spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 74
شهداء قريتا البقيعة وعين الاسد
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 150
العدد 149
العدد 148
العدد 147
العدد 146


 
قصة: الملفوفة طباعة ارسال لصديق
عن كتاب مآثر وعبر من التراث والتاريخ لغالب سليقة
الشيخ أبو إسماعيل سليم خير الدين، كان ذلك الرجل الصادق قولا، والثاقب رأيا، والكبير مقاما . وكانت حياته بمعظمها جهادا مع النفس وإصلاحا للمجتمع وتفانيا وعملا علاء الشأن لذا غدا عند الجميع موضع التقدير ومودع الأمانات ومن مختلف الطوائف كما قال عنه الأديب سلام الراسي .
وقد افتتح محلا لتجارة المنسوجات في سوق حاصبيا في أواخر القرن التاسع عشر، فكان بعمله هذا من أوائل المتعاطين لهذه المهنة من أبناء مذهبه.
وبد أن ذاع صيته باتساع تجارته ووفرة أمواله، غدا مقصدا للجميع لاستيداع دراهم عنده أو الاستدانة منه ودون أي مقابل كالفائض أو الربا أو سواهما.
وقد قصده من هذا القبيل رجل من إحدى قرى المنطقة، وهدفه استدانة خمس ليرات ذهبية، ابتغاء لتجارة يخطط لها ويبغي تنفيذها كما قال.
طرق بابه، وبعد السلام والتحية خاطبه قائلا:" سمعت عن الكثير من أعمال الخير التي تقومون بها كإغاثة الملهوف، ومد يد العون ومساعدة المحتاج والفقير، وأنا رجل ضعيف الحال، كثير العيال، أنوي القيام بتجارة معينة ويلزمني مبلغ من المال، وإنني أعدكم عند الاستغناء عنه سأعيده مع قسم من أرباحي إذا رغبتم".
تفرس الشيخ أبو إسماعيل في وجه الرجل مليا، ثم أجابه :" يا بني ، ما هي التجارة التي تبغي تنفيذها؟ وكم المبلغ الذي تريده. وما هي الضمانة لإعادته أو استرداده؟..
أجاب الرجل :" حقا تتكلم يا شيخنا الجليل، بالنسبة لضمانة أموالك، سبق وقلت إنني رجل فقير الحال كثير العيال، ولا أملك من حطام الدنيا شيئا يُعوّل عليه سوى المنزل الذي أسكنه، وهو كناية عن غرفة كبيرة مع خزانة للمؤونة، أما نوع التجارة، فهو فتح محل لبيع السمانة في قريتنا.
شرد الشيخ بنظره وفكره نحو الأفق البعيد، وعلل ~أمره ونتائج عمله، ثم نهض إلى صندوق حديدي في زاوية الغرفة ففتحه وأخرج منه خمس ليرات ذهبية، وخاطب الرجل قائلا :" يا بني إن حالتك الاجتماعية تدعو إلى الشفقة وتفرض علينا مساعدتك، ومد يد العون لك. هاك خمس ليرات ذهبية كما ترغب، وأبقها إلى أن تروج بضاعتك وتنتشي أحوالك". ثم ناوله عياها بعد أن لفّها بنسخة الصك الذي كتبه عليه من نسختين. ركع الرجل أمام الشيخ محاولا تقبيل يديه، لكن الشيخ استنهضه بعدما استغفر الله، ثم دعا لع بالتوفيق والنجاح، وانصرف الرجل نحو بلدته شاكرا حامدا. أسدل الليل ظلامه قرب مناجم الحمّر المحاذية لنهر الحاصباني، والرجل في طريقه نحو بلدته. وتلك الأيام كان السير ليلا مجازفة ومخاطرة خوفا من قطّاع الطرق، ولصوص الليل, لهذا اتجه نحو ضوء يشع من أحد البساتين المجاورة. بعد وصوله، وجد شيخا طاعنا في السن من آل حرفاني. حيّاه ثم طلب إليه المبيت عنده إذا كان ذلك ممكنا. رحب صاحب البستان بالضيف قائلا : أهلا وسهلا. ثم كرّمه بما تستلزمه الضيافة من عشاء وترحيب. بعدها ناوله غطاء من الصوف ، "وسلخ" جلد خروف، وأبقاه في لقسم الأرضي من العرزال الذي يصطاف به مع عائلته.
