spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 115
كلمة العدد: عندما نشعر أن عقولنا هي أغلى ما نملك
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
تاريخ القضاء المذهبي طباعة ارسال لصديق
بقلم القاضي أمين طليع

القضاء يمثل العدل بين الناس ويرمز الى الحق , وهو اصل الأصول, لذا وجد القضاء منذ وجود الإنسان, رافقه في مختلف عصوره ,وكان تطوره رهنا بتطور الحضارات البشرية, يختلف باختلاف مستواها.ويتميز بين المجموعات الإنسانية، بتميز هذه المجموعات عن بعضها، بالنسبة لرقيها واتساع مداركها، وتقبلها للحياة الإجتماعية كما بيّنا سابقاً. ومن الراهن ان القضاء في العصر الفاطمي، بلغ من الرفعة شأواً لم يبلغه قضاء قبله. ذلك انه عند دخول الفاطميين الى مصر، كان القضاء في مستوى رفيع، لأن قضاة مصر في العهد العباسي كانوا ذوي خبرة واسعة يتمتعون بثقة قوية حتى كادوا ان يكونوا غير قابلين للعزل، وكان تعيينهم وتحديد سلطانهم وصلاحياتهم من اختصاص الخليفة في بغداد.
    وفي عهد الطوليين والأخشيديين نبغ القاضي بكار بن قتيبة الذي وقف بوجه احمد بن طولون، وأبى اقرار خلع الخليفة الموفق. وإبان الفتح الفاطمي لمصر سنة 358 هجرية كان قاضي مصر ابو الطاهر، وهو على المذهب السني، فلم يجرؤ القائد جوهر الصقلي على خلعه وتولية قاضٍ آخر مكانه من الشيعة وهو مذهب الخلافة الفاطمية، وذلك لما كان للقاضي المذكور، من مكانة عالية واحترام وتقدير، ولما يمكن ان ينتج عن مثل هذا العمل من نقمة الشعب وسخطه.
    عندما دخل الخليفة المعز القاهرة وكان سكانها جميعهم في لقائه،نزل الجميع عن مطاياهم وقبّلوا الارض بين يديه، ما عدا القاضي ابو الطاهر.الذي ترجل بعد الجميع وسلم على الخليفة دون ان يقبل الأرض بين يديه، فاستلفت الأنظار وكان لا بد من استيضاحه عن سبب تصرفه هذا، فكان جوابه تلاوة الآية الكريمة "ومن آيته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واسجدوا لله الذي خلقهن ان كنتم ايه تعبودن".
    فاستحسن الخليفة جوابه وابقاه، فبقي الى عهد الخليفة العزيز، حتى تقدمت به السن/ ووهنت قواه، فطلب إعفاءه من منصبه، وتقلد القضاء بعده، علي بن النعمان الشيعي المذهب.
    وفي سنة 393 هجرية، تقلد القضاء الحسين بن علي بن النعمان في خلافة الحاكم بأمر الله الفاطمي، واسندت اليه مقاليد الدعوة التوحيدية للمرة الأولى، فكان قاضي القضاة، وداعي الدعاة، وهذه نبذات بارزات من سجل التولية المثبت في صبح الأعشى، الجزء العاشر من الصفحة 358-388 :
    "هذا ما عهد به عبد الله المنصور ابو علي الحاكم بأمر الله امير المؤمنين،
"للقاضي حسين بن علي بن النعمان، حين ولاه الحكم بالمعزية القاهرة ومصر واسكندرية وأعمالها، والحرمين حرسهما الله تعالى وأجناد الشام وأعمال المغرب واعلاء المنابر وأئمة المساجد الجامعة.
"أمره ان يتقي الله عز وجل حق التقوى، ويعتصم بالثبات واليقين وينفصم عن الشكوك والهوى...وأم يجعل كتاب الله عز وجل قبلة لوجهه.. وان يقابل ما رسمه أمير المؤمنين، وتنفبذ أحكامه والقصر من كل متطاول على الحكم وترك المجاملة والمحاباة، فالحكم لله ولخليفته في ارضه..
