا حتى أتيا قريةً وكان أهلها بخلاء لئام، فطافا في المجالس وطلبا طعامًا، فلم يقدّم أهل القرية لهما شيئًا وردّوهما ردا غير جميل، فخرجا جائعين، وقبل أن يجاوزا القرية، وجدا جدارًا يتداعى للسقوط، ويكاد ينهار فرفعه الخضر(ع)، بمعجزةٍ له بيده ومسحه فاستقام واقفًا، فاستغرب موسى (ع) وقال: "عَجَبًا، أتجازي هؤلاء القوم الذين أساءوا اللقاء بهذا الإحسان، لو شئت لأخذت على فِعْلِك هذا أجرًا منهم نسدّ به حاجتنا"، فقال الخضر (ع)، وقد تيقّن أنّ موسى (ع) لن يستطيع بعد الآن صبرًا، هذا فِراق بيني وبينك - كما ورد في القرآن العظيم: {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} وراح يشرح لموسى (ع) ما رأى، قال: "أما السفينة التي خرقتها فكانت لمساكين يعملون في البحر فيصيبون منها رزقًا، وكان عليهم ملك فاجر يأخذ كل سفينة صحيحة تمرّ في بحره غصبًا، ويترك التي فيها خلل وأعطال. فأظهرتُ فيها عيبًا حتى إذا جاء جنود الملك، تركوها للعيب الذي فيها، ثم أصلحتها وبقيت لهم". "وأما الغلام الذي قتلته، فكان كافرًا وأبواه مؤمنين وكانا يعطفان عليه، وكرِهْتُ أن يحملهما حُبهما له على أن يتبعاه الى كفره فأمرني الله أن أقتله باعتبار ما سيئول أمره إليه، إذ لو عاش لأتعب والديه بكفره، ولله أن يحكم في خلقه بما يشاء". "وأما الأمر الثالث وهو الجدار، فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وتحت الجدار كنْزٌ لهما، ولَمّا كان الجدار مشرفًا على السقوط، ولو سقط لضاع ذلك الكنْز، أراد الله سبحانهُ، إبقاءه على اليتيمين رعاية لحقّهما". ثم قال الخضر (ع) ما أخبر الله به في سورة الكهف: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً}، أي أنني لم أفعل ذلك بمبادرةٍ مني، إنما هو أمر الله سبحانهُ، وهو تفسير ما لم تستطع الصبر عليه. وهنالك قصص كثيرة جرت حوادثها بين الخضر(ع) وشخصيات وملوك واناس كثيرين خلال واثناء تجواله داعياً الناس الى توحيد الله وعبادته، ونذكر منها قصته والملك آخاب وزوجته ايزابيل وكهنة البعل، لاحِقاً، كما جاءت في الكُتب المقدسة، وقصة ما جرى له خلال تجواله بصحبة سيدنا شعيبٍ (ع) وما جرى بينهما من حديث بصدد المرأة الناقل (الحامل)، وقصة انقاذه المرأة الصالحة مِن براثن وانياب التنين، وقصة صعوده الى السماء، وغيرها، بالاسم، وما يمنعناً مِن سردها سوى ضيق المجال.


طريقهُ في الدعوة والأماكن المنسوبةُ اليه:
كانت بداية مشواره مدينة مدينة اللد ثم القُدس، ومنها خرج داعيا لعبادة الله والامتثال لأوامره، والعمل بتوصياته والانتهاء عن نواهيه، ماراً بالعديد من الأماكن والقرى والمدن في منطقة خليل الرحمن، مدينة الخليل – قرية الخضر – ومن هناك اتجه غرباً فشمالاً، ماراً بأماكن مختلفة أذكُر أهمها مُراعاةً في الإيجاز:
