spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 105
من قصص الشيخ علي شقير
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 132
العدد 131
العدد 130
العدد 129
العدد 128


 
كلمة العدد: الذين ملأوا العيون مهابة ً طباعة ارسال لصديق
عندما حبس العالم أنفاسه, في اليوم التاسع عشر من شهر تشرين ثاني عام 1977, حينما حطت طائرة الرئيس انور السادات, في مطار اللد, وكاد العالم ان لا يصدق ما يشاهده, وتنفس الجميع الصعداء, عندما برز الرئيس المصري في باب الطائرة, ونزل الدرجات, وأخذ يصافح المستقبلين. وبرزت في صف المستقبلين, الوزراء والوجهاء, شخصية فضيلة المرحوم الشيخ أمين طريف, وصحبه من المشايخ, متعممين بالعمامة البيضاء الناصعة, وواقفين وقفة جلال ووقار, معبرين بكل جوارحهم, عن نية صادقة للسلام والصلح والتفاهم. وفي عام 1979, وعندما وُقعت معاهدة السلام الأولى, بين مصر واسرائيل, في البيت الأبيض, حضر مراسم التوقيع, جمهور غفير, وبرزت من بين الحضور, بشكل واضح, جلبت اليها الأنظار, شخصية فضيلة الشيخ نور الدين حلبي, قاضي محكمة الإستئناف آنذاك, الذي انتُخب ليمثل الطائفة الدرزية في مراسيم السلام. وقد تكرر مشاهدة العمامة الموقّرة, في مناسبات عدة, حيث شارك ويشارك رجال الدين في مناسبات واحتفالات الدولة والطوائف الدينية الأخرى.
كانت العمامة وما زالت, شعار الدروز الديني, وكان وما يزال اللباس المتكامل, ينم عن تقدير وهيبة ووقار, للابسه وللطائفة الدرزية جمعاء. هناك مجتمعات كثيرة, وطوائف متعددة, وكل فئة لها نمط معين من اللباس, يمثِّلها ويعبر عنها. وقد اصبح اليوم العالم مسرحاً واحداً, وبإمكاننا عبر شاشات التلفزيون, ان نتعرف على كافة رجال الدين في العالم, وعن مظاهرهم وتصرفاتهم. وإذا قارنا لباس رجال ديننا, بما يلبسه رجال الدين من الطوائف الأخرى, نجد أننا في لباسنا نمزج بين البساطة والوقار, وبين التواضع والهيبة, وبين الهدوء والإحترام, فلباس المتدين عندنا, هو القمباز الكحلي, والعمامة البيضاء وحسب, ولا زركشة, ولا صولجان, ولا عصا, ولا ذهب, ولا تاج, ولا ادوات اخرى. ومع كل هذا, تُطغي شخصية المتدين الدرزي ببساطتها, وتبرز بين الحضور, وكم سمعنا وقرأنا من أجانب, عن مدى تقديرهم واحترامهم, لرجال الدين الدروز, على الأقل لمجرد مظهرهم.
 إذن اللباس الديني, يزيد من هيبة واحترام رجال الدين, ومن مظهرهم, ومن وجودهم ,ويكسبهم مودة وتبجيل الذين يتعاملون معهم. وقد حافظ, في السابق, رجال الدين, على مظهرهم دائما,ً لأنه لا يعبِّر فقط عن شخصية لابسه, وإنما يعبر عن شخصية الطائفة ككل. والتزم رجال الدين في تصرفاتهم وتحركاتهم ومعاملاتهم, بالزي الديني, وحاولوا بقدر الإمكان, ان لا تصدر عنهم, أي حركة, او تصرف, او عمل, يسيء الى سمعة الطائفة وكرامتها, فاللباس الديني هو رمز, وعلى لابسه, ان يتقيد وان يعرف, انه مشاهَد من قِبل الآخرين, وأن أي كلمة نابية, او اي حركة غير عادية, او اي عمل, سيُلفت النظر, ويشوه الإسم والسُمعة. وفي الإجتماعات الدينية في المقامات, وفي المآتم والأجور, وفي كل مكان يتواجد فيه رجال دين, يشع المكان بالهيبة والوقار والتبجيل, وقد سمعنا من اصدقاء لنا كثيرين من الطوائف الأخرى, قولهم, ان أكبر قدر للجنازة, وأكثر احترام موجود عند الدروز, فالموقف المهيب, الذي يقفه المشيعون, في المقبرة وفي بيت الأجر, والذي يغلب عليه الطابع الديني, هو أجمل وأفخم موقف ممكن ان يكون, ويكسب المتوفى والجنازة والإحترام والتقدير. ونحن داخليا, عندما يجتمع رجال الدين في مناسبة ما, ننظر بفخر واعتزاز, ونشعر بالغبطة والإطمئنان, ان طائفتنا, والحمد لله, بخير, طالما هي حاضنة, لعدد كبير من رجال الدين,  يغذّون الجذوة التوحيدية, وينعشونها ويحافظون على استمراريتها. وهذا الزي الديني الموقر, ما زال متبعاً في تجمعات الطائفة الدرزية, في سوريا ولبنان واسرائيل, وبالرغم من تطوّر المجتمع وتقدّمه, إلا انه ما زال عندنا, اتفاق تام, ان هذا الزي هو الأحسن والأفضل والأبقى.