انقضى السواد الأعظم من الليل ، والرجل لم يعرف النوم قلقا وخوفا على المال الذي استدانه. ثم تنكر" بحجة نفسه" وخرج نحو البستان ليودع الليرات الذهبية داخل إحدى الملفوفات، ويعود نحو العرزال ملتحفا الغطاء حتى الصباح.
نبات الملفوف أواخر الصيف يلف عن الصباح أكثر ورقة فوق ورقة حتى تكمل التفافه بخلال شهر تقريبا. لهذا، عندما نهض الرجل صباحا ليجلب ليراته، أضاع أين خبّأها، وكيف له معرفة موضعها وحقل الملفوف تزيد مساحته عن دونمات عدة .
حزن وتألم لما آل إليه مصيره وإلى ما أصابه، وكيف أضاع ما استدانه، واحتار في أمره وعاب على نفسه أن يُعلم مضيفه، لأنه بعمله هذا شيء من قلة الثقة والأمانة عند من استضافه وأكرمه. كظم على نفسه، ونام على حرجه، ثم شكر مضيفه وتابع طريقه نحو بلدته.
مضى يومان أو أكثر، عمد بعدها صاحب البستان إلى حقل الملفوف، وقطع منح حمل دابته وأتى إلى سوق حاصبيا، حيث باعه إلى التاجر أبو يوسف محمد الحلبي.
كانت دكان الشيخ أبو إسماعيل في السوق لا تبعد إلا قليلا عن دكان بائع الخضار، وطريقه من أمامها. لهذا لفت نظر منظر الملفوف لتوه. حيالها، توقف وطلب من البائع أن يزن له إحدى الملفوفات، ثم نقده ثمنها وأرسلها إلى منزله.
المفاجأة الكبرى والمستغربة عند زوجته بعدما قطعت الملفوفة قصد طبخها، إنها وجدت خمس ليرات ذهبية ملفوفة بصك من الورق. المرأة فاضلة ومتدينة، وتخاف الرزق الحرام، ولا ترضى عن الرزق الحلال بديلا. احتارت من أمرها وشرد بها الفكر إلى البعيد.. كيف وصلت هذه الليرات إلى داخل الملفوفة...؟ وهل صاحبها المزارع أم التاجر..؟ وكيف تم وضعها داخلها وهي بشكلها الحالي..؟ إلى غير ذلك من الأسئلة . لكنها في النهاية ، أودعنها خزانة البيت لوقت عودة زوجها عند المساء، فهو أدرى بمصيرها ومعرفة صاحبها وإعادتها لمن هم له.
دعند تناول العشاء، وبعد أن تذوق الشيخ أبو إسماعيل طعامه، تفوه قائلا:" حقا أن الملفوف لمن الأغذية اللذيذة والنافعة". هزت الزوجة رأسها وأكملت قائلة: "وأكثر من ذلك، يجلب معه الذهب والدراهم. تفضّل ، هذا ما وجدته داخل تلك الملفوفة التي أرسلتها صباحا".
فتح الشيخ الصك، ثم قلب الليرات بيده وأعاد قراءة ما كُتب عليه. بعدها هز برأسه تعجبا واستغرابا، اتجه نحو زوجته وقال :" حقا إن المال الحلال يعود لصاحبه. هل تعرفين يا أم إسماعيل لمن هذه الليرات؟ وهل تذكرين ذلك الرجل الذي كان عندنا منذ يومين؟."
أجابت نعم ، شاهدت رجلا غريبا يجالسك المقعد، لكنني لم اعلم من هو، ومن أين أتى، وما سبب زيارته لك". عندها روى لها ما جرى بينه وبين ذلك الرجل لكنه أردف متسائلا؟؟!
كيف وصلت تلك الدراهم إلى داخل الملفوفة؟ ومن أين اشترى تاجر الخضار الملفوف؟.. وكيف أضاع ذلك المسكين دراهمه التي ستدانها لتصل إلى داخل هذه الملفوفة؟. وغيرها، وغيرها من الأسئلة بقيت دون أجوبة.