جبل الكرمل – دير المحرقة ولقائه آلِهة البعل والكهنة هناك، وتأنيبهم ومُكاسرتهم في معتقداتهم، بتقديم القرابين لله، وقبول الباري لقربانه ورفض قرابينهم، كما ورد في القصة في التوراة، والتي تقول: (فلمَّا رأى أخابُ إيليَّا قالَ لَه: "أأنتَ إيليَّا مَصدَرُ وَيلاتِ إِسرائيلَ "، فأجابَهُ: "ما أنا مَصدَرُ هذِهِ الوَيلاتِ، بل أنتَ وبَيتُ أبيكَ لأنَّكُم تَركْتُم وصايا الرّبِّ وعبَدْتُمُ البَعلَ"، "والآنَ أرسِلْ واَجمَعْ إليَ كُلَ بَني إِسرائيلَ على جبَلِ الكَرمَلِ، معَ أنبياءِ البَعلِ الأربَعِ مئَةٍ والخمسينَ، وأنبياءِ أشيرةَ (عاشيرة مِن آلهة البعل) الأربَعِ مئَةٍ الذينَ يأكُلونَ على مائِدةِ إيزابلَ "، فاَستَدعى أخابُ جميعَ بَني إِسرائيلَ والأنبياءَ إلى جبَلِ الكَرمَلِ. فَنهَضَ إيليَّا أمامَ المُجتَمِعينَ وخاطَبَهُم: "إلى متى تَعرُجونَ بَينَ هذا الفريقِ وذاكَ ؟ إنْ كانَ الرّبُّ هوَ الإلهُ فاَتبَعوهُ، وإنْ كانَ البَعلُ هوَ الإلهُ فاَتبَعوهُ ". فلم يُجبْهُ المُجتَمِعونَ بِكلِمَةٍ، فقالَ إيليَّا: "أنا الآنَ وحدي بَقيتُ نبيُا لِلرّبِّ، وهؤلاءِ أنبياءُ البَعلِ أربَعُ مئَةٍ وخمسونَ رَجلاً. هاتوا ثورَينِ، فيَختارَ أنبياءُ البَعلِ لهُم ثورًا ويَقطَعوهُ ويَضَعوهُ على الحطَبِ ولا يُشعِلوا نارًا، كذَلِكَ أفعَلُ أنا بِالثَّورِ الآخرِ. ثُمَ يدعو أنبياءُ البَعلِ باَسمِ إلهِهِم، وأنا أدعو باَسمِ الرّبِّ إلهي، والذي مِنهُما يُشعِلُ النَّارَ يكونُ الإلهَ ". فقالَ جميعُ الشَّعبِ: "هذا كلامٌ حسَنٌ ". قالَ إيليَّا لأنبياءِ البَعلِ: "كونوا البادِئينَ، لأنَّكُم كثيرونَ واَختاروا لكُم ثورًا وهَيِّئوهُ واَدعوا باَسمِ إلهِكُم ولا تُشعِلوا نارًا ". فأخذوا الثَّورَ الذي اَختاروهُ وهَيَّأوهُ ودَعَوا باَسمِ البَعلِ مِنَ الصَّباحِ إلى الظُّهرِ وهُم يقولونَ: "أيُّها البَعلُ، اَستَجب "، فلا صَوتٌ، ولا مُجيبٌ. فلمَّا كانَ الظُّهرُ راحَ إيليَّا يهزَأُ مِنهُم ويقولُ: " أُصرُخوا بِصوتٍ أعلى، فرُبَّما إلهُكُم غارِقٌ يتَأمَّلُ أو هوَ مشغولٌ أو في سَفَرٍ، أو لَعَلَّهُ نائِمٌ فيُفيقَ ". فأخذوا يصرُخونَ بِصوتٍ عظيمِ، ويُهَشِّمونَ أجسادَهُم بِحسَبِ شعائِرِهِم بِالسُّيوفِ والرِّماحِ، حتى سالَت دِماؤُهُم، وحتى بَعدَ الظُّهرِ ظَلُّوا يصرُخونَ بِجنونٍ إلى أنْ حانَ وقتُ تقديمِ الذَّبيحةِ، لكِنْ لم يكُنْ صوتٌ ولا مُجيبٌ ولا مُصغِ. . قالَ إيليَّا لِجميعِ الشَّعبِ: "إِقتَرِبوا منِّي ". فاَقتَرَبوا مِنهُ. فرمَّمَ مذبَحَ الرّبِّ الذي كانَ تهَدَّمَ، وأخذَ اَثنَي عشَرَ حجرًا، على عدَدِ أولاد النبي يَعقوبَ، وبَنى من تِلكَ الحجارةَ مذبَحًا على اَسمِ الرّبِّ، وحفَرَ حَولَ المذبَحِ خندَقًا يسَعُ نَحوَ دَلْوَينِ مِنَ الماء، ثُمَ رتَّبَ الحطَبَ وقَطَّعَ الثَّورَ ووضَعَهُ على الحطَبِ، وقالَ: " إملأوا أربَعَ جرارِ ماءٍ وصُبُّوا على المُحرَقةِ وعلى الحطَبِ" ففَعَلوا. ثُمَ قالَ: "ثَنُّوا" فثَنَّوا. ثُمَ قالَ "ثَلِّثوا" فَثلَّثوا، فجرى الماءُ حَولَ المذبَحِ واَمتَلأ بهِ الخندَقُ. فلمَّا حانَ وقتُ الذَّبيحةِ تقَدَّمَ إيليَّا النَّبيُّ مِنَ المذبَحِ وقالَ: "أيُّها الرّبُّ إلهُ إبراهيمَ وإسحَقَ ويَعقوبَ، لِيَعلَمِ اليومَ هذا الشَّعبُ أنَّكَ إلهٌ في إِسرائيلَ، وأنِّي أنا عَبدُكَ وبِأمرِكَ أفعَلُ كُلَ هذا. استجب لي يا ربُّ، استجب لي لِيَعلَمَ هذا الشَّعبُ، أيُّها الرّبُّ أنَّكَ أنتَ الإلهُ، وأنَّكَ ردَدْتَ قلوبَهُم إليكَ". فنَزَلَت نارُ الرّبِّ واَلتَهَمَتِ المُحرقَةَ والحطَبَ والحجارةَ والتُّرابَ وحتى الماءَ الذي في الخندَقِ. فلمَّا رأى ذلِكَ جميعُ الشَّعبِ سجدوا إلى الأرضِ وقالوا: "الرّبُّ هوَ الإلهُ، الرّبُّ هوَ الإلهُ". فقالَ لهُم إيليَّا: «إقبضوا على أنبياءِ البَعلِ، ولا يَفْلِت مِنهُم أحدٌ". فقَبَضوا علَيهِم، فأنزَلَهُم إيليَّا إلى نهرِ قيشونَ وذبَحَهُم هُناكَ. وسُمي المكان "المحرقة" أو دير المحرقة، تخليداً لذكرى ذاك اللقاء وما حدث خلاله بين النبي والكُفار، وبناءً على ما جاء في القصة يعتبر الموحدون مياه نهر المُقطَّع غير طاهرة لأنها خالطت دماء آلهة البعل ال 450 وكهنة آشيرة ال 400 الذين ذبحهم النبي ايليا – الخضر عليه السلام. مِن المحرقة، انتقل الخضر(ع)، الى قريةٍ الى الغرب من المكان (اليوم هي دالية الكرمل) ومكث في مغارةٍ فيها، اصبحت تُدعى فيما بعد، مقام سيدنا ابو ابراهيم (ع) (يعتقد الموحدون الدروز بان الخضر(ع)، هو نفسهُ السيد ابو ابراهيم (ع)، بُنِيَ فوقها بناءٌ فخمً، في العقود الأخيرة، راحةً لزوار المقام. وفي هذا المكان مكث فترة، يدعو فيها الناس الى عبادة الله سبحانهُ. وللمكان زيارة خاصة أقرتها الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز في هذه الديار، وتقع هذه الزيارة في اليوم الثاني عشر من تموز من كل عام. وعندما انتهى من رسالته هناك، ترك المكان ميمماً وجْهَهُ الكريم جهة الغرب شمالاً، جهة القرن الغربي الشمالي لجبل الكرمل. فوصل سيدنا الخضر (ع)، غرب الكرمل شمالاً – حيث تقع مغارة سُميت فيما بعد بمغارة سيدنا الخضر الغربي (ع)، (وتسمى كذلك مغارة مار الياس ومغارة الياهو هنبي) والتي فيها يلتقي ابناء الديانات جميعها، مسلمون ومسيحيون ودروز ويهود، للصلاة أو لإيفاء النذور، وهذا يثبت لنا حقيقة كون الخضر(ع)، مقبولاً ومكرماً لدى ابناء جميع الطوائف في هذه البلاد، وأنه صاحب الأسماء التي ذكرتها أعلاه، فمكث فيها فترة من الزمن متابعاً رسالته التي كلفه بها العلي القدير، فآمَن به قومٌ كثير. وبعد مكوثه فترة ليست بالقليلة في تلك المغارة، توجه شمالاً، فسار حتى وصل الى قريةٍ في الجليل الغربي، تحمل اليوم اسم كفرياسيف. وفي هذه القرية اتخذ مركزاً لنشر دعوته لعبادة الله سبحان، مُتخذاً مِن جهتها الشرقية مرقداً له، اذ كان يجلس الى كومةٍ مِن الحجارة، ناشراً دعوته، فيلتف الناس من حوله، يستمعون الى وعظهِ وأقواله، فآمَن جمعٌ غفير برسالتهِ الرحمانية وبالرب الذي كان يدعو الى عبادته، سبحانهُ. مكث سيدنا الخضر في المكان زمناً لا يستهان به، وكان ذلك قبل ما يقارب ال 2480 عام مِن عامنا هذا (2017 م)، وبُنِيَ بعد مغادرته المكان، شاهداً على شكل مرقدٍ يشهد على تواجده هناك. أما الغُرفة القديمة الموجودة فوق الضريح، بما في ذلك الضريح، فقد بنيت عام 1880، على وجه التقريب، على يد مشايخ أل طريف مِن جولس، وفي مقدمتهم الشيخ مهنا طريف (ر)، الرئيس الروحي للطائفة في تلك الحقبة، مستعملين كومة الحجارة التي كان يجلس اليها النبي الكريم، في بناء هيكل اللحد، وبعضها في بناء الغرفة، الى جانب أحجار كثيرة أحضِرت للمكان مِن ناحية مقام سيدنا شعيب عليه السلام، والواقع بالقرب من قرية حطين القريبة مِن