spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 101
آل تراب
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 137
العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133


 
من قصص اخوان الصفا: مثل الغربان والبزاة طباعة ارسال لصديق
    قيل في أمثال الهند إن الغربان كان عليهم ملك منهم، وكان بهم رحيماً وإليهم محسناً، وإن ذلك الغراب مات، واختلفوا من جهة مَن يملِّكون عليهم من بعده، وتحاسدوا وخافوا أن تقع بينهم العداوة. فقال بعضهم لبعض : تعالوا حتى نجتهد في الرأي ونجمع العلماء وأهل الفضل فينا، ونعقد مجلساً للمشاورة فيمن يصلح لهذا الأمر، وفيمن ينبغي أن يكون ملكاً علينا.
    فاجتمعوا وتشاوروا وقالوا: لا نرضى بأحد من أهل الملك الذي كان فينا، مخافة أن يعتقد أن الملُك إنما ناله وارثاً من أبيه وأقاربه، فيسومنا سوء العذاب، وإذ كنا نحن نتولّى إقامة من نُقيمه، كنا نحن اصحاب المِنَّة عليه والإحسان عليه.
    قال أحدهم: وإذا كان الأمر على هذا، فعليكم بأهل الورع والدين، فإن صاحب الورع والدين لا يكاد يهجم على الأمور الدنيوية ولا يرغب في الدنيا.
    قالوا له: كيف لنا بذلك؟
    فقال لهم: طوفوا وأطلبوا مَن هذه صفته، فإنكم إن تظفروا به قدِّموه.
    وكان بالقرب منهم باز قد كبر وخرِف وضعفت قوّته من الصيد، وأنحل جسمه، وتناثر ريشه من قلة المعيشة وتعذُّر القوت، فبلغه خبر الغربان وما أجمعوا عليه، فبرز من وكره إلى حيث ممرّهم عليه، وأقبل يكثر التهليل والتسبيح، ويظهر التخشع والورع، فاقبلت الطيور تطير على رأسه، فلا يولع بها ولا يمشي إليها. فلمّا رأته الغربان على تلك الحال، ظنّوا أنه يفعل ذلك صلاحاً وديانة، فاجتمع بعضهم الى بعض، وقالوا: ما نرى في جماعة الطيور مثل هذا البازي، وما هو عليه من الديانة والزهد، فهلمّوا بنا نولِّه علينا.
    فأتوا إليه وأخبروه بما عزموا عليه فانقبض من ذلك، وأراهم من نفسه الزهادة فيما عزموا عليه. فلم يزالوا به حتى قبل منهم، فصار خليفة فيهم وملكاً عليهم. فقال في نفسه، كنتم تحذرون من البلاء وما اراه إلاّ وقد وقع بكم.
    فلما تمكن منهم وقوي عليهم بما كانوا يأتونه من الرزق ويجعلون له من الأجرة على ذلك، وقوي جسمه ونبت ريشه، وعادت صحته، أقبل يُخرج كل يوم عدة الغربان فيُخرج عيونها، ويأكل أدمغتها، ويطرح ما سوى ذلك من أجسادها. فاقام فيها مدة. فلما دنت وفاته اعتمد على بعض أبناء جنسه فملّكه عليهم، فكان أشد منه وأعظم بليّة وأكبر رزية. فقالت الغربان بعضها لبعض: بئس ما صنعناه بأنفسنا، وقد أخطأنا. فندموا من حيث لم تنفعهم الندامة، وكان ذلك سبب الخُلْف والمنازعة.
فتفكر ايها الأخ في هذا المثل واعتبر به في أحوال من مضى، ولا تغفل هذه الإشارات، وإياك وإظهار المخالفة والعداوة، والدخول فيما لا دخل فيه أهل الخلاف فتهلك بهلاكهم. 



هذه قصة رمزية من قصص الحكماء إخوان الصفا الذين كان لهم دور كبير في تقدم العلوم والفلسفة عند العرب والمسلمين. ورسائلهم زاخرة بالقصص الرمزية  الهادفة , ونحن نورد هذه القصة لأن فيها عبرة وحكمة ومغزى وفلسفة عميقة.                    
هيئة التحرير  


 
< السابق
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.