spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 90
قيمة العمل في نظر الدروز
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130


 
كلمة العدد: حين يُسأل العلماء ولا يُسأل الجهلاء طباعة ارسال لصديق
حين يُسأل العلماء ولا يُسأل الجهلاء

زار ثري بخيل, أحد فلاسفة الهند, فاغتنم الفيلسوف الفرصة, ليلقي على ضيفه, درسا عمليا في واقع الحياة. أمسكه من ذراعه, وقاده إلى نافذة الغرفة التي كانا يجلسان فيها, وقال له: " أنظر, ماذا ترى؟" أجاب الثري: "أرى أناسا يملأون الشوارع". ثم قاده الفيلسوف إلى مرآة معلقة على الحائط, وقال له:" أنظر, ماذا ترى؟" قال الضيف:" أرى نفسي". قال الفيلسوف:" أتدري ما الفرق بين زجاج النافذة وزجاج المرآة؟" قال الضيف:" لا",  قال الفيلسوف:" لا فرق, سوى أن زجاج المرآة, صُقل بغشاء رقيق من الفضة, فلم يعد يرى المرء فيه غير أنانيته, لهذا أقول لك, إياك وغشاء المادة, فإنها تطمس البصيرة"
ونحن اليوم وهنا, ما أحوجنا إلى ذلك الفيلسوف الهندي, ليقودنا بأيدينا, للوقوف مليا, أمام المرآة, نتمعن بشخصياتنا, ونتبحر بنفوسنا, ونتعمق بواقعنا, ونتفرس بملامحنا, عَلّنا نرتدع ونزدجر, ونعود قليلا إلى الوراء, إلى حيث كنا, وإلى بداية طريقنا, وإلى نقطة الانطلاق. وإذا نظرنا إلى الوراء, نجد أننا قطعنا شوطا كبيرا في التقدم والتطور, لكننا بَعُدْنا كثيرا, عن شخصيتنا الحقيقية, وأصالتنا وجذورنا.وأنا لا ألوم ذلك الغني, الذي لا يرى إلا نفسه, فهذه طبيعة الأغنياء, وفي كل مجتمع, يمكن أن تجد عددا قليلا من الأغنياء الحقيقيين, الذين يتربعون على أموال طائلة, وأملاك كبيرة, وثروات ضخمة. وهؤلاء مهما فعلوا, فإنهم يتصرفون تحت تأثير المادة والثروة وحب الذات والنرجسية, لأنهم يعتقدون أن ثروتهم هذه, أكسبتهم الحياة كلها, بكل مباهجها وأطيابها, وهم يعتقدون أنهم بأموالهم, يمكن أن يسيطروا على كل ما تنزع إليه نفوسهم. والمادة التي تستحوذ على عقول البشر, تعمي بصيرة هؤلاء, فيتصرّفون مع أهلهم وجيرانهم وأقاربهم ومعارفهم, تصرفات شاذة غريبة وغير لائقة. ونحن نلاحظ أنه, ليس كل الأغنياء ورثوا أموالهم أباً عن جد, وأن هنالك أناسا حالفهم الحظ, وأنعم الله عليهم, وحصلوا على ثروة مفاجئة, إمّا بالحظ, أو بعد جهد جهيد شاق. ومهما كان, فإننا نقّر ونحترم كل إنسان, يكد ويشقى ويسعى للوصول إلى القمة, والحصول على الثروة والتنعم بها. نحن نلومه فقط, لأنه يتنكر لأصله, ويتكبّر عن البيئة والمجتمع الذي انبثق منه, ونذكّره, أنه بالأمس كان واحداً من الكادحين, وكان أحد هؤلاء العاملين البسطاء, الذين يتكبّر عليهم, ويتنكّر لهم, ويحاول الابتعاد عنهم. فهذا الوضع لا يُكسب هذا الإنسان, هيبة أو احتراما أو تقديرا عند مجتمعه, ومهما حاول أن يتلألأ بأمواله, يظل عند الناس منبوذا,ً ينظرون إليه بتحفظ وشك واشمئزاز. وقليلون جداً هم أولائك, الذين أنعم الله عليهم, فحافظوا على أخلاقهم وأصالتهم وجذورهم.
