spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 54
المرحوم الشيخ ابو حسن عارف حلاوي
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130
العدد 129


 
التوحيد: ثورة ثقافية مهدها مصر وقائدها أخناتون طباعة ارسال لصديق
بقلم د. عفيف فراج – عن مجلة الضحى

التوحيدMonotheism  هو، ببساطة، الإيمان بإله واحد عنه تصدر الحياة ومنه ينبثق الخلق ويتشكل التكوين ونقيض التوحيد هو الشرك Polytheism  أو الإيمان بآلهة متعددة تشارك في فعل الخلق وتتحكم بدرجة أو أخرى من مصادر البشر على الصورة التي نطالعها في الملاحم الأقدم، مثل "ملحمة جلجامش" السومرية وإلياذة هوميروس اليونانية.
كما يتعارض التوحيد مع الإلحادAtheism  بوصفه إيمانا مقلوبا أو غيمانا بعدم وجود إله (او آلهة) تملك قدرة الخلق وتمارس فعله. وبالرغم من أن المذهب الربوبي الفكراني Deism الذي كان فولتير من دعاته يؤمن بأحادية الخالق ويكرز الإيمان على الفعل لا الوحي ويشدد على الأخلاق نافيا الطقوس والكهانة. إلا أن هذا "الدين الطبيعي" يتخالف في التوحيد في الاعتقاد بأن الله قد انسحب من العالم الذي خلق، وبات بالعالم بالتالي يسير تبعا لنواميسه الخاصة مستقلا عن تدخل الخالق. أمنا التوحيد فيتضمن الإيمان بان الله ر ينفصل عن العالم وأن حضوره فيه هو حضور كلي فاعل ونشط. وقد يكون الموحد مؤمنا بأن الله الواحد يتعالى على الوجود، يقيم خارجه ويتخطاه، كما نجد في الأديان التوحيدية السامية الثلاثة، وقد يكون الموحد مؤمنا بأن الواحد موجود في الوجود حتى أصغر جزيئاته، وأنه مقيم في الأحياء يحييها ويحركها ويتكثر فيها ليجمعها ويوجهها نحو معرفته، هو الواحد المتكثر فيها، وهي الكثرة المجتمعة فيه، وهذا المذهب الحلوليPantheism  الصوفي، مذهب وحدة الوجود Unity of being وهو مذهب أدركه الوعي الديني المصري وكتب في الألف الثالث ق. م. كما سنبين هو أكثر المذاهب شعبية وانتشارا في الهند والصين واليابان والبلدان الآسيوية الواقعة في دائرتهم الثقافة.
وقد يتخذ رب الموحد صفات شخصية إذ يسقط الخيال البشري عليه صفات البشر فتتراءى صورته على شكل إنسان يتألّه فهو "سميع" "مجيب" بصير" ويمتلك إضافة إلى الحواس صفات الإدراك العقلي فهو "عليم" "حكيم"، كما يملك صفات شعورية فهو "يحب" و "يكره" وينتقم من القوم الكافرين كما ويمكن التقرب إليه واسترضاؤه بالصلوات والنذور وطقوس عدة.
كما يمكن أن يتجرد الله في عين موحد آخر من الصفات الشخصانية ويتعرى عن كافة الأردية الحواسية والأردية الذاتية فيستحيل إلى قانون عام لا شخصي، عقلا كليا ناظما للوجود وحركته تبعا لقوانينه Logos  كما سماه هيرقليطس، مبدا أولا يحرك ولا يتحرك كما وصفه أرسطو، ناموسا طبيعيا، روحا كونيا، أو عقلا كليا أو فكرة حقيقية نشطة تسري في الميدان الزماني-المكاني وتقود الوعي الإنساني في اتجاه إلغاء الثنائية بين الخالق والمخلوق على قاعدة موضوعة السيد المسيح "أنا وابي واحد"، كما نجد في فلسفة هيجل الصوفية، فالثالوث المسيحي شكلاني، ولا يلغي مبدأ الوحدة الجوهرية في المسيحية، وقد استعان هيجل بجدليته المثلثة لينفي الثالوث المسيحي أب/ابن/روح قدس بجدليته الثلاثية (فكرة – فكرة مضادة- فكرة تؤلف في وحدة بين الموضوعة ونقضها معتبرا أنه في الوعي المكتمل ينفي الابن الأرضي أباه السماوي ليتحد معه في الروح القدس، أو ليتخذ معه في "الإنسان الكامل" حسب المصطلح الإسلامي الصوفي المعادل.
