spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 106
خلوة العدد: خلوات كفر سميع
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130
العدد 129


 
الشيخ جبر معدي طباعة ارسال لصديق
بقلم سميح ناطور
هو إنسان مميز، يخيم على الحياة الجماهيرية للطائفة الدرزية منذ أكثر من ستين عاما بدون منازع. ومهما تقدّمت به السنون يبقى هو هو ، منتصب القامة، رافع الرأس، باسما، مرحبا، يعطيك الشعور أنه مهما تكون المهمة التي تواجهها صعبة، لا تيأس من الحل إن وصلت إلى يديه، وكم من المشاكل المعقدة حلها أبو داهش، وكم من المستعصيات فُكت بعد تدخله، وكم من العقد سُويّت أمام عزمه وتنفيذه . لقد رافق الشيخ أبو داهش أمور الطائفة الدرزية منذ بلوغه سن الرشد، وكان دائما في المقدمة، وكان دائما في الطليعة، لذلك لا عجب، إن كانت "العمامة" تشير إليه باستمرار، وتسجّل أعماله دائما، وترفع رأسها به من على صفحاتها. وبمناسبة تكريمه، ولأن النشء الجديد لم يعاصر مواقف وأعمال الشيخ جبر، نعود في هذا المقال، وننشر نُبذا وفقرات من المقالات التي نُشرت عنه في السابق، بحيث بمكن أن تتكوّن صورة كاملة وشاملة عن شخصية هذا الإنسان الذي نجله ونحترمه، ولكي تبقى وثيقة صادقة عن أعمال الشخص للأجيال القادمة.
إنه من الزعماء الذين إمّا أن تحبهم أو تكرههم لكنك لا تستطيع إلا أن تتخذ موقفا تجاههم. وبين أفراد الطائفة يوجد كثيرون يؤيدون جبر معدي ويوجد كذلك كثيرون غيرهم لا يؤيدونه لكن جبر معدي يبقى بالرغم من ذلك ظاهرة فريدة من نوعها في الوسط الدرزي وفي المجتمع العربي الإسرائيلي بأكمله، فهو مؤسسة في شخص إنسان يثبت وجوده سواء كان يتبوّأ منصبا رسميا أو لا وما أكثر الذين تشعر بوجودهم فقط عندما يقترن اسمهم بوظيفة ما يختفون عن الأنظار عندما يزول المنصب. جبر معدي وصل إلى أعلى المراتب التي  يمكن أن يصلها عربي في البلاد ولم يفقد تواضعها وقد قضى سنين طويلة على مقاعد الكنيست وكان بإمكانك أن تتحدث في البيت والشارع والمكتب وكل مكان بدون رسميات أو تكليف وفي نفس الوقت تجد غيره يحصل على درجة جامعية أو عسكرية أو رزقه الله بعض المال أو يُنتخب عضوا في المجلس المحلي فلا يرد عليك التحية ويتحدث إليك من أعلى
جبر معدي يستطيع خلال ساعة وهو في بيته أن يجمع بواسطة التلفون عددا كبيرا من أعيان الدروز في بيته أو في أي مكان آخر ولأي غرض يعنيه. تراه يشترك في كافة القرى الدرزية فهو في رأس المهنئين وفي طليعة المعزين وفي مقدمة المشاركين في كل مناسبة. وهو بالإضافة إلى كل ذلك درزي أصيل يرى أمام عينيه مصلحة الطائفة الدرزية ككل ومصلحة كل فرد من أفرادها. وهو على استعداد أن يسافر مئات الكيلومترات ليحل قضية أو مشكلة لمواطن توجّه إليه وقد كان في اللحظات المصيرية التي وقفت أمامها الطائفة الدرزية من متخذي القرارات الهامة التي حافظت على كيان الدروز في إسرائيل وبقائهم على أرضهم وفي بيوتهم. ومن يريد أن يحكم على أعمال الشيخ جبر أو يقيّم شخصيته، عليه أن ينفهّم الظروف والأجواء السياسية والاجتماعية التي نشأ فيها فالحياة قبل خمسين سنة كانت تختلف عما هي عليها اليوم، والزعامة التي تنمو في عصر الفيديو والشوكولاطة والمرجوين تختلف عن الزعامة التي نشأت في ظل التخلف والجهل والقلاقل ، ومن فتح عينيه على الديمقراطية والأمن والطمأنينة لا يمكن أن يلوم من شق طريقه بين ثورة أبو درة وتهديدات أحمد سعيد.
