spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 61
الدروز في مذكرات الرحالة الأوروبيين
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 137
العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133


 
تاريخ القضاء المذهبي للدروز في اسرائيل طباعة ارسال لصديق
بقلم الدكتور سلمان حمود فلاح

تختلف الحالة القانونية, للتجمعات الدرزية الثلاثة, في الشرق الأوسط الواحدة عن الأخرى. ففي لبنان, اعتُرِف بالطائفة الدرزية, كطائفة مستقلة بشكل قانوني وعملي. وفي سوريا, الإعتراف بها هو عملي فقط. وفي اسرائيل, لم يكن معترفاً بها في السابق, وتم الإعتراف بها قانونياً, عام 1957 كطائفة مستقلة. إن احدى الوثائق المتعلقة بهذا الموضوع, والموجودة بحوزتنا, تتطرق لدروز لبنان والمنطقة, وهي رسالة وجهها والي دمشق, سنة 1890 لقائمقام حاصبيا وقائمقام راشيا, وفيها يوعز لهما, بعدم تغيير الترتيبات المتبعة منذ زمن, المتعلقة بمعالجة شؤون الطائفة الدرزية, وفيها ان شيخ عقل الطائفة الدرزية ,هو الموكل بمعالجة شؤون الزواج والطلاق .
    لقد كان عدد الدروز في فلسطين في العهد العثماني قليلا,ً وتراوح بين 15-10 الف نسمة, ولم يكن لهم تأثير او ذكر كبير في الشؤون السياسية, ولم تكن لهم حالة قانونية خاصة, ولكن في عام 1909 قرر مجلس ولاية بيروت, التي كان دروز فلسطين تابعين لها ان يسري عليهم أمر الباب العالي الذي اعترف بإستقلالية دروز لبنان. وقد ارسل والي بيروت ادهم بن مسعود لمتصرفية عكا, جوابا لتوجهات وطلبات الدروز, ان تتم معاملة قضاياهم الخاصة, في محاكم منفردة, قائلاً ان رسالة شيخ الإسلام لقاضي حاصبيا عام 1890, سارية المفعول بالنسبة لدروز عكا ايضا,ً وأضاف انه من الواجب تنفيذ أوامر الباب العالي برمتها, بالنسبة لجميع الدروز, وتجنب المحاكم الشرعية, معالجة امور الزواج والطلاق والوصية والورثة عند الدروز.
    وبتاريخ 20 نيسان 1909 اعلن والي بيروت أمام مسؤولين في عكا, انه استجابة لعرائض قدّمها مشايخ ووجهاء الطائفة الدرزية لنظارة الداخلية في الاستانة, وحُولت اليه, فهو يوصي بتعيين الشيخ محمد طريف طريف (إسم الشيخ هو طريف محمد طريف ولكن المتبع في العالم العربي والإسلامي هو إضافة الإسم محمد لإسم أي شخصية معتبرة, وهكذا أضافوا إسم محمد لإسم الشيخ طريف وأصبح الإسم محمد طريف دارجا)  قاضياً للدروز ,وهذا إستناداً الى قرار مجلس الولاية. وقد قبل متصرف عكا توصية والي بيروت, وعين الشيخ محمد طريف طريف, اول قاض للدروز في فلسطين وذلك في نفس السنة. من هنا يمكن القول ان دروز فلسطين حصلوا على اعتراف شبه رسمي بهم كطائفة مستقلة، "الفرق بين دروز لبنان وفلسطين من هذه الناحية هو ان دروز لبنان حصلوا على اعتراف صادر من الباب العالي أما دروز فلسطين فالإعتراف بهم جاء من رئاسة ولاية بيروت" ومنذ ذلك الوقت توقف المواطنون الدروز من التوجه للمحاكم الشرعية الإسلامية, وعينوا من بينهم قاضيا درزيا يحكم حسب قوانين الشرع الدرزي، لكن هذا الإعتراف لم يؤدِ الى إقامة مؤسسات طائفية ولا الى تأسيس محاكم دينية درزية, وصلاحيات  القضاء التي مُنحت للشيخ محمد طريف طريف, كانت محدودة إذ أنها فرضت على الدروز التوجه اليه فقط في حالة موافقة الطرفين صاحبي الشأن. زد على ذلك ان هذا الإعتراف لم يكن بأمر سلطاني او بموجب قانون سن في مؤسسة معترف بها وإنما جاء بقرار من ولاية بيروت  . سوف نرى أهمية هذه النقطة فيما بعد فعندما فُرض الإنتداب البريطاني على فلسطين استغل الإنجليز هذه النقطة ,ولم يعترفوا بالطائفة كطائفة مستقلة, ولم يسمحوا بإقامة محاكم خاصة.
