spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 55
الشيخ ابو حسين يوسف عبد الوهاب
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 119
العدد 118
العدد 117
العدد 116
العدد 115


 
مدينة المهدية الفاطمية في تونس طباعة ارسال لصديق
منبع الدعوة التوحيدية الدرزية


بقلم الدكتور سلمان فلاح
تقع مدينة المهدية التاريخية, على شاطئ البحر المتوسط, على الساحل التونسي, عند الموقع المسمى رأس افريقيا, وهو أبعد نقطة في القارة الإفريقية إلى الشمال, شرقي مدينة تونس العاصمة, وعلى قرب ما من المدن التونسية الكبرى, مثل القيروان وسوسة وصفاقس وقرطاج وغيرها. تعتبر مدينة المهدية من أجمل المدن في العالم العربي, وفي حوض البحر المتوسط, وفيها معالم تاريخية وسياحية وثقافية كثيرة. وموقعها المميز على شاطئ البحر, يكسبها رونقاً جميلا, ومناظر خلابة, لذلك يقصدها السياح من كافة أنحاء العالم, فتطورت فيها المرافق والمعالم السياحية التي يطلبها من يزور المدينة, ويمكن الانطلاق منها, إلى أماكن سياحية مختلفة في الدولة التونسية, تجعل من المهدية والمناطق حولها هدفاً سياحياً هاماً.
وفي نطاق اشتراكي في مؤتمر الكشاف العالمي في مدينة تونس, قمتُ بزيارة خاطفة للمدينة, وزرتُ بعض آثارها التاريخية, ووجدتها من أجل المدن في العالم, ولا أبالغ إن قلت إني زرت مئات المدن في كافة أنحاء المعمورة, لكن الأجواء والأوضاع التي وجدتها في مدينة المهدية, لم أعثر لها على مثيل آخر في أي مكان من العالم. وقد زرت المدينة كمشترك مسؤول في الحركة الكشفية العالمية, وكمواطن يعيش في حوض البحر المتوسط, والأهم من ذلك كمؤمن توحيدي يعود بجذوره إلى الدولة الفاطمية, وإلى ما قبل ألف سنة, حيث تأسست الإمبراطورية الفاطمية في شمال إفريقيا, وكانت المهدية عاصمة الدولة الفاطمية الأولى, قبل أن ينتقل الفاطميون إلى مصر, حيث بنوا مدينة القاهرة ووسعوا الدولة الفاطمية من مصر. والآثار الفاطمية ما تزال بارزة في القسم التاريخي من المدينة, فالأسوار والأبواب والقلاع والمآذن والمداخل والزخرفة, هي نفسها التي استعملها الفاطميون في القاهرة, مما يدل على تواصل تاريخي, وعلى استمرارية في المنهج والتفكير. 
تأسست المهدية حوالي عام 912 ميلادي, عندما هاجر الخليفة عبيد الله المهدي,اول الخلفاء الفاطميين,  مدينة رُقادة التي أنهى فيها حكم بني الأغلب, وقرر اختيار عاصمة جديدة للدولة الفاطمية, وكان متواجدا في ذلك الوقت, في ما يسمى تونس اليوم, فاختار موقع رأس إفريقيا, وهي شبه جزيرة منيعة, وإحدى الموانئ القرطاجينية القديمة واتخذ لها اسم المهدية. وشيّد الأسوار حول المدينة, وقام بتهيئة ممر جعله مدخلا محصناً بباب ضخم, فشملت المدينة علاوة عن قصر الأمير, الجامع الكبير والإدارة ومحلات الحرفيين من النساجين والحدادين وبائعي الجواهر والتجار.
وقد جاء في كتاب الدكتور أحمد مختار العبّادي, أستاذ التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية في جامعة الإسكندرية, وعنوانه في التاريخ العباسي والفاطمي الصادر في الإسكندرية ص 231 قوله  :" أما العمل الذي قام به الخليفة المهدي لتدعيم أركان الدولة الفاطمية, فهو بناء العاصمة المهدية, والسبب في ذلك يرجع إلى شعور الفاطميين بالحاجة إلى مكان حصين يحتمون فيه, إذا ما تغيرت عليهم نفوس رعاياهم, خصوصاً وأن مدينة رقادة كانت تقع في وسط سهل فسيح, لا يفي بالأغراض الدفاعية اللازمة. وبنى المهدي عاصمته الجديدة على شاطئ البحر, مباشرة بالقرب من تونس العاصمة, وذلك لأنه رأى أن نفوذ الفاطميين في داخل البلاد, لا يزال ضعيفا, وأنه لا بد من أن يعتمد على أسطوله القوي, لحماية العاصمة وتموينها من جهة البحر إبان الأزمات. يروي المقريزي أن المهدية, كانت عبارة عن شبه جزيرة محاطة بالبحر من معظم نواحيها, وأن الخليفة المهدي, أشرف بنفسه على بنائها. وأنه أنشأ على ساحلها داراً كبيرة لصناعة السفن نُقرت في الجبل وتسعمائة سفينة حربية كبيرة، هذا إلى جانب صهاريج المياه, ومخازن الأقوات, والمسجد والقصر والدواوين ثم الأسوار المحكّمة ذات الأبواب الضخمة التي أحاطت بها. ويقال إن المهدي, لمّا فرغ من بنائها قال :" آمنت اليوم على الفاطميات" وهذا دليل على حصانتها. وقد اختلف المؤرخون حول تاريخ بناء المهدية, فابن عذاري يحدد بعام 300 هجري, أي بعد انتهاء المهدي من إخماد الثورات التي قامت ضده. أمّا ابن الأثير فيرى أنها بُنيت سنة 305 هجري, وأن المهدي انتقل إليها سنة 308 وأعطاها اسم المهدية نسبة إلى لقبه. ولما كانت المهدية مدينة خاصة, فإن المهدي ابتنى لسائر الناس مدينة أخرى بالقرب منها تسمى زويلة, وهي إحدى المهديتين وجعل الأسواق والفنادق فيها." وعن الظروف التي قرر فيها الخليفة المهدي بناء المدينة جاء في كتاب الدكتور حسن إبراهيم حسن , تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي" الصادر في القاهرة عام 1965 المجلد الثالث ص 415 قوله:" أقام عبيد الله المهدي أول الخلفاء الفاطميين في المغرب بمدينة القيروان التي أسسها عقبة بن نافع واتخذها حاضرة لدولته إلى سنة 303 هجري حيث وضع أساس مدينة جديدة سمّاها المهدية. وقد عزا البكري بناء هذه المدينة إلى محاولة أبي عبد الله الشيعي وأخيه أبي العباس ومن معهما من كتامة قتل المهدي والتنكيل بأهل القيروان.
