spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 96
الرياضة الفكرية: من هو ؟؟
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
كلمة العدد: ولم تنبت شعور ذقونهم بعد.. طباعة ارسال لصديق
جاء في كتاب, مناقب الأعيان, لمؤلفه الشيخ فرحان العريضي, عن الشيخ أبي علي عبد الملك, المشهور بإبن الحاج يوسف الحلبي, والذي كان تلميذاً لسيدنا الشيخ الفاضل(ر) وخادمه مدة طويلة, ما مفاده, أن الشيخ عبد الملك, حين كان صغيراً, ولم يكن قد نبت له شعر في وجهه, قرر المشايخ الحلبية, زيارة سيدنا الشيخ الفاضل, وكان قرارهم, أنهم لن يأخذوا معهم للزيارة, إلا مَن يعلق المشط في ذقنه, أي المشايخ المتكملين الأجاويد فقط. وقد كان الشيخ عبد الملك, حتى وهو صغير, شغوفاً بلقاء الشيخ الفاضل والإجتماع به, لِما سمعه عنه من فضائل وسلوك وتقوى, فغرز المشط في لحم وجهه, وجاء إلى المشايخ يطالبهم بوفاء تعهدهم الذي قطعوه على أنفسهم, فأُعجب الشيوخ بحكمته وشوقه وقرروا أن يصطحبوه معهم, وقد مكث المرحوم الشيخ أبو علي في خدمة سيدنا الشيخ الفاضل حتى وفاته, وظل يذكر مناقبه وفضائله, وهو الذي كتب وصيته, ودوّن سيرته ونشرها بين الملأ, ثم أصبح الشيخ أبو علي من المشايخ البارزين في الطائفة, له مكانته وإحترامه وتقديره على مر العصور. أما المشايخ الكبار الذين رافقهم لزيارة الشيخ, والذين لم يكن في خاطرهم إصطحابه معهم لولا تضحيته, فقد كانوا حقا أجاويد محترمين في عصرهم, لكن التاريخ لا يذكرهم  مثله.
ونحن نذكر هذه الحادثة, إذ نتمعن في مجتمعنا المعروفي ونجد انه كان, في عصر الأمير السيد قدس الله سره, والشيخ الفاضل رضي الله عنه, والشيخ علي الفارس نفعنا الله ببركاته, معظم المجتمع الدرزي متدينا, وكان الدين في قلوب وعقول وأذهان, معظم الرجال والنساء والشبيبة,وكانت الغيرة الدينية والحماس الشديد, يدفعان المرء في هذا المجتمع, الى التنافس والتباري للحصول على مقوّمات المذهب الحنيف, والمحافظة عليها, والقتال من أجلها, والتضحية للذود عنها. وكان المجتمع الدرزي قرويا منعزلاً في رؤوس الجبال, وكانت العملية التربوية الدينية, تتنفّذ يوما بعد يوم, وساعة إثر ساعة, في الديوان والحقل والكرم والخلوة والشارع.كان معظم لباس الناس بسيطا, لكنه محتشما متواضعا, كان حديثهم مهذبا ناعما,ً وكانت تعابيرهم وألفاظهم أدبية لائقة، كانت غيرتهم على بعضهم شديدة وحامية, وكان تعصبهم لطائفتهم ومذهبهم كبيراً, وكثيراً ما اقتتلوا وتصارعوا فيما بينهم, من اجل السيادة والنفوذ والزعامة والثروة والجاه والسلطة، لكن هذا كان يتم في اوقات الرخاء والهدوء, لكن ما ان يُنذر النذير, ويصيح الصائح, وتوقد النيران في رؤوس الجبال, مذعنة بقدوم خطر عسكري, حتى تُنتسى كل الأحقاد والخصومات, ويهرع الكبير والصغير, والرجل والمرأة, الى ساحة القتال, للذود عن الكرامة والعرض والأرض والكيان, وكثيراً ما حدّق الخطر بالمجتمع الدرزي الصغير, لكن ارادة الله, سبحانه وتعالى, وهمة ابنائه وبناته, كبارا وصغاراً, أنقذت المجتمع, وأدّت الى فك الحصار ودحر المعتدين. وكانت الخلوات في الليالي المباركة, تغص بالمصلين والمصليات, وكانت الأناشيد الدينية والتلوات, تُسمع في الحقل وفي الشارع وفي البيوت, في اوقاتها, وكان الجو السائد والمحور الرائد, في كل قرية هو التدين والعبادة, وذكر الله وتنفيذ تعاليم الأنبياء والرسل والأولياء. وكان واقع الحياة هو, الذي يفرض