    لكن كان لهذ الإعتراف جانب آخر هام جدا بالنسبة لدروز فلسطين, وبالنسبة للشيخ محمد طريف طريف,  وهو أن تعيينه قاضيا لشؤون دروز فلسطين, جعله قاضيا مسؤولا عن دروز بيروت أيضا, حيث أن التقسيم العثماني, كان يضم دروز بيروت إلى ولاية عكا, فالقاضي المسؤول عن دروز فلسطين من عكا مسؤول في نفس الوقت عن دروز بيروت, وقد كانت تسكن بيروت في تلك الفترة أعداد لا بأس بها من العائلات  الدرزية, التي كانت منفصلة في ذلك الوقت عن الأغلبية الساحقة من سكان لبنان الدروز, الذين سكنوا في الشوف وعاليه والمتن والبقاع وحاصبيا. وبالرغم من أن دروز بيروت كانوا أقرب إلى الشوف من عكا, إلا أن التقسيم كان هكذا. وقد مارس الشيخ طريف صلاحياته في مسؤوليته عن دروز بيروت عام1908  عندما أثيرت قضية تربة الدروز في بيروت, فقام الشيخ طريف بتعيين قاض ينوب عنه في بيروت هو الشيخ محمد أفندي روضة . وقد ورد في النشرة التي أصدرتها جمعية التضامن الخيري الدرزي المسؤولة قانونيا عن اوقاف الدروز في بيروت ومن ضمنها تربة بيروت ودار الطائفة والتي تأسست عام 1930 , وهذا التقرير صدر عام 1980 وذُكر فيه فيما يتعلق بتربة الدروز في بيروت, وحيث قام البعض باغتصاب اقسام منها واقتطع الآخرون المجاورون لها في السنين الغابرة أقساماً أخرى ضُمت الى املاكهم المجاورة.وفي هذه النشرة ورد ما يلي:
"اتجاه هذا الواقع، تنادى دروز بيروت للإجتماع والعمل على صيانة مقبرتهم من التعدي فألفوا لجنة منهم أخذت على عاتقها صيانة الوقف وإحاطته بتصوينة، وراجعت اللجنة سماحة شيخ عقل الدروز في عكا الشيخ محمد طريف، لأن دروز بيروت آنذاك تابعين له في عكا، بحكم إنتمائهم لولاية بيروت العثمانية، ومنفصلين عن متصرفية جبل لبنان واخوانهم في الشوف وعاليه، بالرغم من قربهم لهم، فما كان من سماحة شيخ العقل المغفور له الشيخ محمد طريف، إلا ان عيّن نائباً عنه المرحوم الشيخ محمد أفندي روضة في بيروت، لرؤية وفصل المعاملات والدعاوى المذهبية المتكونة بينهم في النظر لعدم وجود رئيس روحي لهم بذلك الظرف، ...الخ وذلك سنة 1326 هجرية, لقد ساعد تعيين قاضي مذهب منهم على مآزرة اللجنة الموكلة للمحافظة على الوقف والتقدم من الحكومة العثمانية للمراجعة والشكوى من التعدي، وبذلك تمكنوا من صيانة الوقف مؤقتاً، وكان ذلك في عام 1326 هجرية الموافقة 1904 ميلادية. النشرة صفحة 11".
وذُكر هذا التعيين في كتاب "الوصية والميراث عند الموحدين الدروز, تاليف الشيخ مرسل نصر, قاضي المذهب, والشيخ حليم تقي الدين, رئيس المحكمة الإستئنافية العليا, الصادر عام 1983 صفحة 38 :
"قضاة المذهب في ولاية بيروت
    اول قاضي مذهب في ولاية بيروت، الشيخ محمد علي روضة المولود سنة 1851 والمتوفي سنة 1941 في عهد الإنتداب والجمهورية اللبنانية. وهذا صك توليه القضاء من رئيس مذهب الدروز في ولاية بيروت:
 "لجانب الماجد الشيخ محمد افندي روضة المحترم
بعد حمد الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، ننهي اليكم بأن الجم الغفير من اخواننا الدروز في رأس بيروت طلبوا منا تعينكم نائباً في بيروت، لرؤية المعاملات والدعاوي المذهبية المتكونة بينهم بالنظر لعدم وجود رئيس روحي لهم بذاك الطرف.