إن رؤية هيجل المثالية في تظهيرها لثقل وقع الروح على التاريخ تبدو ذروة لمسار بدأ بسقراط – افلاطون اللذين وجها وعي الإنسان إلى داخله وأهابا لسماع صوت ضميره وإدراك إله في ذاته في اول ثورة ثقافية عرفتها اليونان في القرن الخامس ق.م. وهي ثورة تأخرت من هذه الوجهة عن ثورة مصر الثقافية التوحيدية الأولى حوالي تسعة قرون كما سنرى.
وما يفرض نفسه على سياق تعدادنا للتنويعات والتفريعات المنبثقة عن جذع الإيمان بوحدانية الخالق هو الوحدانية المادية كما عبر عنها الفلاسفة الفيزيائيون اليونانيون الذين وجهوا الوعي إلى عنصر طبيعي خارجي فسروا به وحدة الوجود المادي الطبيعي كقول طاليس إن الماء هو أصل الوجود ومبدأه الأول، وقول آخر إنه الهواء وثالث إنه اللامحدود أو أنه النار – النور – الطاقة في تحولاتها إلى مادة وبالعكس كما نجد عند الجدلي هيرقليطس أحد أهم العبقريات في اليونان والعالم، ولا يفوتنا ذكر داروين ذروة التوحيديين الماديين الذي كتب عام 1859 مؤكدا التخلق الطبيعي الذاتي للإنسان عير تفاعله مع الطبيعة التي يختلف عن حيواتها اختلافا "كميا" لا "نوعيا" كما أكد الأصل المادي لكل حياة فالمادة جوهر يتحول ولا يفنى.
والحقيقة أن نار هيرقليطس ونوره (بمعمى الطاقة الخالقة) هو الكشف الذي سبق إليه الموحد الأول أخناتون في مصر في القرن الرابع عشر ق.م. قبل نحو ثمانية قرون على ظهور هيرقليطس، ولا عجب أن تكون مصر هي حاضنة الديانة التوحيدية الأولى، فالدين هو العمود الفقري لحضارات مصر خلال مراحلها الفرعونية-القبطية (الهيلينية أو اليونانية الرومانية الألفية) والإسلامية.
وشعب مصر هو شعب خائفي الله "The God Fearing People" كما وصفهم "هيرودوت" بعد زيارته وادي النيل في القرن الخامس ق.م. وفكرة الحياة بعد الموت، والدينونة، والثواب والعقاب، والضمير الذي يشهد على خطايا صاحبه ساعة الحساب الأخروي، هي كلها من نتاج الوعي الديني المصري الأقدم، وقد لاحظ هيرودوت "أن المصريين كوفئوا على تقواهم بأن جلب عليهم نعمة البصيرة السحرية والمعرفة السحرية والمعرفة السرية بالله والكون" وهذا الوعي الديني هو الذي يفسر ضخامة ومهابة الجهد البشري الصاعد إلى نور الله الشمسي على ذؤابات المسلات وأدراج الأهرامات "تلك الخيام الإلهية الهائله" – غارودي، التي كانت الرمز الأقدم للشمس والتي كان يرجى منها إقامة الصلة بين جسد الفرعون الميت ونورها الذي يهب الخلود للجسد المادي لابن الله (الفرعون).
وقد لاحظ هيجل خصوصية دينية مميزة في البناء والنحت المصريين حيث يقول "إن الأبنية المصرية الضخمة التي لا عدّ لها هي نصفان، واحد تحت الأرض والنصف الآخر يرتفع فوقها. والأرض بمجملها تبدو منقسمة إلى مملكتين، مملكة الحياة ومملكة الموت". أما بريستد فيلاحظ أنه "ما من شعب قديم أو حديث جعل لفكرة الحياة بعد الموت تلك المرتبة من السيادة التي أحلها فيها قدامى المصريين، وعلى أرض وادي النيل مبدأ الكلمة أو الفعل الذي كان في البدء مصدر الخلق.