وجوده, على كل طبقات الناس, فقد كان المجتمع الدرزي, ككل مجتمع في العالم, في كل زمان ومكان, فيه الغني والفقير, والطيب والشرير, والقديس والمجرم, لكن كانت النزعة السائدة في هذا المجتمع, تشد الى الفضيلة والأعمال الطيبة, والسلوك الحسن والذكر الجميل، لذلك قلّما حصل انحراف, وقلما حدث سوء تصرف, وإن وقع ذلك, يسارع المجتمع بقدراته وامكانياته, الى تقويم كل اعوجاج, والى فض كل خلاف, والى تسوية كل مشكلة,وإستيعاب القضية وحصرها في إطارها الحقيقي, فلا شرطة, ولا محاكم, ولا مكتب شؤون اجتماعية, ولا سجن ، بل كانت عوامل الإصلاح موجودة في الجوهر,نابعة منه, وكان المجتمع كالجسم السليم, يحتوي رأساً على المشكلة ويتداركها, ويقطع دابرها قبل ان تكبر وتستفحل وتضر.
نعم كانت الحياة صعبة ومعقدة, وكان المجتمع متأخرا,ً وكانت كل وسائل الراحة الموجودة اليوم, غير متوفرة وعمل الناس بكد وجد ومشقة وتصميم, ونهشت الأمراض والأوبئة بمجتمعات كثيرة, وأدّت الى زيادة كبيرة في عدد الوفيات. لكن مع كل هذا, ومع كل التأخر والركود الذي نعرفه عن المجتمعات القديمة, كان الإنسان في هذه المجتمعات سعيداً, مكتفيا بما رزقه الله, راضيا بنصيبه من الحياة, مناديا بأحلى المباديء مُحثِّا على سلوك الطريق الصحيح . وكان الإيمان بالله وبالنصيب والقدر, يخفف من أعباء الحياة, ويهون تحمل المشقات, وبما أن الأغلبية الساحقة ,كانت متدينة, فقد ساد جو من التعالي والإلفة والتسامح بين الناس.
واليوم تبدّلت الأحوال, وتغيرت الظروف, وانقلبت كل الموازين التي كنا نألفها.لقد تطور مجتمعنا بحكم التطور العام في العالم, وأخذنا ننعم بالإختراعات الحديثة والإكتشافات التقنية والتطورات السريعة, وتغير نمط حياتنا, وانفتحنا على العالم الكبير وأصبحنا جزءا منه . وفي هذا العالم تجد, الحلو والمر, والطيب والخبيث, والمقبول وغير المقبول, ولم تكن عندنا سلطة أو هيئة عليا, توجهنا وتوضح أمامنا الطريق الصحيح وتهدينا إلى سواء السبيل,وكانت النتيجة أننا ننعم اليوم بكل مباهج الحياة, لكننا نبتعد كثيراً عن جذورنا وتقاليدنا والفضائل الطيبة التي تعوّدنا عليها, خلال مئات السنين, وقد أخذ عدد المتدينين ورجال الدين يتناقص, وبدأت الأغلبية الساحقة من الشبيبة تتبنى أنماط حياة جديدة, وتبتعد عن الجذور, وأخذت الهُوة بين الطرفين تكبر وتزيد وتعمق وتستفحل, ولوحظ تعصب وإنطواء وإنعزال عند عدد من رجال الدين المتحمسين والمتشددين, والذين يعتقدون أن لا هوادة, ولا مجال للربط والعلاقة بين الطرفين, وانجرف المجتمع الغير متدين في ملذاته وفي معيشته الطيبة, لا يهتم ولا يسأل ولا يريد ان يعرف شيئاً, عن ماضيه ومبادئه, وحصل نوع من الترفع والتعالي والتأفف, عند بعض المتحذلقين من الشبيبة الجاهلة, وكأن الدين ورجال الدين, هم صرخة قديمة, ونمط حياتهم لا يناسب العصر الحديث. وبما انه لا توجد في الطائفة الدرزية, هيئة دينية وسلطة ثابتة عامة, مثل سلطة البابا عند المسيحيين وشيخ الأزهر عند المسلمين ومجتمع الحاخامين عند اليهود، لذلك فُقدت السيطرة على الأمور ووصل الوضع, وكأنه يعيش في في المجتمع الدرزي مجتمعان, واحد متدين والآخر غير متدين, والمجتمع الغير متدين, يتعرّف على المتدين فقط, في مراسم الدفن وفي عقد خطبة وقليلاً يوم العيد. وكلما مرّ الوقت, كلما لاحظنا ان هذه الهوة تكبر وتزيد, ومن المفروض علينا ان نعمل شيئاً ما من أجل تدارك الأمور حتى لا نفقد زمام المبادرة.