"وحيث ان دعاوى النكاح والوصية والميراث بين الدروز تُرى وتُفصل بموجب أمر مشيخة الإسلام الجليلة، المؤرخة في 20 شباط سنة 1306 نومرو 275، وأمر ولاية بيروت الجليلة، بتاريخ 21 ذي القعدة سنة 1326 وأول كانون الأول سنة 1324 ونمرة 466 ، بمعرفة المشايخ
"وُجد من الضروري إجابة طلب اخواننا المذكورين
"وبناءً عليه، وبالنظر لما نعلمه من صلاحكم وتقواكم وأهليتكم وكفايتكم، صار تعيينكم وكيلاً عنا، لرؤية الدعاوى المذهبية الدرزية، واصدار الأحكام والإعلامات العادلة بخصوصها ضمن دائرة الشريعة الغراء والمذهب.
" وقد عرضنا كيفية تعيين جنابكم لأمر ولاية بيروت الجليلة.
"فباشروا وظيفتكم من تاريخه، بعد الإتكال على الله تعالى على الوجه المشروع، والله يوفقكم لما يحبه ويرضاه.
     "تحريراً في غرة ذي الحجة سنة الف وثلثمائة وستة وعشرون هجرية الموافق عشرة كانون اول سنة 1324.
"حرره الفقير اليه سبحانه
"رئيس مذهب الدروز في ولاية بيروت
"محمد طريف"   
وجاء في معجم اعلام الدروز ، تأليف الأستاذ محمد خليل الباشا الصادر عن الدار التقدمية عام 1990 في المجلد الأول صفحة 534 عن الشيخ محمد بن علي بن قاسم روضة ما يلي:
"ولد في بيروت, وكان شيخاً تقياً ديِّناً يتصف بالتسامح وحسن الأخلاق، فعلا شأنه في قومه وبين عارفيه وبما انه لم يكن في بيروت رئيس روحي، وكان الناس يذهبون في شؤونهم المذهبية الى جبل لبنان او بحراً الى فلسطين، فإن والي بيروت سمح للشيخ محمد طريف سنة 1909 بأن ينظر في احوالهم الشخصية على طريقتهم التقليدية دون السماح لهم بإقامة محاكم مذهبية درزية، والشيخ محمد طريف كلّف الشيخ محمد روضة ان يتولى الأحكام في عشيرته عندما يتعذر الوصول الى المحاكم المذهبية في جبل لبنان، فقام بهذه المهمة خير قيام وكان أخاً وأباً وصديقاًومرشداً للجميع".
وجاء في كتاب الدكتور سليم حسن هشي "دروز بيروت تاريخهم ومآسيهم الصادر عن دار لحد خاطر 1985 صفحة 86 ما يلي :""
"... لقد كنا دائماً وأبدا منذ القدم مرتبطين شرعياً بدائرة الإفتاء في بيروت, وبعد فصل بيروت عن الجبل, أضحت الطائفة تابعة لعكا, وقام شيخ عقل الدروز, الطيب الذكر محمد طريف, بتكليف الشيخ محمد افندي روضة, لرؤية وفصل المعاملات والدعاوي المذهبية المتكونة بينهم, بالنظر لعدم وجود رئيس لهم بذلك الظرف..." يورد الدكتور هشي صورة لصك تولية الشيخ محمد روضة في الكتاب صفحة 85.  

فترة الإنتداب

    لم تعترف سلطات الإنتداب بالدروز كطائفة مستقلة ولم تنمحهم صلاحية إقامة محاكم دينية. في البداية قلصت سلطات الإنتداب من صلاحية قاضي الدروز وحصرتها في الأحوال الشخصية, فقط ففي أمور الوصية والوراثة اعتُرف به اذا وافق الطرفان على التوجه اليه. وفي عام 1922وضعت حكومة الانتداب دستور فلسطين وفيه  اعترفت  بالمحاكم الدينية القائمة آنذاك, وبما انه لم تكن للدروز محاكم خاصة, لم تضمهم  سلطات الإنتداب بين الطوائف المعترف بها, ولم يعطوا حق اقامة محاكم خاصة. وفي عام 1932 قُلصت مرة اخرى صلاحية القاضي الدرزي وحُصرت في الأحوال الشخصية, ولم يُسمج له بالبحث بشؤون الوصية والميراث.