 وموضوعنا اليوم, ليس الأغنياء, فهؤلاء طبقة قليلة مميزة, كانت وتظل عبر التاريخ, يغلب عليها طابع التعالي, مهما سمعت من كلام ولا شيء يفيد. موضوعنا هو, أولائك الذين يتشبّهون بالأغنياء, وليس بمقدورهم أن يصلوا إلى مرتبتهم. فإذا نظرنا إلى قرانا اليوم, نجد فيها مئات البيوت الفخمة, والمباني الكبيرة, والمنازل الثمينة, التي تحتوي على عشرات الحجرات والتي بُنيت على أحدث طراز وسُخّرت فيها أموال طائلة, وإذا سألنا عن أصحاب هؤلاء البيوت, نجد أنهم أشخاص عاديون, يحصلون على قوت يومهم بصعوبة, لكنهم وبسبب الحسد والغيرة والتقليد الأعمى والتبهرج, أصرّوا على الحصول على قروض, أو على بيع أرض, أو على الدخول في ديون, كي يبنوا بيوتاً أكبر من طاقتهم واحتياجاتهم وإمكانياتهم. وهناك مئات البيوت الكبيرة, التي لا يدخلها احد, فهذا الإنسان, أو بالأحرى تلك الإنسانة, التي تدفع هذا الإنسان, جاءوا عادة من بيوت فقيرة, وحُرموا من سرير أو زاوية أو قرنة خاصة بهم, وعندما كبروا, استغلوا فرصة خطبة أو زواج أو بناء بيت جديد, ليعوّضوا عن كل ما حُرموا منه, من خلال هذا البيت الجديد, فيُرهقون أفراد أسرتهم بالطلبات, وبمحاولة الحصول على أغلى ما يمكن, لكي يعوّضوا عمّا فقدوه. وعادة تكون النتيجة, ظهور خلافات ومشاكل ونزاعات في داخل العائلة, لأن هذه الحياة البرّاقة لا تدوم, ويدخل الزوجان إلى بيت جديد فخم لامع كبير, لكنهم لا يجدون ما يأكلونه فيه. وتظهر علامات اللوم والاتهام والبحث عن الذي أوصلهم إلى هذه المصيبة.
 وهذه الظاهرة متفشّية في كافة قرانا, ولا تقتصر على البناء فقط, وإنما على السيارات, وعلى السفر إلى الخارج, وعلى قضاء عطلة العيد في إيلات, وعلى شراء الأدوات الكهربائية غالية الثمن, وعلى مجالات كثيرة أخرى, ترهق أصحاب البيوت, وتجعلهم في ضائقة مالية, لا يستطيعون الالتزام بتعهداتهم, فيُطارَدوا من قبل البنوك والمدينين والمؤسسات الأخرى. هذا الوضع, مستمر منذ سنوات, نشاهده يوماً بعد يوم, ولا نتعلّم ولا نرتدع ولا نفكّر, ولا نستخلص العِبَر. وهذا يعود, إلى أن غالبية سكاننا, ينقصهم العلم والنضوج والبلوغ والثقة بالنفس.
فلو كانت تلك الفتاة المخطوبة, متعلمة قد حصلت على تربية مناسبة, لفكّرت تفكيرا سليما, وطلبت أن تبني لها ولزوجها في المستقبل بيتا مناسباً لائقا بإمكانياتهم, يعيشان فيه الحياة السعيدة المطلوبة. لكنها, بسبب جهلها وشعورها بالنقص, تستغل الفرصة, وتريد أن تعوّض ما فاتها, ولأسفنا الشديد, هناك الكثيرون من الشباب الذين ينجرفون, لسبب أو لآخر, وراء هذه الطلبات المبالغ فيها, والتي تجلب لأصحابها المشاكل والمطاردات, وعدم الراحة والاستقرار. ولأسفنا الشديد كذلك, يضطر الأهل في نفس الوقت, إلى الخضوع إلى هذه النزوات ومجاراتها وتحقيقها, بالرغم من أنهم يعلمون, أن هذا الطريق هو غير صحيح.