ومصر، قبل وبعد، هي النبع الأول الذي مُنح منه مؤمنو وعلماء وفلاسفة اليونان، "وزيارتها كانت تقليدا يمارسه هؤلاء كافة من طاليس أول فلاسفة اليونان حتى هيرودوت أول المؤرخين في العالم القديم وهو الذي ذكر أن أسماء آلهة اليونان كافة مأخوذة عن  آلهة مصرية" ولا شك أن اسم الإله هرمس، رب الكلمة، المعرفة، الحكمة، كان بين اشهر الآلهة المصرية الذين نقلتهم اليونان إليها، كما لا يرقى الشك إلى "أن أورفيوس، مؤسس العبادة الأوروفية الصوفية في اليونان" وفيثاغوروس وأفلاطون كانوا من أتباع هرمس المصري المثلث العظمة أو المثلث الشغب، لكن لهذه المسألة وقفة أخرى.  
إذا صح ما يقوله بريستد في كتابه "فجر الضمير" "أن الحضارة في وجهها المادي لم تكن بأقل تقدما في آسيا (بلاد ما بين النهرين بشكل خاص) عنها في مصر" ومنجزات آسيا الغريبة التقنية تؤكد ما يقول، فلا بد لنا أن نبحث عن أسباب التقدم الذي أحرزته مع حضارات العراق القديم وغيرها من الحضارات السورية.
لقد لفت المؤرخون إلى تميّز مصر بموقع جغرافي تمتع بعازلين طبيعيين شكّلا عقبة أمام الغزاة لقرون طويلة هما البحر والصحراء، إضافة إلى شمس لا تغيب عن سماء صافية، ونيل لا يخلف موعد فيضانه، وفيضانه وديع. ولم تكن هذه طبيعة بلاد ما بين النهرين المكشوفة للغزاة والتي تواصلت فيها الحروب والصراعات والفتن تتخللها فيضانات نهرية مدمرة، روتها لنا ملحمة جلجامش ونقلتها الكتب السماوية. وما كان لهذه العوامل السالبة إلا أن تكسب الديانة السومرية البابلية جهامة وتشاؤما وخوفا طاغيا من موت لا حياة أو قيامة بعده. إن الإله المصري الشمسي النيلي أوزيريس هو إله العطاء والرحمة والأمل والخلود، لهذا ولغيره بقي الوجدان المصري يخفف المأساة بالملهاة، ينتج النكتة ك "أيديولوجية ضمنية" في أحلك ظروف القهر، على حد تعبير أنور عبد الملك، ويحول معاناته في التاريخ إلى "مأساة متفائلة".
إلا ان الرافد الأهم لحضارة مصر الدينية في جوهرها تأتي من تكونها الاجتماعي السياسي كأمة ومجتمع في ظل دولة مركزية موحَّدة وموحِدة بالفتح والكسر هي الأقدم في التاريخ. فقد حققت مصر وحدتها الأولى في العام 4000ق.م.  "في أول تجمع ضم ملايين عدة من البشر" وحققت وحدتها الجغرافية السياسية على يد الفرعون مينيس حوالي العام 3200 ق.م. لتحيا نحو ألفي سنة من الإنجازات على كافة الأصعدة (3200 – 1350 ق.م.) في تجربة تواصلت بشكل فذ وفريد على مدى يقارب الألفي سنة من التجربة الاجتماعية.
وفي ظل الدولة الماهرة والمجتمع الموحد والوفرة المادية حققت مصر ازدهارها الثقافي متقدمة على الحضارة السومرية – البابلية التي "تواصل الصراع بين ممالكها (الدول – المدن) التي كانت كياناتها تمثل مصالح محلية"  وقد تاخرت أول وحدة نجحت بلاد الرافدين في تحقيقها ثمانمائة سنة عن وحدة مصر الأولى عام 4000 ق.م.
إن بريستد محق في ربطه بين تقدم الوعي الأخلاقي – الديني وتوحد الدولة والمجتمع المصريين، وكان الفرعون على مر الزمن رمزا حيا يجسّد هذه الوحدة، وكانت صلته المزعومة بالشمس تمدّ القطر وشعبه بقدسية عاصمة من الفوضى والتفكك.
وكل هذا صحيح شريطة ان نتذكر أن بنية الوجدان المصري لا تتكامل مكوناتها في معزل عن جغرافية مصر ومناخها، موقع آمن نسبيا وسماء صافية وشمس ونيل دائمي الحضور في المكان والوجدان.