تاريخه جنبا إلى جنب مع فضيلة الشيخ أمين طريف - هو تاريخ الطائفة الدرزية الحديث في هذه البلاد. في الخمسين سنة الأخيرة لم يحدث حدث هامّ في الطائفة الدرزية إلا وكان جبر معدي في مقدمة المشتركين، تجده في طليعة المشيّعين والمعزين/ تجده من أوائل المهنئين وعلى رأس مستقبلي الشخصيات الرسمية في القرى الدرزية. تغيّر في عهدة سبعة رؤساء حكومات وستة رؤساء دولة وعدد كبير من رؤساء أركان الجيش والوزراء وبقي هو هو في مكانه. لقد فرض احترامه ووجوده على الدروز لأنه منهم وإليهم لكنه فرض احترامه واحترام الدروز على الآخرين بمواقفه وقراراته. وكثيرا ما شاهدنا الأبواب الرسمية تغلق أمام غيره وتُفتح على مصراعيها أمامه. لم تقتصر زعامته على الدروز بل تعدّتها إلى الطوائف الأخرى التي عرفت أن كل مشكلة مستعصية لا تبقى كذلك أمام جبر معدي. سمعنا عدو مرات المرحوم الشيخ محمد علي الجعبري ، أكبر زعيم ظهر في لضفة الغربية والمرحوم سيف الدين الزعبي ، زعيم عرب إسرائيل يعتزان بصداقتهما للشيخ جبر معدي. وقد يكون إنسان مهيمنا على أبناء قريته أو طائفته لكنه يبقى مجهولا إذا انتقل خارج دائرة معارفه، أما جبر معدي فهو بشخصيته وبتأثيره في يركا والمجدل والخليل والناصرة وبعقلين لا يتغيّر. جبر معدي مدرسة في الزعامة، فيه عنفوان الدرزي ، وتحدّي الجبلي ، وبساطة القروي، وسخاء الفلاح. يتعامل مع الأمور الكبيرة وكأنها صغيرة ، ومع الأمور الصغيرة كأنها كبيرة، يتحدث مع الوزير بكبرياء ويتحدث في نفس الوقت مع سائقه بإجلال فيعظم في عين الوزير وعين السائق معا، يتحدى الكبار ولا يهابهم وفي نفس الوقت لا يستضعف الصغار بل يعاملهم بسامح ولين حتى ولو أساءوا إليه، يعالج الموضوع الكبير وينتبه للتفاصيل الصغيرة، وهذه التفاصيل هي التي تكسب الحدث رونقه وأهميته.
لقد شهد في حياته تقلبات وتغيرات كثيرة كانت كافية لأن تهز كيان كل زعيم لكن هذه التقلبات والتغييرات زادته صمودا وشموخا وثباتا. هو دائما واثق من نفسه ومن مركزه ومكانته لذلك مد دائما يد المساعدة لكل زعيم درزي شاب في بداية طريقه ولم يعامله وكأنه سيهدم مكانته إن نجح لأن مكانته ثابتة راسخة مرموقة.
كان الشيخ جبر معدي وما زال، عنوانا للشموخ الدرزي، ورمزا للعنفوان المعروفي، ومثالا للرأس المرفوع، والهامة العالية، والشعور بالكرامة والاعتزاز والفخر والسؤدد اتجاه الآخرين. لقد مرت الطائفة الدرزية الصغيرة الفقيرة المتواضعة المسالمة أمام لحظات تحدٍ، ومواقف تتطلب الصمود والبأس والعزم والعناد ، وكان الشيخ جبر معدي في كل هذه المواقف، خير من يمثل الشخصية الدرزية عبر التاريخ. التي تهبّ لتنفض عنها غبار الظلم، ولا تحسب حسابا لأحد، تثبت وجودها بالقوة، وتحقق مطالبها، مذللة كل معارضة، ومزيلة كل خطر، ودافعة أي تهديد.
لقد رسم الشيخ أمين طريف، أرقاما قياسية في الديانة والتقوى والإيمان، وكذلك فرض الشيخ جبر معدي أرقاما قياسية في الزعامة والكرم والكرامة والغيرة والمشاركة، ولو كانت هناك مقاييس كتلك التي تُستعمل في الألعاب الأولمبية، تعطي التقييم الصحيح للمواقف البطولية، لحصل الشيخان بدون منازع، على الميداليات الذهبية بدون عناء.  




 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.