 وهذه طبعاً ليست القضية الكبرى في حياتنا, والمشكلة الرئيسية في مجتمعنا, فهناك قضايا ومشاكل وهموم وأوضاع وأزمات كثيرة ومتعددة, متفشّيّة في المجتمع التوحيدي التقليدي, الذي كان في يوم من الأيام, من أقوى المجتمعات في العالم, بسبب تمسكه بتقاليده وتعاليمه التوحيدية, التي تدعو الإنسان إلى التواضع والكرم والتسامح, والتي تحقق رغبات هذا الإنسان, في أن يبرز بين أقرانه, بالعلم والدين والتقوى, لا بالقصر والسيارة والذهب. ونحن مع تقدمنا وتطورنا ومجاراتنا للإنجازات التقنية الحديثة, نبتعد كثيراً عن جذورنا وعن تعاليمنا. ولا بأس أن يكون الإنسان متعلماً ومتديناً في نفس الوقت, فلا تناقض بين الدين والعلم. بل بالعكس, المذهب الدرزي يحث الإنسان على الوصول إلى أكبر درجة من العلم والثقافة, وفي نفس الوقت, يمكنه أن يظل متديناً متقيداً بالتعاليم التوحيدية المطلوبة. ونحن نجد اليوم, أن جزءاً بسيطا فقط من مجتمعنا, يسلك طريق الدين, وأن هذا القسم ملتزم ومتقيّد بالتعاليم الشريفة, وأن أغلبيته الساحقة, سالكة الطريق الصحيح.
 والمستهجَن في وضعنا هذا, هو أن الأغلبية الكبيرة التي نسمّيهم جهّال, مرتبطون بعقيدتهم, ومتمسّكون بها إلى ابعد الحدود, وهم على استعداد أن يضحوا بأنفسهم, غيرة ومن اجل الدفاع عن درزيتهم وطائفتهم, بالرغم من أنهم يجهلون كنه مذهبهم, ولا يعرفون الكثير عن أصول الدرزية, وعن مبادئ التوحيد. وقد كان في السابق يسود القرية, جو من التراث, ومن المناخ الديني المشبَّع بالسهرات الدينية والأناشيد والمناسبات, التي كانت تفرض على قسم الجهال, الواقع الديني, فتغذّي نفوسهم, وتشبع ميولهم, وهم غير منخرطين في الرداء الديني. أما اليوم, فقد كبرت الشقة, وزادت الهوة, وابتعد المعسكران, وهذا الوضع غير سليم وغير لائق, وليس من المحبذ أن يستمر, بل يجب أن نجد الطرق للتوفيق بين الطرفين, وللتقارب ولدعوة المعسكر الكبير, وعلى الأقل أجزاء منه للوصول إلى مناهل الحكمة والدعوة, والإطلاع على بعض محتوياتها, والتعرف على الأصول التوحيدية ومحاولة التقيد بها. وعلى رجال الدين, وعلى القسم المتنور في مجتمعنا, ملقاة مهمة المبادرة إلى تقريب وجهات النظر, وتعريف الأعداد الضخمة من أبنائنا وبناتنا, على مذهبهم وأصولهم وتراثهم. ونحن ندعو ساسة الخلوات, والأئمة والمثقفين من بين رجال الدين, أن يبادروا إلى التوجه عن طريق المدارس والمراكز الجماهيرية والجمعيات والمؤسسات الأخرى, إلى شرح التعاليم, وإلى تقريب وجهات النظر, وإلى إطلاع " الجهال" على كنوز المعرفة الثمينة الموجودة في الداخل.
وعلينا أن نذكر دائما, ما قاله الإمام علي بن أبي طالب (ك) في هذا الصدد, ومفاده: " لا تسأل الجهلاء لِمَ لَمْ تتعلموا, حتى تسأل العلماء لِمَ لَمْ تُعَلِّموا...


والله ولي التوفيق...


سميح ناطور


دالية الكرمل
كانون اول
2005

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.