نصوص الأهرامات
 لقد حقق اكتشاف ما يعرف ب "نصوص الأهرامات" Pyramid Texts)) وهي التي يرجع تاريخها إلى الألف الثالث ق.م. أمكانية الاطلاع على مسار الوعي المصري في اتجاه التوحيد، فنحن نطل من خلال هذه النصوص وللمرة الأولى على إله شمسي يوسع سلطانه على حساب الآلهة الأخرى ويدعي سيطرة على مدى مكاني شاسع يقع ضمن مداره، لكننا نعلم أن ذلك المدى لم يكن يتجاوز حدود مصر. أما المثير فهو اكتساب هذا الإله صفة "اللامحدود" التي نجدها ملازمة لاسم الإله الشمسي حتى في ذلك الوقت المبكر.
ثم نجد الضمير الخلفي يحقق تقدما واضحا على يد حكماء مصر الكبار أمثال الوزير "بتاح حوتب Ptah   hotep  2400 ق.م. الذي رسم صورة عالم تحكمه الفضائل الخلقية، وفي مقدمتها التواضع، وإجلال الأب والإخلاص حتى التفاني في أداء العمل، أي بما يُعرف اليوم ب "الضمير المهني" هذه القواعد الأخلاقية وغيرها هي الحقيقة (Maat)كما سمّاها حكماء مصر في عصر الأهرامات وابتكروا لها آلهة تحمل هذا الاسم وجعلوها ابنة إله الشمس، المكلفة برعاية النظام الاجتماعي المطابق للحقيقة، أو العدالة، أو الحق، وكلها معانٍ تحتملها كلمة "معات" والملاحظ ان الآلهة الشمسية ترمز للعدالة في بلاد ما بين النهرين كما في مصر، لكن الإله شمس Shamash في بلاد ما بين النهرين يبقى واحدا بين ثلاثة آلهة طبيعيين كبار، بينما يتمركز في مصر بقوة ابتداء من القرن السادي عشر ق.م. بشكل خاص لينفرد ويتوحد في القرن الرابع عشر ق.م. على يد امحوتب الرابع  (1275 ق.م.) ولا شك ان النظام الخلقي الذي أراد حكماء مصر تحويله إلى نظام اجتماعي يتصل بإدراكهم للنظام الذي تسير عليه حركة الطبيعة، خصوصا لجهة دوام شروق الشمس في سماء صفو، واستمرارية دفق النيل وفيضانه وانحساره في مواقيت.  
لقد بقيت مصر حتى فتوحات تحوتمس الثالث (1600 ق.م.) ترى الله بوصفه إله الشمس الذي يبسط سيادته على أراضي القطر المصري الموحد دون أن يتخطّاه.
إن الفكرة الديمقراطية التي تساوي بين الشعوب هي فكرة لم تعرفها كافة الحضارات القديمة، فديانات بلاد ما بين النهرين تصنف البشر عبيدا خلقتهم الآلهة لخدمتها. أما الحضارتان اليونانية والرومانية فقد مارستا كافة أشكال التمييز والاضطهاد العنصري ضد الشعوب التي استظلت حكمهم، وديمقراطية الديانة الأخناتونية كامنة في مبدئها التوحيدي ذاته. فإذا كان الله الواحد أبا راعيا للرعية ونورا ينتشر عبر حدود القطر والعرق فإن البشر لا بد ان يكونوا إخوة أو أبناء لأب واحد وأم واحدة.