    وكان الدروز في سنوات الإنتداب الأولى, قد توجهوا للإدارة العسكرية, وطلبوا اعترافا باستقلالهم الطائفي, وتثبيت تعيين الشيخ محمد طريف طريف قاضيا للدروز, مثلما كان في العهد العثماني. ورد على التوجه السيد ستانتون الحاكم العسكري في حيفا في رسالة بعثها للشيخ محمد طريف بتاريخ 1919/7/7 جاء فيها :
"الى حضرة قاضي مذهب الدروز الشيخ طريف الجزيل الإحترام بجولس.
 بعد السلام : لقد أفادني جناب القاضي القضائي في القدس الشريف اننا نصادق على الإذن الصادر لكم من قبل الحكومة العثمانية بتسوية مسائل النكاح على مقتضى شريعتكم, اما في الشؤون الإرثية فصلاحياتكم لحل المسائل سارية حيث يرضى بها الخصمان, على ما هو مبين في مذكرة متصرف عكا الأسبق, التي بيدكم وحيث لا يرضى الخصمان فالمرجع المحكمة الشرعية والسلام.
 حيفا 7 تموز 1919 الحاكم العسكري"
ومعنى ذلك, ان السلطات الإنجليزية تقر صلاحياته بمعالجة الأحوال الشخصية الدرزية, أما في امور الوصية والميراث فهذا مرهون بموافقة الطرفين, واذا لم يوافق احد الطرفين تبقى الصلاحية في المحكمة الشرعية. وفي اعقاب هذه الرسالة توجه الشيخ  طريف وتقدّم بإلتماس الى رئاسة المحكمة في حيفا جاء فيه :
" لجناب رئاسة محكمة بداية حيفا العلية
المعروض على انني معيَّن رسميا بأوامر عالية قد صدّق عليها حاكم حيفا العسكري وعممها لمن يلزم لأجل اعتباري قاضياً لطائفة الدروز بلواء عكا مفوَّضا بتحرير التركات والوصايات والنكاح والطلاق الخاصة بتلك الطائفة, فبناء عليه استرحم صدور امركم لحكام الصلح في عكا وحيفا ليودعوا لي امثال هذه القضايا متى وصلتهم لأفصل بها ولآمر بأمركم في كل حال.
 الداعي محمد طريف قاضي
 طائفة عموم الدروز بلواء عكا."
 وأجاب رئيس المحكمة في حيفا بتاريخ 1919/10/11 للشيخ محمد طريف ان السلطات المختصة اوعزت لقاضي الصلح وللقضاة الشرعيين في حيفا وعكا الأخذ بعين الإعتبار السماح الذي مُنح للدروز بمعالجة احوالهم الشخصية حسب قوانينهم, اما بالنسبة لقضايا الوصية والميراث, أضاف الرئيس, انه اذا لم يوافق احد الطرفين على ذلك تتحول القضية للمحكمة الشرعية.  ويُستشَف من محتويات الرسالة ان السلطات في قضاء عكا لم تنفذ اوامر الباب العالي في استقلال دروز لبنان وترددت في قبولها, لذلك وكان التوجه للوالي للحصول على الجواب. وبالنسبة للأمور الأخرى المتعلقة بالأحوال الشخصية عند الدروز عدا الأشياء التي ذُكرت, فقد تقرر إحالتها للمحاكم المدنية, ومعنى ذلك ان المحاكم الشرعية الإسلامية فقدت صلاحية معالجة الأحوال الخاصة بالدروز .
 لم يرض الدروز بهذا الجواب, وانتقلت المبادرة من يدي الشيخ طريف إلى مجموعات في الطائفة, تكتلت وتوحدت لكي تتوجه لسلطات الإنتداب لإقامة مؤسسات طائفية وإعتراف رسمي بالطائفة, مثل باقي الطوائف في البلاد.وقد توجهوا إلى السلطات في عريضة موقعة من كافة وجهاء الطائفة طالبت بهذين الأمرين لكن جوابا لم يصل.