خرج المهدي إلى تونس يرتاد لنفسه موضعاً يبني فيه مدينة حصينة يعتصم بها إذا خرج عليه أحد الخوارج وقيل إنه وجد في بعض الكتب ما يدل على خروج أبي يزيد مخلد بن كداد على دولته. وُفِّق المهدي إلى موضع المهدية، وهي متصلة بالبحر كهيئة كف متصلة بزند فتأملها فوجد فيها راهباً في مغارة فقال له :" بما يُعرف هذا الموضع؟ فقال : هذا يُسمى جزيرة الخلفاء. فأعجبه هذا الاسم فبناها وجعلها دار مملكته.
"تقع المهدية على بعد ستين ميلا جنوبي القيروان. وقد ذكر البكري أن البحر يحيط بها من ثلاث جهات وأنه يدخل إليها من الجانب الغربي . وقد شيدت مبانيها بالصخر. واتخذ المهدي لهذه المدينة بابين من الحديد لا خشب فيهما، زنة كل باب منهما ألف قنطار وطوله ثلاثون شبرا ووزن كل مسمار من المسامير التي استُعملت في تركيبه ستة أرطال. ونُقش على هذين البابين صور بعض الحيوانات. وأقيم بها ثلاثة وستون صهريجاً عدا ما كان يجري فيها من القنوات. ولم تلبث هذه المدينة أن أصبحت مرفأ هاما وسوقا نافقة للسلع التي كانت تحملها السفن من الإسكندرية ومن الشام وصقليا وغيرها.
"ولما فرغ المهدي من بناء حاضرته الجديدة في سنة 305 هجري قال:" اليوم آمنت على الفاطميات" يعني بناته. ثم انتقل إليها في شهر شوال 308 هجري وأقام بها. ثم عمّر بها الدكاكين ورتّب فيها أرباب المهن وجعل لكل طبقة سوقا خاصة بها. فنقلوا إليها أموالهم. وكان لهذه المدينة أرباض كثيرة آهلة عامرة. منها ربض زويلة وكان اقرب أرباض المدينة إلى قصره وفيه الأسواق والحمامات وربض الحمى وقد أقام فيه أجناد إفريقيا من العرب والبربر، وربض قفصة.
" وقد أمر المهدي ببناء مدينة أخرى بجوار مدينة المهدية وجعل بين المدينتين ميدانا فسيحا وأحاطها بسور وأبواب وأقام عليها الحراس، وسماها زويلة نسبة إلى إحدى قبائل البربر وأسكنها أرباب الدكاكين بحرمهم وأهاليهم. ويظهر أن المهدي حذا بذلك حذو أبي جعفر المنصور حين نقل أسواق حاضرة خلافته إلى الكرخ. بقيت مدينة المهدية حاضرة الدولة الفاطمية حتى خرج أبو يزيد ابن كداد على الخليفة القائم." وحتى اقام المعز لدين الله الفاطمي, الخليفة الفاطمي الرابع, مدينة القاهرة سنة 969, ونقل عاصمته اليها.
وفي نطاق فعاليات المؤتمر انتقل جميع المشتركين إلى المهدية ليوم واحد حيث جرت مناقشات وبحوث في أرجاء القلعة وفي أماكن أخرى مما تسنى لنا أن نشاهد عن كثب معالم المدينة الرئيسية ومواقعها التاريخية وأماكنها السياحية . وقد وجدنا المهدية اليوم مدينة حديثة وجميلة تحيطها المياه من كل جانب وأهلها كرماء يستقبلون القادمين إليها والسواح بالترحاب والفرح لحلولهم ضيوفا على مدينتهم.
ولدى قدومي الى مدينة المهدية منبع الدعوة الدرزية ومهد الخلافة الفاطمية وجدت امامي مدينة جميلة وراقية ذات تاريخ جليل واثار هائلة تلفت الانظار وتزيدها هيبة وجلالا. ولعل وقوفي في راس افريقيا والقاء النظرات حولي قد اثار عواطفي وبهجتي واعتزازي فبدا ما قراته في الكتب القديمة عن هذه المدينة وعن الدعوة التي انبثقت من بين جدرانيها تظهر امامي وكاني اشاهد شريطا متسلسلا يعرض مراحل الحكم الفاطمي العريق وماثر الدعوة الدرزية المجيدة في المهدية والقاهرة أي في مقر المهدي ومقر المعز لدين الله والعزيز وجامع الحاكم بامر الله في القاهرة وتذكرت في هذه النشوة المقولة المعروفية "نيال من وطات قدميه ابواب هذه الاماكن المقدسة التي تعبق فيها روائح القدسية الروحانية وتنتشر فيها مباديء التوحيد والدرزية."     
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2014 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.