ونصوص الأهرامات تصور الإله الشمسي في شكل إله وطني يقف حارسا على حدود مصر، ويبني الأبواب التي تكبح محاولات الأغراب الدخول إلى المجال (المصري) غير القابل للانتهاك، لكن وقد توصل الوعي المصري في إطار وحدته الوجود، أي لوجود تنظم تعدده روح الله الواحد التي تتخلل كافة الموجودات، فإن هذا الإله المدرك يبقى إله مصر القومي وراعي شعبها وحارس حدودها. لكن فتوحات تحوتمس الثالث (1600 ق.م.) في آسيا وأفريقيا والتي بطلها لُقب "الاسكندر الأول" كما يقول بريستد في كتابه "فجر الضمير"، حولت مصر على اول إمبراطورية في التاريخ وقد امتدت شمالا في آسيا لتصل إلى أراضي الفرات العليا، وجنوبا في افريقيا لتشمل النوبة، وتصل عبر البحر غربا إلى الجزر اليونانية. هذه الفتوحات هي التي أنتجت فكرة العالمية او الأممية الدينية المرؤوسية من إله كوني ترعى عينه الشارقة، ليس أراضي مصر وحدها وإنما أراض وشعوب آسيوية وأفريقية بسط الفرعون، ابن إله الشمس، سلطنه فوقها. وكان هذا التوسع في افق الوعي الديني مترافقا مع التوسع الجغرافي، ذلك أن البُعد السياسي السلطوي يلابس الوعي الديني المصري، ملابسة شخص فرعون الحاكم لإله الشمس، فحدود الشمس تتحدد بحدود الإمبراطورية، وتسمع تحونمس الثالث يقول إن إلهه "يرى العالم كل ساعة" وفي إطار الإمبراطورية التي صنعتها فتوحات القرن السادس عشر اختمر الوعي المصري على مدى قرنين من الزمن ليحقق ابتداء من القرن الرابع عشر وفي عهد أمحوتب الثالث والد أخناتون (1400 ق.م.) نقلة نوعية من اتجاه الوحدانية والأممية الروحية، وقد انعكس هذا الوعي في ترتيلة شعرية وُجدت في "طيبة" منقوشة على حجر يحتفظ به المتحف البريطاني تقول الترتيلة :
"إنك الخالق الذي يشكِّل ولا يشكَّل        تخلق الجميع وتهبهم غذاءهم
أنت أن يفيد منها الآلهة والبشر        وأنت الراعي الشجاع يقود قطيعه إلى الملجأ ويهبه طعامه
وإنك السيد الوحيد الذي يأخذ كافة الأراضي    أسرى له كل يوم بوصفك الواحد الذي يرقب أولئك الذين يعيشون عليها.
وكل أرض تحتفل فرحة عند شروقك كل يوم "
يظهر هذا المقطع إدراكا جديدا لإله تسقط عليه صفات الفاتح الإمبراطوري، أي الراهن التاريخي آنذاك، لكن في القصيدة أيضا ما يوحي بصفات إلهية تتخطى    حدود المرحلة الزمنية لتكون سمات الله الكوني المحب الحنون (الأم) والراعي الحارس والكريم الواهب، والحاضر بنشاط في جسد العالم لكن حضوره مرغوب غير مرهوب.

الموحد الأول يقود "الثورة الثقافية" الأولى في العالم
إن وصف امحوتب الرابع (أخناتون) بأنه "قائد الثورة الثقافية الأولى"، أطلقه بريستد في مؤلفين اعتُبرا بين أهم ما كُتب في تاريخ الحضارة وهما "فتح الحضارة" و"فجر الضمير" وفجر الضمير أو الوعي الخلقي، ولد في مصر كما يؤكد المؤلف عبر عشرات النصوص المصرية القديمة.
فما هي الاعتبارات التي استند إليها لكي يعطي أخناتون إضافة إلى صفة الريادة الثقافية المذكورة نعوتا مصل "رؤيوي" شجاع، قوي، ومثالي، وصاحب عبقرية مشهودة لم يعرفها العالم القديم قبل ظهور العبريين.
استحق اخناتون لقب قائد "الثورة الثقافية الأول" لأنه قدم مسألة الحقيقة ووعيها على مصلحته الذاتية بل وأعطاها الأولوية على مراعاة الضرورات السياسية التي كانت تقضي بمهادنة الوعي الشعبي فيما يختص بأعز معتقداته التقليدية، وكان بإمكانه لو سار سيرة اسلافه أن يلجا إلى القوة العسكرية ليثبت وحدة الإمبراطورية المهددة بالتفكك، كان يطمح إلى وحدة عمادها "الفكر والروح وليس القوة المجردة والجيوش المكلفة وهذا ما حفّزه إلى الإعلان أن آلهة "أتون" ليس إله مصر وحدها لكنه إله الكون وكانت الديانة الجديدة هي السبيل الوحيد المتاح لاقتصاد الدولة المصرية من الهيمنة التي كان بفرضها كهنة مجلس الآلهة القديمة ورأسها أوزيريس على رأس السلطة والامتيازات المادية التي كانوا يستأثرون بها مع جهازهم الوظائفي البيروقراطي، وكانت هذه الطبقة تفرض الجمود الديني على الطقوس وتستفيد من ممارسات السحر وتغرق في المتع الحسية التي وفرتها لها الفتوحات الإمبراطورية وجهد الفلاحين، وهكذا كان رفع هيمنة الكهنة يأمر بهدم العقيدة الدينية التعددية التي كانوا يستندون إليها ويستمدون منها مشروعية تسلطهم واستبدادهم بأخرى تقدم نقاوة الروح الخلقي على أطايب الحياة الحسية، وما كان في مستطاعه أن يكشف سبيلا آخرا وهو يحكم شعبا يعتبر في جميع عصوره أتقى شعوب العالم وأشدها ورعا وينفذ الدين إلى جوانب حياته المادية والثقافية".