    وقد أرسل متصرف لواء حيفا بتاريخ 2  أيار عام 1924 رسالة للشيخ محمد طريف يعلمه فيها أن سلطات الإنتداب لا تستطيع الإستجابة لطلبات الدروز, لأن دستور عام 1922 يسمح لهم بالإعتراف بالمؤسسات التي كانت قائمة وقت الإحتلال أثناء الحرب العالمية الأولى واعترف بها بواسطة فرمان عثماني أو أي أمر سلطاني آخر.وبما أنه لم تكن للدروز مؤسسات كهذه, فلا مجال للإعتراف بهم. ويبدو ان السلطات البريطانية تصرفت بهذا الشكل خوفاً من رد غاضب للمجلس الإسلامي الأعلى.
وبشأن الأمر الذي أرسله والي بيروت للدروز، قال متصرف اللواء انه لا ينفّذ الشروط في البند السابع من دستور فلسطين ولا يمنح الصلاحيات المطلوبة لإقامة محاكم دينية، ولهذا فهو يحدد صلاحيات الشيخ طريف للبحث في الأحوال الشخصية فقط، أما في الوراثة فيجب موافقة الطرفين. وفي هذه الرسالة يؤكد متصرف اللواء صلاحية الشيخ طريف بمعالجة الأحوال الشخصية دون ان يحتاج بإقامة محكمة وبهذا اعتمد على الأمر العسكري الذي مُنحت بموجبه هذه الصلاحية للشيخ طريف, أما بالنسبة لباقي الأمور المتعلقة بالدروز فقد أوعز متصرف اللواء ان تتم معالجتها في المحاكم المدنية, ومعنى هذا ان مواضيع الأحوال الشخصية عدا الزواج والطلاق نُقلت من صلاحية المحاكم الإسلامية للمحاكم المدنية. وهذا الأمر أبطل امكانية اعتراف سلطات الإنتداب بدروز فلسطين كطائفة مستقلة.
 وبعد وفاة المرحوم الشيخ محمد طريف طريف, عُين مكانه ابنه المرحوم الشيخ سلمان طريف, بموجب رسالة من حاكم لواء حيفا مؤرخة بتاريخ 16 كانون ثاني 1929. وفي هذه الرسالة لا يفصّل حاكم اللواء صلاحيات رئيس الطائفة, وإنما يذكر انها مشابهة لصلاحيات سابقيه. معنى هذا ان هذه الرسالة لم تضف شيئاً على قضية اعتراف السلطات بالطائفة. ولم تتوقف محاولات الدروز لإقامة مؤسسات طائفية ومحاكم دينية معترف بها فقد توجهوا في سنة 1932 وأُجيبوا بالنفي, وذُكرت في كتاب النفي المبررات السابقة لعدم الإعتراف بالطائفة.وظل هذا الوضع القانوني حتى نهاية الإنتداب.  

      
الحالة القانونية للدروز في إسرائيل
قام دروز اسرائيل فور قيام الدولة بتجديد طلباتهم من السلطات للإعتراف بهم كطائفة مستقلة. وقد قاموا بالإجتماع بأول وزير اديان الراب ميمون وقدّموا له عريضة بهذا الخصوص. وقد تفهّم المسؤولون طلبات الدروز المتكررة لكن التنفيذ لم يكن سريعاً. وبدل ذلك قامت الدائرة الدرزية في وزارة الأديان بتعيين مأذونين شرعيين في القرى الدرزية, لتسجيل قضايا الزواج والطلاق, قد اعتمدت في هذا الأمر القانون الصادر عام 1927 والذي بموجبه عُينوا مأذوني زواج وطلاق عند البدو الذين لم يكن لهم اتصال مباشر مع المحاكم الشرعية الإسلامية. وقد تم في بداية الخمسينات تعيين سبعة وعشرين مأذوناً في القرى الدرزية في الجليل والكرمل. وبعد تعيين المأذونين ظهرت حاجة لإقامة مؤسسة تشرف على أعمالهم، إذ لم تكن هناك محكمة درزية. لهذا عين وزير الأديان بتاريخ 9 نيسان 1954  لجنة مكونة من المرحومين  المشايخ : سلمان طريف من جولس رئيساً ، عبد الله خير من ابو سنان وحسين عليان من شفاعمرو وممثل عن وزارة الأديان. وقد اجتمعت اللجنة كل ثلاثة اشهر بحضور كافة المأذونين الشرعيين  وجاء في كتاب تعيين اللجنة, انه من صلاحياتها فحص ملفات التسجيل لقضايا الزواج والطلاق التي استعملها المأذونون ان كانت قد نُفذت بموجب القانون الديني للطائفة الدرزية (القصد هو العادة التي كانت سائدة عند الدروز بالنسبة للأحوال الشخصية قبل اعتماد القانون اللبناني)، قانون سن الزواج 1950 وقانون حقوق المرأة عام 1951. وفحصت اللجنة جباية رسوم التسجيل وهل حُوِّلت الى خزينة الدولة .