"وأمره أن يرفع عن المتحاكمين حجابه ويفتح أبوابه ويقسم بينهم لحظه ولفظه قسمة لا يحابي فيها قوياً لقوته ولا يردي فيها ضعيفاً لضعفه.
 " أمره ان ينعم النظر بالشهود، فيتعرف دخائلهم تعرفاً كافياً فمن وجده منهم في العدالة والأمانة والنزاهة والصيانة وتجري الصدق والشهادة بالحق ابقاه، وإلا كان بالإسقاط من الشهادة اولى.
"وأمره ان يعمل بأمثلة امير المؤمنين له فيمن يلي أموال اليتام والوصايا وأُولي الخلل في عقولهم والعجز عن القيام بأموالهم حتى يجوز أمرها على ما يرضي الله ووليه صيانتها وحفظها.
وأمره ان يشارف المساجد والخطباء والمؤذنين..
وأمره ان يرعى دار الضرب وعيار الذهب والفضة.
وأمره ان يستعين على اعمال الأمصار التي لا يمكنه ان يشاهدها، بأفضل وأعلم وأرشد وأعمد من تمكّنه الاستعانة به.."
في هذا السجل الذي يتضمن تخطيطاً قضائياً مثالياً، دليل على مستوى القضاء في ذلك العهد منذ حوالي الف سنة، وبرهان على ما يتمتع به القاضي من علو المنزلة. في سنة 405 هجرية تقلد منصب القضاء ابو العباس احمد بن العوام الحنبلي المذهب، وقد شرط عليه ان يصدر أحكامه طبقاً لقانون الشيعة، وأن يكون معه في مجلس القضاء اربعة من القضاة الشيعي المذهب يعيِّنهم الخليفة. وابن العوام هذا، هو الذي أرسل الإمام رسالته المعروفة التي يحذره فيها من النظر بشؤون الموحدين. وهكذا توالى القضاة بهذا المستوى الرفيع من العلم والنزاهة والسلطان حتى انتهى عصر الخليفة الحاكم، الذي وصلت فيه الخلافة الى أوج سموها ثم بدأت بعده بالتقهقهر تدريجياً.
وبعد انقضاء عهد اليوبيين والمماليك عاد القضاء الى الظهور بروعته ورفعة مستواه في عهد التنوخيين الذين نبغ منهم علماء وفقهاء ذاع صيتهم كالأمير زين الدين القاضي، وقد كان قضاة تنوخ من الأسرة التنوخية نفسها.
وفي عهد المعني بلغ القضاء منزلة سامية لا سيما في عهد الأمير فخر الدين الثاني الكبير. كان الأمير فخر الدين حاكماً عادلاً، وقد أولى القضاء عناية كبيرة، راعى فيه جميع الطوائف إذ ترك لرؤساء الطوائف الحكم في القضايا المدنية والدينية والأحوال الشخصية، على ان يكون هؤلاء الرؤساء مسؤولين لديه عن أبناء مذهبهم. وقد احتفظ لنفسه بالحكم في الجرائم، وفي الدعاوي الخاصة بالشرع والجند. ومما ذكره الأب قرألي في تاريخ الأمير فخر الدين، ان "دعاوي الموارنة كان يترك الفصل فيها لبطريركهم، على ان يضمن له حسن سلوكهم والقيام بواجباتهم".
ومما يؤثر عنه انه قتل صوباشياً اقتحم دار القنصلية الفرنسية في صيدا، ليبتز مال مسيحي لجأ اليها، لذا كان عهده عهد أمن واستقرار أدهش الأوروبيين من سائحين وتجار وقناصل ومؤرخين.
ومما قاله الأب قرألي ايضاً "ومع انه درزي فقد بنى الجوامع للمسلمين والكنائس والبيع للمسيحيين، وولاهم أكبر المناصب في الدولة والجيش، زكانت الطوائف تتسابق الةى الخدمة في صفوف الجيش، وتسنى للأمير فخر الدين بسيفه ودهائه اتمام الوحدة اللبنانية".