وقد غيّر أخناتون اسم إله مصر الشمسي القديم من "آمون" الدال على جسد الشمس المادي مجسما في قرصها الحراري، إلى أتون الرامز إلى النور – الطاقة التي تشعّ أنفاس الحياة خيوطا ضوئية تنحدر في خط مائل نحو الأرض، وكل شعاع منها ينتهي بيد بشرية مفتوحة واهية للحياة، ليس لشعب مصر وحدها، وإنما لكافة الشعوب وليس لطبقة أو فئة مغلقة ممتازة وحدها، وإنما لكل البشر سواسية الغني والفقير، القوي والضعيف، وهكذا باتت الشمس رمزا للقدرة وليست الإله يتجسّد بدوره في فرعون – ملك.
 إن عبادة القدرة (الكامنة في الطاقة الشمسية) على الأحياء وحفظ الحياة جعلت عالم النفس الشهير فرويد يصف أخناتون بأنه "صاحب الفضل في جعل الإله الكوني إلها أوحدا – وقد أعلن مستبقا بذلك على نحو مدهش الآراء العلمية اللاحقة، أن الطاقة الشمسية في مصدر كل حياة على الأرض، وأن عبادتها واجبة بوصفها رمزا للقدرة الإلهية".
وإله أخناتون هو رب الرحمة وينبوع دين عاطفة المحبة، إله رؤوف هو "الراعي" لرعيته وهو "الأب والأم" لكافة أبنائه، و"ديمقراطية" هذا الإله المحب العادل لخصها المؤرخLindsay  حيث قال إن ما يميز إله اخناتون عن آلهة العالم القديم ليس قوته التي تفوق قوة أقرانه، وإنما وحدانيته".
وإله اخناتون الوحد ليس إلها ميثافيزيقيا يقيم خارج الوجود على علو من مخلوقته، وإنما هو إله حلولي يقيم في قلب كافة مخلوقاته من عظيمها إلى صغيرها، إنه مبدأ الحياة في الأحياء، يتكثر فيها وتتوحد فيه، وهذه هي أقدم صياغة شاعرية فلسفية لنظرية وحدة الوجود كما آمن بها وعبّر عنها شعراء الرومانتيكية في الغرب خاصة الرومانتيكيون الإنجليز في العقدين الأوليين من القرن التاسع عشر، والأمريكي "أمرسون" الذي تأثر بالهندوكية وللتدليل على خصوصية ديانة التوحيد الأولى نقتطف هذا المقطع من تسبيحة كتبها اخناتون الذي كان يرفق اسمه بعبارة "الذي يحيا في الحق أو في الحقيقة" دلالة على العلاقة الخاصة التي كان يتحسسها الموحد بينه وبين الخالق.
"جميل هو شروقك في فضاء السماء
يا "أتون" الحي مبدأ الحياة. القطعان كلها ترتعفي مراعيها
والأشجار والنباتات تزهر
والأطيار تخفق أجنحتها في المستنقعات
الخرفان ترقص على الأقدام
وكل ذي جناح يطير
إنهم يعيشون بفضل إشراقك عليهم
•    * *
يا خالق بذرة الحياة في النساء والرجال
وواهب أنفاس الحياة لكل ذي زغب حتى وهو داخل البيضة
عديدة متنوعة هي أعمالك
فأنت وحدك تصنع ملايين الأشكال".
في التسبيحة يعيش الوجود حالة وحدة صوفية نموذجية، فكل المخلوقات تحيي مهرجان الفرح والعشق لحبيبها المرغوب لا الموهوب، إله الشروق، زارع الحياة نورا في ظلمة الرحم، وكلها تتحسس مصدر حياتها وكلها يثبت النظر جهة الشرق مرتلا صلاة الشكر.