الإعتراف بالدروز كطائفة مستقلة
صدر في الخامس عشر من شهر نيسان 1957 عن وزير الأديان السيد شابيرا, استنادا على قانون الطوائف 1926 أمر بالإعتراف بالدروز كطائفة مستقلة، وبموجب هذا الأمر يحق لوزير الأديان تعيين بالإستشارة مع رؤساء الطائفة مجلسا دينيا ومجلسا ثقافيا مؤقتين حتى تأسيس مؤسسات طائفية ثابتة. وتقرر ان يقرر وزير الأديان مدى استمرارية هذه المؤسسات، صلاحياتها ووظائف اعضائها وطريقة عملها بالتنسيق مع رؤساء الطائفة. وتقرر ان تفرض هذه المؤسسات الرسوم المستحقة التي يجب ان تجبى. وقد جرى بتاريخ 23 نيسان احتفال رسمي في مكتب وزير الأديان في القدس بالتعيين وحضره رؤساء الطائفة وأعضاء الكنيست الدروز ورؤساء مجالس محلية وغيرهم. وجرى في الخامس والعشرين من نيسان الإحتفال التقليدي في مقام النبي شعيب عليه السلام في حطين واحتفل بهذه المناسبة بالإعتراف الرسمي باشتراك الاف المواطنين الدروز. وبما انه لم تكن مؤسسات دينية رسمية تنظر في شؤون الأحوال الشخصية الدرزية، فقد ظهرت حاجة ماسة لتأسيس محاكم دينية درزية. وقد عيّنت الدائرة الدرزية في وزارة الأديان في شهر ايار 1959 لجنة لمعالجة شؤون الوقف الدرزي والأحوال الشخصية. تكوّنت اللجنة من المشايخ المرحومين سلمان طريف رئيساً وكمال معدي وحسين عليان اعضاء وقد قامت هذه اللجنة بعقد ثلاثين جلسة حتى نهاية شباط 1960 وعالجت قضايا مختلفة ولم تكن لها صلاحية قضائية ملزمة, وانما عملت بشكل توفيق وحل المشاكل برضى الطرفين .


تأسيس المحاكم الدينية الدرزية
صدر قانون المحاكم الدينية الدرزية عام 1962 وبموجبه أُقيمت محكمة أولية مؤلفة من ثلاثة قضاة ومحكمة استئناف مؤلفة من ثلاثة قضاة كذلك, صلاحيتها معالجة شؤون الأحوال الشخصية. وتقررت في القانون عملية انتخاب القضاة بواسطة لجنة تعيين مؤلفة من تسعة أعضاء وحُددت مؤهلات القاضي بأن يكون  مطلعاً على قوانين الشرع الدرزي ومتديناً ويعيش حياة تناسب منصبه كقاضي على ان يكون متزوجاً وقد بلغ الثلاثين من عمره. واجتمعت لجنة التعيين وانتخبت المرحومين المشايخ سلمان طريف، لبيب ابو ركن وحسين عليان للمحكمة الأولية والمشايخ المرحومين أمين طريف ، احمد خير وكمال معدي لمحكمة الإستئناف. وكان المجلس الديني الدرزي قد قرر في تاريخ الثاني من تشرين ثاني عام 1968 تبني قانون الأحوال الشخصية الدرزية اللبناني الصادر عام 1945 ليكون أساساً تحكم بموجبه المحاكم الدينية الدرزية. يعتمد القانون اللبناني، الذي وضعه مشايخ ومثقفون وقضائيون لبنانيون دروز على تعاليم الأمير السيد قدس الله سره وعلى التعاليم الدرزية الأخرى وعلى قانون حقوق العائلة العثماني من سنة 1917 وعلى القانون المدني اللبناني وعلى المذهب الحنفي. ويُعتبر هذا القانون متحررا ويلائم روح العصر ولا يتعارض مع القانون المدني الإسرائيلي. يتألف القانون من 171 بنداً في 19 فصلاً ويعالج كافة شؤون الزواج والطلاق والتبني والوصاية والوراثة وتقسيم الميراث والوقف.

عن كتاب الدكتور سلمان فلاح بالعبرية:
   الدروز في الشرق الأوسط

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.