أما العهود التالية فقد كانت مضطربة لتنازع المراء والحكام فيما بينهم وانقسام الشعب شيعاً وأحزاباً، مما اثر على أوضاع القضاء والقضاة رغم ظهور قضاة اكفاء مشهورين بالعلم والنزاهة.

ديوان المظالم
لم يكن القضاء في السابق ولا سيما في عهد الفاطميين، يقتصر على القضاة بل كان هناك مجلس قضائي آخر هو ديوان المظالم.
كان ديوان المظالم هيئة قضلئية عليا، وهو أشبه ما يكون بالمحاكم الإستئنافية، لأن سلطته تفوق سلطة القاضي. وكان رئيسه معروفاً بإسم صاحب المظالم. وصاحب المظالم كان أحياناً الخليفة بالذات او واليه او من ينوب عن أحدهما.
قال ابن خلدون في مقدمته المعروفة، عن ديوان المظالم :" وهي وظيفة ممتزجة من سطوة السلطنة ونصفة القضاء، وتحتاج الى علو يد وعظيم رهبة. تقمع المظالم من الخصمين وتزجر المعتدي، وكان يمضي ما عجز القضاة او غيرهم عن امضائه، ويكون نظرة في البينات والتقرير، واعتماد الامارات والقرائن، وتأخير الحكم الى استجلاء الحق، وحمل الخصمين على الصلح، واستحلاف الشهود، وذلك أوسع من نظر القاضي".
كان ينعقد المجلس في المسجد في يوم يعينه الرئيس للموظفين حتى يتمكن المتظلم منهم/ من عرض ظلامته والعودة الى أعماله. ولبقية الناس أيام الأسبوع الأخرى.
يتألف ديوان المظالم من خمسة عناصر :
    الحماة والاعوان وهم جماعة من الحرس الشداء الذين لا يعجزون عن اخماد اية حركة شغب، وتوقيف كل متمرد، ومنع اي عمل من اعمال العنف والفرار من وجه العدالة. بوجودهم يستتب النظام زيحترم القانون، وتسيطر هيبة القضاء على كل ما عداها.
    الحكام ، وهم القضاة والولاة وكبار موظفي الدولة، يحضرون جلسات المجلس للإطلاع على ما يجري فيه وما يصدر عنه من الأحكام، والعلم بما يجري بين الخصوم، ليكونوا مطلعين على احوال الناس ملمين بالأصول التي يجب اتباعها لرد الحقوق الى أصحابها، وتطبيق لبقوانين والأصول المعمول بها.
    الفقهاء/ وهم بمثابة مستشارين لصاحب المظالم، يستنير بمعرفتهم الفقهية اذا اشكل عليه أمر من المسائل الشرعية المعروضة عليه، والمطلوب اليه حلها، قيبدون رأيهم في الحال، بحيث لا تؤجل الجلسات، فتصدر الأحكام دون تأخير او إبطاء
    الكُتّاب، وهم كتبة الديوان، المنوط بهم تسجيل وقائع الجلسات وشهادات الشهود والأحكام التي تصدر عن الديوان.
كان ديوان المظالم مختصاً بفصل شكاوي الأفراد والجماعات من الحكام والولاة، اذا انحرفوا عن جادة العدل والإنصاف، ومن عمال الدولة اذا جمعوا من الضرائب أكثر مما يفرضه القانون، ومن بقية الموظفين اذا أهملوا مصالح الرعية، او ارتشوا او بددوا حقوق بيت المال، او تأخروا عن دفع رواتب المرتزقة، كما كان للديوان ان ينظر في كل ما عجز القضاة تنفيذه من الأحكام، وفي تنظيم ما يتعلق بإقامة الشعائر الدينية والعبادات والحج والجهاد.

المحتسب
    والى جانب القضاة وديوان المظالم كانت الحسبة وصاحبها يدعى المحتسب.