ومن ناحية أخرى, نجد ان أعداداً من الشباب تنضوي, والحمد لله, في صفوف رجال الدين, وتأخذ على نفسها الإلتزام الديني, وتقوم بفروضها وواجباتها, كما هو متبع ومألوف. وهذه الظاهرة, تثلج الصدور, وتكسبنا شعوراً بالإستمرارية والبقاء, والمحافظة على التراث والقيْم والتقاليد. وما أجمل منظر طلاب صغار, يرتدون اللباس الديني في مدارسهم, وما أجمل الشبية في سن المراهقة, تلبس العمامة والزي التقليدي, وما أجمل ان نرى, هناك تجمعات من الشباب المتدين, خارجة من الخلوة, او من مجالس الذكر, وهي تتحدث بهدوء, وتمشي بوقار, وتنم كل تصرفاتها, انها متقيدة بكل ما يُطلب منها, وما يُفرض عليها من التزامات وواجبات وفروض. لكن هناك بعض الأفراد القلائل من الشباب, وغير الشباب, الذين يغلب عليهم, أحياناً, بعض الجنوح البسيط في تصرفاتهم, وينسون انهم بلباسهم هذا يمثلون الطائفة كلها, فمنهم مَن تراه لابساً الزي الديني, وهو يقود السيارة بسرعة كبيرة, لا تليق بإنسان مثله, أو يتصرف تصرفات الشاذين, من الشباب المتهورين. ومنهم من يجلس في مجتمع, ويستعمل كلمات نابية ,وألفاظا رديئة, وتعابير غير لائقة. ومنهم من يسير في المجتمع, او يجلس في مكان عام, بتكبر واستعلاء وتبجيل ذاتي, مما لا يليق بمكانة وتصرفات رجال الدين. ومنهم من يقوم بأعمال بسيطة, ولكنها غير مقبولة, وتسيء الى اسم الطائفة ومقدّراتها. وحري بكل من يلبس الزي الديني, ان يعلم انه اصبح جزءً من مجتمع كامل, فكل ما يصدر عنه, يُنسب الى هذا المجتمع بأكمله. ونحن لا نقول, ان ذلك مقصود, من قبل البعض, لكنه, أحيانا,ً يصدر عن عفوية وعدم انتباه وعدم تقدير حقيقي للموقف. ونحن إذ يعز علينا ان تُنسب لهؤلاء صفات غير محمودة, فإننا نهيب بهم ونأمل منهم, أن يراجعوا أنفسهم  وحساباتهم , وأن ينتبهوا الى تصرفاتهم, ونرجو من كل إنسان, تيزيا بهذا الزي المحترم, أن يعرف أبعاد وعواقب هذا اللباس, وأن يصونه ويحافظ عليه. فالفضيلة والقيم والحسنات, تبدأ بالأشياء الخارجية, وبالمظاهر العلانية, ثم تغرس في نفس المؤمن, وتدخل الى الجوهر, وتكون مع الوقت, خارجيا وباطنيا, الشخصية المثلى لرجل الدين المثالي, الذي نطمع ان يكون ويسود في مجتمعنا.
لقد عاشت في الطائفة الدرزية, خلال قرون, عشرات الشخصيات الدينية المتألقة, التي مثّلت الطائفة, ورفعت من شأنها, وأكسبتها التقدير والإحترام في المجتمعات المختلفة. وفي الزيارات الدينية, تجتمع عادة جموع رجال الدين, فترى بحراً من العمائم الموقرة, والوجوه المشعة بنور الإيمان, وهذا يُكسب وجه الطائفة, نوراً على نور, ووقاراً على وقار. وكلما اجتمع رجال الدين, وقاموا بفريضة الصلاة ,او ببحث او ذكر او اي اجتماع, كلما غرسوا في نفوس الأوساط الغير متدينة, الميل الى الدين, وحب رجال الدين, وهم بذلك, يؤدون دوراً تربوياً تثقيفيا هاما من الدرجة الأول,ى حيث انهم يشكلون قدوة وحافزاً, لمن لم يهده الله حتى الآن ان يفكر بالدخول الى عالم المتدينين .
وحتى لو كان التدين, من أجل سبب هذا او ذاك, فإنه يظل محموداً ومقبولا, طالما تقيد المتدين بفروضه الدينية. وفي زياراتنا المختلفة, يقوم بالإشتراك معنا, رؤساء الطوائف الأخرى, ويشاهدون عن كثب, الزخم الديني العريق, المتوفر في جموع أبناء الطائفة الدرزية. وفي الزيارة الحالية التي تجري في مقام سيدنا الخضر, عليه السلام في كفر ياسيف, والمتواجد في قرية يسكنها, أبناء طوائف اخرى, تبرز ظاهرة التواجد الديني الدرزي, أكثر وأكثر, ولذلك فهي تلزمنا أكثر, وعلينا ان نأخذ بالحسبان, أننا في بيت من زجاج, والكل يراقبنا ويحترمنا ويجلنا, طالما نحن نحسن التعامل والتصرف والتحرك والتفوه. وقد دام احترام الطائفة خلال الف سنة, بعونه تعالى, وبمساهمة أبطال الطائفة وشبابها ومحاربيها ونسائها وفتيانها, وكافة العناصر فيها, لكن, حسب رأينا العامل الرئيسي, والدور الكبير, الذي جعل الطائفة, تبقى وتستمر,. وتظل مرموقة خالدة, ناصعة الجبين, مرفوعة الهامة, شامخة الرأس, هم ,اولائك الذين ملأوا العيون مهابة.

وكل عام وانتم بخير
 
سميج ناطور
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.