 إن الأغلبية الساحقة الجاهلة, لا عتب عليها, لأن كل واحد منها, مشغول بشؤونه وملذاته. العتب هو على الهيئات الدينية المعينة والمنتخَبة,والتي من واجبها, ان تفكّر بمثل هذه الأمور . وقد كنّا حتى وقت قريب نعلل ونفسّر حجومنا عن عمل شيء ما, بعدم وجود مؤسسات دينية تقوم بهذه المبادرات, وكان في هذا الواقع بعض من الصحة. أما اليوم, والحمد لله, فقد تأسس في ربوعنا مجلس ديني شامل ومحترم, وها هي المحاكم الدينية الدرزية, تنجز ملاكها القانوني, وسلطاتنا المحلية موحّدة, في إطار مركز يدير الشؤون العامة للطائفة, وفي قرانا تكثر بيوت الشبيبة والنوادي النسائية والمراكز الجماهيرية والمدارس الثانوية والمؤسسات العامة. وإذأ قلنا, ان الكبار بيننا نستطيع ان نأسف فقط انهم كبروا ولم يتوجهوا للدين, علينا ان نبذل كل جهودنا, للسعي لتقديم النصيحة والمشورة وبث الوعي, عند الأجيال الصاعدة من شبيبتنا وشاباتنا الذين فتحوا عيونهم على الإنترنيت, وعلى جميع إنجازات العصر, ولا يعرفون غير ذلك. وواجبنا هو ان نتقرّب منهم, وأن نمد أيادينا اليهم, وأن نسعى بكل طريقة وثمن ومحاولة من أجل الوصول الى أكبر عدد منهم, بكافة السبل والوسائل والمجالات. ونحن نهيب ونحث ونتوخى من كافة المسؤولين في ربوعنا, ان يولوا هذه القضية اهتمامهم, وأن يخصصوا الإمكانيات والميزانيات, لهذه المواضيع, وأن يحاولوا الوصول الى الشباب والفتيان والفتيات والجيل الناشيء, الذي لا يمكن ان نقول انه هو المسؤول, لأنه لا يعرف, وكما قلنا, فإن تبعة المسؤولية  هي علينا, فهذا الجيل فيه القدرات والإمكانيات الخارقة, ويمكن ان نجد فيه خامات وإمكانيات هائلة, من الناحية الدينية, وكل ما هو مطلوب, هو إطلاعه على ما لدينا من كنوز,خاصة في أيام العشر المباركة التي نعيشها اليوم, لكي يعلم انه بجانب الحاسوب وبجانب التقنيات الحديثة, يوجد عالم روحاني كبير زاخر, باستطاعته ان يدخل فيه ويذوق من أطايبه, اذا حصل على التهيئة المناسبة والإعداد الصحيح. ولا شك اننا حين ننظر في وجوه أبنائنا, نتوسم فيهم الخير والطاعة والمقدرة والمعرفة, ولا نستبعد ان يخرج من بينهم, عدد كبير من أهل الثقة والدين والإيمان, وعلينا فقط, ان نعطيهم الفرصة الكافية, والإمكانيات اللازمة, لأنهم ما زالوا صغارا,ً وما زالت شعور ذقونهم لم تنبت بعد.

والله ولي التوفيق

وكل عام وانتم بخير

 
سميج ناطور
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.