كان ينحصر عمل المحتسب بالنظام العام والسهر على الأمن، والنظر بأمر الجنايات. وكثيراً ما كانت الحسبة تناط بالقاضي فيكون القاضي والمحتسب واحداً.
    لقد كان المحتسب يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحافظ على الآداب العامة، ويشرف على نظام الأسواق وقمع الغش وادارة الشرطة، دون ان يكون له صلاحية اصدار الأحكام، مما يستنتج منه ان المحتسب في الخلافة الفاطمية كصاحب الشرطة في الخلافة العباسية.

مرتّب القاضي
    كان مرتاب القاضي أعلى مرتّبات الدولة، نظراً لهذا المنصب من أهمية في ذلك العصر، فقد رفع العباسيون مرتب القاضي ليكون في بحبوحة من العيش منزها عن الرشوة والكسب الذي لا يتناسب مع مقامه، فأجروا له سبعة دنانير في اليوم، أما احمد بن طولون فقد عين للقاضي بكار بن قتيبة مرتب الف دينار في الشهر.
    اهتم الخليفة الحاكم بأمر الله بهذا الموضوع ايضاً فأمر بأن يضاف رزق الحسين بن علي بن النعمان زصلاته واقطاعاته.
    وفي زمن البويهيين اصبح القضاء يلتزم التزاماً، فقد التزم عبد الله بن الحسين بن ابي الشوارب لمعز الدولة بن بويه قضاء بغداد، على مئتي الف درهم في السنة، ويحتفظ لنفسه بما يزيد من هذا المبلغ من جباية الرسوم القضائية.
واذا ما أخذنا بعين الاعتبار قيمة النقد في تلك العصور ومستوى المعيشة وكثرة الأرزاق والغلال بدت لنا ضخامة المرتبات التي كانت تجري على القضاء، لتتناسب مع أهمية المركز القضائي.
لقد كان في المرسوم الذي بعثه مولانا لقاضي القضاة ومنعه من النظر بشؤون الموحدين وأصبح الإمام او من ينتدبه مرجعهم الوحيد ومن هنا بدأ استقلال الطائفة الدرزية وشؤونها المذهبية واحوالها الشخصية.
بعد عهد الفاطميين وفي الفترة الواقعة بين عهد الأيوبيين ودخول العثمانيين الى هذه الديار غموض لم يتخلله قبس من نور على التاريخ الذي نُعنى به.
اما في عهد العثمانيين الأتراك فقد وقعت محاولات عديدة للأفتئات على حقوق الموحدين ونزع استقلالهم المذهبي، وتجلّت هذه المحاولات في منطقة حاصبيا، إذ حاول نائب الشرع فيها ان يتجاوز على صلاحية قاضي المذهب الدرزي وصاحب هذه المحاولة نشاط من الفريقين وتكتل القسم الأكبر من الدروز وأصروا على إبقاء التقاليد والعادات القديمة وحسبوا لهذه البادرة السيئة حسابها وما يمكن ان يتبعها من محاولات ونتائج وخيمة، لأنه لا يعقل ان يتساهلوا بما يهدف الى ضياع كيانهم، فتنبهت السلطة التركية للأمر وحسبت لهذا الحادث حسابه الصحيح فصدر من والي دمشق الى قائمقامي حاصبيا وراشيا أمر ينص على استقلالية الأمور الخاصة وحصرها عند رئيس روحي الطائفة استمرارا للعوايد المتخذة من قديم الزمان وقد صدر أمر عن شيخ الإسلام وهو المرجع القضائي الأول في الامبراطورية العثمانية كان بمثابة قانون وهو التكريس القانوني الأول لاستقلال الدروز بشؤونهم المذهبية واحوالهم الشخصية فبعد ان كان هذا الاستقلال تقليديا، عُرفيا أصبح بهذا الأمر قانونا مسجلا على الدولة ونافذا اتجاه الغير.
مقتطفات من كتابه

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.