مدينة طبريا التاريخية. وقد بنيت تلك الغرفة على قطعة الأرض التي كانت الرُجم (كومة الحجارة) عليها وعُين على المقام قيمٌ مِن عائلة ملحم ابناء القرية. وجاءت البداية في توسيع المكان وترميمه على يد فضيلة المرحوم الشيخ أمين طريف (ر)، الذي تسلم رئاسة الطائفة الروحية عام 1928، وحتى وفاته عام 1993، وكان الترميم في الستينات مِن القرن العشرين. أما البناء الحالي والترميم والتطوير فهو يُنجز بمبادرةٍ من فضيلة الشيخ موفق طريف، الرئيس الروحي للطائفة، ورئيس المجلس الديني الدرزي الأعلى، وتحت اشرافه (منذُ 1993 وحتى يومنا هذا - 2017). وقد أقَرّت الرئاسة الروحية للطائفة التوحيدية، برئاسة المرحوم الشيخ امين طريف، يوم الخامس والعشرين مِن شهر كانون الثاني، من كل عام، يوماً يزورون به المقام الشريف، يتقربون به الى الله سبحانه، فيقيمون الصلوات ويتوجهون بالابتهالات لعزة الباري تعالى، ويتشاورون فيما بينهم حول أمورٍ شتى تتعلق بالطائفة، وخاصة الأمور الدينية التي تكون على جدول اعمال ابناء الطائفة في حينه. كما ويزور المكان الأهالي لإيفاء النذور، وطلاب المدارس للمشاهدة والتبرُّك بقدسية المكان وصاحبه، نبي الله الخضر عليه السلام. يقع المقام في الجهة الشرقية لقرية كفرياسيف، تتصدره شجرتا سرو يربو عمرهما على المِئة عام ونيِّف، يحيطهُ سور من جهاته الأربع، والمبنى فيهِ غرفة الضريح، وخلوة للعبادة وقاعة تتسع الى ما يزيد عن الثلاثمائة شخص جلوساً، وغرفة لاستقبال الضيوف، وغُرف نوم ومرافق عامة. ساحاتهُ مُشَجَّرة ونظيفة، وبها مواقع ومناضد وموائد كثيرة لجلوس الزوار وراحتهم، يقوم برعاية المقام وخدمته قيمون مِن قبل الرئاسة الروحية، مِن ابناء عائلة ملحم، والشيخ شفيق ملحم هو القيم اليوم. غادر النبي الخضر(ع) بعد انهاء رسالته الى أهل المنطقة، شرقاً ماراً بمغارةٍ تقع على سفح سلسلة الجبال الواصلة بين قريتي البعنة - دير الأسد والرامة في منطقة الشاغور – الجليل الأعلى، ماكِثاً فيها فترة زمنية ليست بقصيرةٍ، تابع فيها دعوته الناس الى عبادة الله سبحانه، ليغادرها بعد اتمام الدعوة شرقاً، حتى أقدام هضبة الجولان، فوصل الى قريةٍ تدعى بانياس، تقع على منابع نهر البانياس، فاتخذ مِن مكانٍ عالٍ في سفح الجبل الذي يقع بمحاذاة القرية شمالاً، مقراً له، وباشر بالدعوة الى عبادة الله سبحانه، ومكث في المكان فترة ليغادرهُ، ماراً بقريتي عين قنيا وبقعاثا الجولانيتين، حيث له مقامات فيها، ومِن ثمة الى سوريا فالعراق، وله الدولتين أكثر مِن مقام وزاوية، وفي العراق، بمدينة البصرة، اختفت آثاره ولم يُعرف اذا كان قد توفي هناك، أم أنه لا زال حياً، كما يعتقد. تتضارب الآراء في هذا الموضوع، فالتوراة تقول إنه صعد الى السماء من على ضفاف نهر الأردن بعد تعميده تلميذه اليسع (اليشع) نبياً بعده الى بني اسرائيل، وهناك معتقد لدى بعض علماء الدين المسلمين يقول بأنهُ لا زال حياً يسير في الأرض هادياً للناس دون ظهوره لهم، وآخرون يقولون إنهُ هو الذي يُبشر بقدوم المهدي – المسيح المنتظر – إمام الزمان، في آخر العصر والأوان، والله أعلم. 
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.