مضى على تلك الحادثة نحو أسبوع من الزمن وإذ بالرجل يطرق باب الشيخ مجددا، ثم خاطبه قائلا:" حيّاك الله يا عم أبو إسماعيل وأدامك وأبقاك وأمدّ بعمرك. ها قد تعوّدنا على فضلك الكريم وخيرك العميم، فهلا مننت علينا بخمس ليرات أخريات، وما لنا غير بابك نطرق".
هز راسه الشيخ تعجبا، ثم أجاب بعد تفكير: ماذا فعلت بتلك الليرات التي أخذتها يا بني ..؟ وهل صرفتها على تجارتك جميعها ..؟
قال :" نعم، غنني صرفتها لما أخذتها بشأنه، وإنني لم أزل بحاجة لمقدارها كي أكمل ما نحتاج إليه من بضاعة وحوائج".
ردد الشيخ في سريرته، حقا أنه أمام رجل مخادع، كذوب/ متسوّل. والله تعالى قد أعانه عليه.. لكنه استدرك بعد انحباس نفس، قائلا :" أعطيك ما تريد، شرط  الإجابة بصدق عمّا أسألك عنه". "تفضل واسأل ما ترغب وما تريد يا حضرة الشيخ".
قال الشيخ :" هل تقسم بالله العظيم ماذا قلت في قرارة نفسك عندما أتيت للاستدانة في المرة السابقة، إذا أعطيتك ما ترغب وما تريد؟ قل الحقيقة، والله تعالى الرقيب العليم بالسرائر والضمائر... قل ولا تخف إلا ذنبك زلا ترجو إلا ربك.."
طأطأ الرجل رأسه خجلا، ثم تمتم ببعض العبارات غير المسموعة، بعدما تيقن في قرارة نفسه أن الشيخ ربما علم بما حدث، لكن الشيخ كرر عليه القول : الم اقل لك : قل الحقيقة ولا تخف إلا ربك."
قال "اغفر لي وسامحني يا شيخنا الكريم، تبا لهذه النفس ما أطمعها، وويل للفقر ما أظلمه، حقيقة قلت في ذاتي إذا تيسر لي ما أريده فإنني سأحتال على صاحبها ولن أعيدها".
وهذه المرة ماذا قلت بعدما أتيت "؟
أجاب الرجل:" لم يعد لي من نظر أنظر به إليكم! ألم اقل إن الله عليم بالخفايا والنوايا! وهل بإمكاني إلا طلب الصفح والعفو منكم!
"إذًا ، هل سمحت بالصك القديم الذي أعطيتك إياه لكي أغيّر تاريخه وأعطيك ما تريد، خمس ليرات جدد، وليكن بعلمك أنه ليس لي معك سوى خمس ليرات فقط لا غير".
احتار الرجل من أمره عند سماع هذه العبارات وبانت على وجهه علامات الحيرة والاستغراب, لكن الشيخ أكمل قائلا :" كما قلت لك، الصدق أولا، تجرّأ وأكمله ثانية، واخبرني بما حدث معك في المرة السابقة، وأين أضعت ليراتك، واعلم يا بني إذا كان الكذب حجة فالصدق منجة".
خجل الرجل شديد الخجل، واحمرّت وجنتاه، وتمنى لو أن الأرض تنشق وتبتلعه وينتهي مما هو فيه ولكن، ما العمل... وما نفع الخجل.. وما نفع الإخفاء... والتظاهر أن كل شيء قد عرفه الشيخ، حتى الدراهم والصك ربما أصبحا معه.
بعدها ما كان منه إلا أن روى للشيخ ما حدث معه عند صاحب البستان، وكيف وضع الليرات، في إحدى الملفوفات ولم يهتدِ إليها صباحا، وكيف خانته العبارات كي يفاتح صاحب البستان بالأمر لما بعمله هذا من شك وقلة أمانة عند من استضافه وأكرمه. ثم كيف كظم جرحه وعاد إلى قريته ولم يعرف بعدها ما آل إليه مصيرها، وهل عثر عليها أحد أم لا ؟
بعد سماع ذلك، ردد الشيخ قائلا :" صدق من قال يا بني (مال الحلال يعود إلى صاحبه ولو بعد حين). أما بالنسبة لك فأصدق قول يناسبك : إنما الأعمال بالنيات، فأحسنوا سرائركم وأخلصوا نياتكم والله تعالى الرقيب العليم".


 
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2020 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.