ونطالع في التسبيحة صورة الواحد يتكثر في مخلوقات وموجودات تفوق أشكالها الملايين عدا، وكلها تبدأ منه وتعود إليه، وقد ذهب الفرعون "السكران بحب الله" في تجاسره على الديانة التعددية القديمة إلى الحد الأقصى حين أعلن بطلان أسطورة أوزيريس الذي كان يمثل ثالوثا كلي القداسة، فهو رمز الشمس وهو رب النيل وباعث الفيضان ومخصب الأرض ومعطي الأدوات الزراعية التي تخصبها (المحراث، المعول ألخ) وهو ملك مملكة الموت، والقاضي الذي يقاضي الميت فلاحا كان أو فرعونا، ساعة الحساب الأخير العسير ويحكم بفنائه الفوري أو خلوده الأبدي، كان النيل بفيضانه السنوي يمد المصري بوعد العودة إلى الحياة بعد الموت وكان وفيا لأرض يخصبها في حياته ولا شك أن تفاؤل الديانة المصرية وعدالتها الأخروية التي كانت تزن بميزانها أعمال الإنسان في دنياه تتصل بالنيل والشمس من فوقه، وكلاهما كانا مجسدين في أوزيريس.
من هنا يمكن فهم وقع الصدمة على المصري حين أعلن الفرعون الموحد "الذي يحيا في الحقيقة" أن فيضان النيل لا يحدث بفضل أوزيريس وإنما بفعل قوى طبيعية يتحكم فيها الإله الواحد، وأن الحياة بعد الموت خرافة، وأن أحدا لا يمثل في محكمة أوزيريس الأخروية وإنما الكل يرجع في النهاية إلى المصدر النوراني الذي منه جاء وإليه يرجع، ويمكننا استبانة التقاطع عند هذه النقطة بين الأفلاطونية والأفلوطينية وأخناتونية، وقد بلغ إصرار أخناتون على محو آثار أوزيريس من الفن والفكر حدا هدد وحدة المجتمع المصري بالانقسام غذ كان الشعب المتكئ على امنه الغذائي والنفسي ورغبته في الخلود على وسادة أوزيريس منحازا في غالبيته للكهنة والسحرة الذين ناصبوا أخناتون اشد أنواع العداء، وقد كتب على أخناتون أن يحارب إضافة إلى الكهنة، السحر والسحرة الذين امتهنوا كتابة التعاويذ التي كان يفترض في مفاعيلها إرشاد الميت إلى طريق الحياة الأبدية السعيدة وإسكات قلبه (أي صوت ضميره) كي لا يشهد ضده في حضور "أوزيريس" لحظة المحاكمة الأخروية. وقد أعلن أخناتون زيف هذه الممارسات الواسعة الانتشار واستبدلها بصلاة بسيطة ترفع لأتون تتوسل الحياة المديدة ودوام النعمة.
كان اقوى ما في الفرعون الموحد رؤيته التي صاغها شعرا في تسابيح ظهر أثرها في المزامير والأناشيد العبرية، وكان أضعف ما فيه مثالية جموح لم تهادن الوعي الشعبي والأسطورة الحية فيه وحاجته إلى الأسطورة فخسر معركته مع الكهنة حراس التقليد وجوقة كبيرة من السحرة وقطاع بيروقراطي يميل بثقله إلى تمديد الماضي في الصيرورة ان أخناتون لم يدرك كم كان متقدما في رؤياه على مواطنيه، وكم كان يستعجل المستقبل بإصراره على رؤية فلسفية تجريدية وروحانية تسمو على مدارك حسية لا تطال إلا المجسم المحسوس. وهكذا "تآمر الكهنة عليه سرا" مع الجنود وشبت الفوضى وتمردت البلدان المحتلة في ىسيا واحتل العبريون الهائمون في الصحراء فلسطين.
وفجّر الكهنة حقدهم في مدينته ومعابده وقصره وفئة الواقعي الحي ودمّروا كل الشواهد التي أقامها ليدل على الله الواحد وأعيدت عبادة "آمون" ومجلس الكهنة، وأزيل معتقد أخناتون الجميل. وبنهاية أخناتون بعد ربع قرن على توليه (1375 – 1350) وواحد وعشرين عاما ثورة ثقافية نشطة انتهت السلالة الثامنة عشرة وسادت فترة من الفوضى قطعها القائد "حورمحب" الذي حكم حتى العام 1315. لكن أخناتون انتهى فرعونا وبقي معلما، وقد تتلمذ موسى في مدرسته وتعلم من شرائع معلمه أخناتون كما يقول لنا "فرويد" في كتابه "موسى والتوحيد" وهل هناك من يستطيع أن ينكر أن موسى كان مصريا؟






 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.